جواب سؤال: هل بدأ "العد التنازلي" لإنهاء هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي؟
November 26, 2018

جواب سؤال: هل بدأ "العد التنازلي" لإنهاء هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي؟

جواب سؤال

هل بدأ "العد التنازلي" لإنهاء هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي؟

السؤال: ظهرت بشكل لافت للنظر محاولات من بعض الدول وخاصة روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، محاولات لتحل عملة أخرى بدل الدولار في المعاملات الدولية حتى إن اتفاقيات عقدت للتعامل بالعملة المحلية لبعض الدول مثل اتفاق روسيا مع الهند في 2018/10/31 لبيعها صواريخ إس 400 بالعملة الروسية، ومع تركيا قبل شهر على استخدام عُملات البَلدين لتسديد أثمان صفقة صواريخ مُماثِلة، وفي اجتماع أردوغان خلال قمة الدول الناطقة بالتركية... وأعلَنت الصين أنّها ستَدفع ثمن وارِداتها مِن النِّفط الإيرانيّ بـ"البترويوان"، ووقَّع البنك المركزيّ الصيني اتفاقيّة ثُنائيّة لتَبادُل العُملات المحليّة مع نَظيرِه في اليابان بـ200 مِليار يوان (29 مِليار دولار) مُقابِل 3.4 تريليون ين ياباني (31 مِليار دولار)، فهل بدأ "العد التنازلي" لإنهاء هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي؟

الجواب: لكي يتضح الجواب يجب بيان واقع المكانة التي يحتلها الدولار في الاقتصاد العالمي:

أولاً: بدأت مكانة الدولار بالبروز عن طريق اتفاقية "بريتون وودز" سنة 1944 حيث فرضت أمريكا الدولار وهيمنتها في الاجتماع لكونها المنتصر في الحرب العالمية غير المتضرر... وهكذا أقرّ نظام مالي وافقت بموجبه الدول الصناعية الكبرى العشر على وضع سعر معين لنقدها المحلي بالاستناد إلى الدولار الأمريكي. وكذلك اتفقت أمريكا بالمقابل على ربط الدولار الأمريكي بقاعدة الذهب "35 دولاراً للأونصة الواحدة" ومن ثم أصبح تبديل الدولارات المقدمة من المصارف المركزية الأجنبية بسعر ثابت للدولار المرتبط بالذهب، وقد قدر احتياطي الذهب عند أمريكا آنذاك بالثلثين، وباقي دول العالم بالثلث الباقي... ولكن استمرار ضعف ميزان المدفوعات الأمريكي بتأثير الإنفاق الخارجي أدى إلى ضعف احتياطي الذهب الأمريكي، فقد انخفض ما بين 1961 و1970 إلى ما يقرب من خمسة مليارات دولار. ومن أجل الحفاظ على المخزون الذهبي لأمريكا قرر الرئيس الأمريكي نيكسون في عام 1971 وقف تحويل الدولار إلى ذهب معلناً انتهاء نظام ربط الدولار بالذهب...

بعد ذلك تعاملت إدارة نيكسون مع هذا التغيير المالي الجديد من خلال سلسلة من الاتفاقات مع المملكة العربية السعودية من 1972 إلى 1974، فوجد ما يسمى بالبترودولار، معطياً الدول الأجنبية سبباً مقنعاً آخر لتكديس واستخدام الدولار بسبب حاجة الدول للبترول الذي يسعَّر بالدولار حسب الاتفاقيات مع السعودية كونها أكبر منتج للنفط في العالم، كما وافقت المملكة السعودية على إعادة تدوير مليارات الدولارات الأمريكية من عائدات النفط عبر شركات تصنيع الأسلحة الأمريكية والبنية التحتية وشراء سندات الخزانة الأمريكية، وبحلول عام 1977 كان ما لا يقل عن 20٪ من جميع سندات الخزينة في الخارج في أيدي السعودية... فإذا أضيف للبترول الذهب الذي يسعَّر بالدولار أيضاً، فإن الدول أصبحت حريصة على حيازة الدولار، فكانت نسبة الاحتياطي النقدي بالدولار في البنوك المركزية العالمية نحو 71% حتى عام 2000 وإن انخفضت بعد هذا العام إلى 62%، وكذلك فإن 40% من الديون العالمية مصدرة بالدولار.

ثانياً: واليوم يهيمن الدولار الأمريكي على المعاملات العالمية، فهذا الوضع يخلق سوقاً اصطناعية ضخمة للدولار الأمريكي، وهذا ما يميز الدولار الأمريكي عن كل عملة محلية ذاتية. إن الدولار أصبح يعمل كوسيط في معاملات لا حصر لها تصل إلى أكثر من 5.4 تريليون دولار في اليوم، لا علاقة لها بالمنتجات أو الخدمات الأمريكية... والأمر اللافت هو أن الدولار يمثل 84.9% من معاملات الصرف الأجنبي اليومية على الرغم من أن معاملات أمريكا التجارية الخاصة بها أقل من نصف هذه النسبة وذلك لأن دولاً غير أمريكا تتعامل بالدولار في أمورها التجارية! وقد ترتب على قوة الدولار الاقتصادية أن أصبحت أمريكا قادرة على معاقبة الدولة المستهدفة اقتصادياً ومالياً، ليس هذا فحسب، بل أيضاً على ثني البلدان الأخرى عن التجارة مع البلد المستهدف. إن أمريكا قادرة على تحقيق هذا الإجراء القاسي من خلال نظام (SWIFT): (الاتصالات السلكية واللاسلكية العالمية بين البنوك)، وهو نظام تسوية المدفوعات بالدولار، وبما أن الدولار هو العملة الاحتياطية العالمية، فإن نظام (SWIFT) يسهل نظام الدولار الدولي، وتقوم البلدان في جميع أنحاء العالم بتسوية المعاملات من خلاله، مما يضمن أن تستند جميع المعاملات الثنائية على الدولار. وعلى سبيل المثال، لا تستطيع روسيا والصين تبادل السلع والخدمات بعملاتها المحلية ما لم تتم تسوية المعاملات بالدولار عبر نظام (SWIFT)، وتستطيع أمريكا استخدام النظام لفرض عقوبات اقتصادية قاسية... وبناء على هذا النظام فقد منعت أمريكا ما بين عامي 2014 و2015م، منعت العديد من البنوك الروسية من (SWIFT) عند تدهور العلاقات بين البلدين، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2018م، أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات صارمة ضد إيران باستخدام (SWIFT)، وقد رفضت شركات أوروبية عدة الوفاء بصفقاتها مع إيران خوفاً من أمريكا...

وكل ذلك كما ذكرنا آنفاً لأن الدولار هو العملة الاحتياطية العالمية: (حصة الدولار في احتياطيات 146 بنكاً مركزياً على مستوى العالم مع نهاية العام الماضي قد بلغت 64% من مجموع احتياطي العملات لتلك البنوك، واحتل اليورو ثانياً باستحواذه على 20% منها، بينما لم تتعد مساهمة الين الياباني والجنيه الإسترليني الـ5%، هذا دون الحديث عن اليوان الصيني الذي لم تتجاوز احتياطاته في تلك البنوك 108 مليار دولار أمريكي مشكِّلة بذلك نسبة تقل عن 1%... 2018/8/19 www.alquds.co.uk).

ثالثاً: أمام هذا الواقع فإن دول العالم ذوات الوزن والأهمية قد انطلقت من منطلقين للحد من تأثير الدولار، فكان المنطلق الأوروبي أولاً 1999 حيث ظهر اليورو وتم تداوله رسمياً 2002 في منافسة الدولار، وكان ذلك انطلاقاً من قوة اقتصاديات الدول الأوروبية وثقتها بالقدرة على المنافسة، وأما الدول الثانية كروسيا والصين فقد تأخرت جهودهما للحد من هيمنة الدولار بسبب عدم قدرتهما على المنافسة في ذلك الوقت (وقت انطلاق اليورو) حتى حصلت الأزمة المالية 2008 فخشيت تآكل مخزوناتها الدولارية وفقدان قيمتها، فانضمت للدول الأوروبية العريقة في الحد من هيمنة الدولار، ومع تحول الصين إلى دولة ذات اقتصادٍ من الطراز العالمي فقد أصبح لتلك الجهود الدولية أثر يمكن لمسه على هيمنة الدولار...

وهكذا فقد كانت الأزمة الاقتصادية 2008 جرس إنذار للدول للتفكير في موضوع الدولار نتيجة تأثير الأزمة فيه... لكن الذي سارع في ذلك هو استفزازات ترامب وعقوباته، فإن السياسة الجديدة التي انتهجتها إدارة الرئيس ترامب قد سرَّعت من توجه الدول الكبرى الأخرى للحد من هيمنة الدولار الأمريكي عالمياً. وسياسة الرئيس ترامب تمثلت وبصلف بشعار "أمريكا أولاً" مع أن كافة الإدارات الأمريكية كانت تعمل لمصلحة أمريكا بالتأكيد، لكن إدارة ترامب تقترب من عدم الاعتراف بمصالح الدول الأخرى، فطالب ترامب أوروبا بالدفع وبأثر رجعي لقاء الحماية العسكرية الأمريكية لها، وأطلق شرارات قوية تهدد بإشعال حرب تجارية مع الصين، وطالب اليابان وكوريا الجنوبية بالدفع لقاء الحماية من صواريخ كوريا الشمالية. وعندما فرض الرئيس ترامب عقوبات على إيران جعلها تشمل أي شخص يستخدم دولارات لشراء النفط الإيراني، ولأن الصين الآن هي أكبر مستورد للنفط في العالم، فإن تصرف ترامب هذا هو الذي حفّز الصين على اتخاذ إجراءات لوقف استخدام الدولار، خاصة وأنها في حرب تجارية مع الولايات المتحدة، ولذلك ففي آذار/مارس 2018 أطلقت بورصة شانغهاي للعقود الآجلة أول عقودها الآجلة المفتوحة للمستثمرين الأجانب، وكان هذا العقد، وهو نفط آجل، مقوَّماً باليوان ليكون منافساً لعقود برنت وWTI المقوّمة بالدولار والتي تستعمل بمثابة المعايير الحالية...

ومن ثم فإن انفجار الأزمة المالية في أمريكا عام 2008، وانعكاسها على اقتصاديات كثير من الدول وتضررها من هذه الأزمة، ثم أعمال ترامب الحمائية والحرب التجارية والسياسات المالية والاقتصادية التي يتخذها... كل ذلك سارع في ظهور اتجاهات ضد هيمنة الدولار.

رابعاً: ولذلك فإن هذه التصرفات قد استفزَّت بعض الدول وخاصة القوية المستقلة، بل تجاوزتها أحياناً إلى الدول التي تدور في الفلك، وإن كان التأثير الفاعل والمؤثر هو من تحركات الدول المستقلة، وذلك لأن تأثير الدول التي تدور في فلك أمريكا يكون آنياً لغرض معين ثم تتوقف لأنه لا يمكنها معارضة أمريكا معارضة فعالة ما دامت تدور في فلكها، وسنستعرض أعمال هذه الدول:

1- أعمال من دول مستقلة:

أ- روسيا: في عام 2009 اقترح الرئيس الروسي ميدفيديف "عملة عالمية" جديدة في اجتماع مجموعة الثماني في لندن كعملة احتياطية بديلة لتحل محل الدولار. وقد وافقت الصين وروسيا والهند وتركيا ودول أخرى منتجة للنفط في الآونة الأخيرة "على إجراء كل تعاملاتهم التجارية والاستثمارية المتبادلة بعملتهم الخاصة". ولكن على الرغم من كل هذا، لا يزال سعر الذهب والنفط الخام بالدولار. إن إعلان روسيا المتكرر عن استبدال العملات الوطنية الأخرى بالدولار وأخذ أثمان النفط الروسي بعملات أخرى غير الدولار، كل ذلك يرجع إلى العقوبات الأمريكية على روسيا بعد غزوها واحتلالها لشبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا في عام 2015. إنها أيضاً كتداعيات للتحقيق في تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية في عام 2016.

ثم زادت الولايات المتحدة عقوباتها ضد روسيا بشكل مطرد منذ عام 2015، وقام الكونغرس بتوسيع العقوبات تدريجياً، واستخدم "قانون مواجهة أعداء أمريكا من خلال العقوبات"، الذي صدر في آب/أغسطس 2017، ووضع عقوبات أشد على روسيا. لقد كانت هذه إجراءات قوية للغاية ضد روسيا، وقد أدى هذا إلى قطع صلة البنوك الروسية الكبرى بالدولار، وترتب عليه انخفاض الروبل بنسبة 18٪ مقابل الدولار... وكل هذا في الوقت الذي تستخدم فيه روسيا الدولار في 58٪ من ديونها، أي تقترض ما يقرب من نصف قروضها بالدولار، ولذلك أصبحت روسيا في مأزق دفَعَها إلى محاولة تقليل استخدامها للدولار، وتحرير نفسها مالياً واقتصادياً ونقدياً من الدولار، لقد صرح بوتين في كلمة له أمام مجلس الدوما: ("علينا تعزيز سيادتنا الاقتصادية، وتجارة النفط في البورصة تجري بالدولار، ونفكر طبعاً في كيفية التخلص من هذا العبء..."، متابعاً: "وكنا نتصرف بشكل ساذج خلال العقود الماضية من السنين، آملين بأن يكون هناك التزام بالمبادئ المعلنة في مجال التجارة العالمية والاقتصاد العالمي، والآن نرى أن قواعد منظمة التجارة العالمية تتعرض لانتهاكات كثيرة، وأن هناك قيوداً تُفرض بناءً على اعتبارات سياسية، يسمونها عقوبات"... دنيا الوطن 2018/5/9)، ومن ثم أخذت روسيا تقلص تدريجياً من حيازتها لسندات الخزينة الأمريكية التي كانت في ذروتها سنة 2008 بواقع 223 مليار دولار، حتى أصبحت قرابة المئة مليار نهاية العام الماضي، وعلى وقع العقوبات الأمريكية على روسيا فقد تخلصت الأخيرة من معظم ما لديها من سندات خلال شهري نيسان وأيار 2018، ولا تملك روسيا الآن سوى 14.5 مليار دولار فقط في تلك السندات...

ومع ذلك فإنها لا تستطيع إحلال الروبل محل الدولار لأن ضعف الثقة بالروبل لا يساعدها في حشد دول ذات وزن معها، ويرجع ذلك إلى أن العديد من الدول في العالم لا ترغب في شراء الروبل حيث يتقلب على نطاق واسع في أسواق العملات، وبشكل رئيسي لا يثق العالم في الروبل الروسي كعملة احتياطية. وهكذا فإن أكثر ما يمكن أن تفعله روسيا هو الضغط على بعض الدول لدفع مشترياتها من الطاقة الروسية بالروبل، ولكن لا يمكن للعملة الروسية أن تحل محل الدولار... لقد قال ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم بوتين في مقابلة مع صحيفة "فاينانشيال تايمز": ("بدأ عدد متزايد من الدول، ليس فقط في الشرق ولكن أيضاً في أوروبا، بالتفكير في كيفية تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي". "وهم يدركون فجأة أنه أمر: أ) ممكن، ب) ويجب القيام به، ج) يمكنك أن تنقذ نفسك إذا قمت بذلك مبكراً". إلغاء الدولار أمر ممكن إلى حد ما، ولكن الأمر لا يتعلق بما إذا كنت تريد الخروج من منطقة الدولار، بل ما هو البديل بعد ذلك: اليورو؟ اليوان؟ أو البيتكوين؟" وقال كوريتشينكو، النائب السابق لرئيس البنك المركزي الروسي: "كل واحد من هذه الخيارات له تكاليفه الخاصة، علينا أن نوازن بين تكاليف البقاء مع الدولار وتكاليف إيجاد موقف جديد."... Financial Times، 3 تشرين الأول/أكتوبر 2018)، وكل ذلك يدل على أن المسئولين الروس أنفسهم غير مطمئنين بأن الروبل يصلح كنقد عالمي بدل الدولار!

ب- الصين: إن الصين بإمكانها أن تجعل عملتها اليوان منافساً قوياً عالمياً، ولكن أفقها السياسي العالمي ضيق، ومن ثم يؤثر في ضيق أفقها الاقتصادي العالمي من حيث التنافس والصراع مع أمريكا، ولذلك لم تستطع أن تفرض عملتها عالميا في التعاملات التجارية والأسواق المالية على الرغم من حجم اقتصادها الكبير، بل اعتمدت الدولار، وجمعت منه كميات ضخمة تراوحت خلال السنوات الأخيرة بين 3 و4 تريليون دولار! ومع أنها قامت بمحاولات للابتعاد عن المؤسسات المالية الأمريكية فكونت مجموعة البريكس الاقتصادية مع روسيا والهند والبرازيل ومن ثم جنوب أفريقيا، وقد تجاوز إجمالي الحجم الاقتصادي لمجموعة بريكس حوالي 15 تريليون دولار وهو ما يعادل 20% من حجم الاقتصاد العالمي البالغ 74 تريليون دولار... وكذلك أسست بنكاً للتنمية لتمويل المشاريع والإقراض للمجموعة في تموز 2015 في شانغهاي برأسمال 50 مليار دولار ليصل أخيراً إلى 100 مليار دولار كبديل عن البنك الدولي، ومع ذلك فلم تتخل عن الدولار!

وعندما فرض الرئيس ترامب عقوبات على إيران، وجعلها تشمل أي شخص يستخدم دولارات لشراء النفط الإيراني، ولأن الصين الآن هي أكبر مستورد للنفط في العالم، فإن تصرف ترامب هذا هو الذي حفّز الصين على اتخاذ إجراءات لوقف استخدام الدولار، خاصة وأنها في حرب تجارية مع الولايات المتحدة، ولذلك ففي آذار/مارس 2018 أطلقت بورصة شانغهاي للعقود الآجلة أول عقودها الآجلة المفتوحة للمستثمرين الأجانب، وكان هذا العقد، وهو نفط آجل، مقوماً باليوان ليكون منافساً لعقود برنت وWTI المقومة بالدولار والتي تستعمل بمثابة المعايير الحالية، وكل هذه أعمال ذات شأن يمكن أن تزعزع الدولار.

أما الذي يحد من العمل الجاد من الصين لإزاحة الدولار أو زعزعته بشكل فاعل فهو شدة ترابطها بالاقتصاد والدولار الأمريكيين. فحجم التجارة الأمريكية الصينية كبير للغاية ويبلغ 500 مليار دولار سنوياً، وهي تملك اليوم 1170 مليار دولار في سندات الخزينة الأمريكية (موقع صحيفة Saixin المالية الصينية 2018/9/20) هبوطاً من 1300 مليار دولار سنة 2013، وهي أكبر دولة في العالم حيازةً لتلك السندات، وتبلغ احتياطات الصين من الدولارات ما بين 3 و4 تريليون دولار يضاف إلى ذلك أن الصين صدَّرت للعالم خلال 2016 من بضائعها ما قيمته 2.1 تريليون دولار واستوردت بقيمة 1.6 تريليون دولار وفق معطيات منظمة التجارة العالمية ما يجعلها عملاقاً تجارياً هو الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة...

وهكذا فإن كثافة تجارتها بالدولار بالإضافة إلى سندات الخزينة يجعلها تقدم رِجْلاً وتؤخر أخرى في العمل الجاد لزعزعة الدولار، وإن نجاح أمريكا في جذب الصين للتجارة الدولية بالدولار جعل الصين تهتم بأن لا يهتز الدولار، فهي تعي بأنها ستكون المتضرر الأكبر عالمياً من اهتزاز الدولار، وهذا يدفعها للحد من دوره ببطء وحذر كبيرين حفاظاً على مخزونها من الدولارات والسندات، وحتى لو تحولت التجارة الصينية مع روسيا بكاملها عن الدولار فإن ذلك لا يحل المشكلة لأن حجم تلك التجارة والبالغ 120 مليار دولار سنوياً في الاتجاهين (ArabicChina 2018/9/23) يبقى محدوداً قياساً بالتجارة العالمية التي تزيد عن 20 تريليون دولار سنوياً. وبهذا فإن الصين أقل جرأة من روسيا وأكثر حذراً في مسعاها للحد من هيمنة الدولار.

ويبدو أن الصين أدركت ضرر التعامل بالدولار، سواء من حيث كثافة مخزونها من الدولارات أم من حيث سندات الخزينة الأمريكية...إلخ فصارت أكثر دول العالم شراءً للذهب وارتفع مخزونها من الذهب من 600 طن سنة 2008 إلى 1842 طن سنة 2018، وهذا ما يفسر الهبوط الكبير في احتياطاتها الدولارية التي بلغت ذروتها سنة 2014 فناهزت 4 تريليون دولار (موقع Trading Economics)، علماً أن الصين اشترت ما يزيد عن 700 طن ذهب سنة 2015 وحدها. أما سندات الخزينة الأمريكية فقد توجهت الصين بعد الأزمة المالية 2008 للبيع فهبطت قيمة حيازتها لتلك السندات خلال السنتين اللاحقتين لتلك الأزمة، إلا أن تهديد أمريكا بعرقلة التجارة الصينية والذي برز وقتها في مسألة سلامة ألعاب الأطفال المصدرة من الصين إلى أمريكا، قد أعادها إلى المزيد من الحيازة، واستمر ذلك حتى بلغ الذروة سنة 2013، ولكن الصين عادت للبيع على وقع التهديدات التجارية من إدارة ترامب، فأخذت تقلص بشكل غير صدامي من حيازتها لتلك السندات... ثم صارت تلتمس الطريق وبحذر لتقليص دور الدولار في تجارتها، فوقعت اتفاقيات مع روسيا واليابان وغيرها للتجارة بالعملات المحلية، وكذلك أنشأت بورصة شانغهاي للتجارة النفطية المقومة باليوان المغطى بالذهب، تلك البورصة التي استحوذت على 10% من التجارة النفطية العالمية خلال أول ستة شهور من إنشائها، ثم هي مشتركة في حقوق السحب الخاصة (اليوان ينضم إلى الدولار الأمريكي واليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني في سلة عملات حقوق السحب الخاصة، الصندوق يضيف اليوان الصيني إلى سلة العملات التي تتألف منها حقوق السحب الخاصة (SDR) اعتباراً من 1 تشرين الأول/أكتوبر 2016. (2016/9/30 https://www.imf.org)

ومع كل هذا وذاك، فإن كثافة مخزون الصين من الدولارات والسندات...إلخ يجعل عملها لإزاحة الدولار ليس ذا فاعلية مؤثرة، ولذلك لا يمثل اليوان سوى 1.7٪ من المدفوعات الدولية، مقارنة بـ40٪ بالنسبة للدولار الأمريكي.

ج- الاتحاد الأوروبي:

في عام 1999 ظهر اليورو وبدأ التعامل به مصرفيا وحل كعملة بديلة عن العملات المحلية لدول معينة في الاتحاد الأوروبي ابتداءً من عام 2002، وأصبح يحاول منافسة الدولار، فإن وراءه دولاً اقتصادية قوية عالمياً كألمانيا وفرنسا ويلحق بها دول أخرى صناعية وغنية، وبذلك أصبح اليورو عملة قوية عالمياً، ووراءه قوة بشكل جماعي يمكن أن يكون لها تأثير سياسي عالمي فتنافس أمريكا، ولديها إمكانيات أن تبني لها جيشا قوياً مستقلاً وهي تسعى لذلك. ودخل اليورو كاحتياطي في البنوك المركزية الدولية بنسبة تصل ما بين 20-23%. لكن أحد العوامل الرئيسة التي تحول دون سيطرة اليورو على الاقتصاد العالمي هو ضعف النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي لأوروبا أمام أمريكا. فالاتحاد الأوروبي ذاته ما زال في حالة الدفاع عن وجوده، إذ إن هناك تهديدات ليست هينة لهذا الوجود، وخروج بريطانيا منه اعتبر هزة ثقة به، وكذلك صعود حركات انفصالية عنصرية في بلدانه تطالب بالانفصال عن الاتحاد مما ضعضع الثقة بالاتحاد... هذا بالإضافة إلى عدم وحدة القرار السياسي له، كلها عوامل تنعكس على عملة اليورو والثقة به.

2- دول تدور في فلك أمريكا باتفاق مع روسيا والصين وأوروبا:

  • ·     تركيا وإيران والهند واليابان:

- أعلن رئيس البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همّتي أنه في الاجتماع مع ممثلي روسيا وتركيا (نوقشت مسألة التجارة باستخدام العملات المحلية بدلا من الدولار... صحيفة طهران تايمز 2018/9/9)...

- وافقت تركيا وروسيا وإيران على استخدام عملاتهم المحلية في المبادلات التجارية فيما بينهم بدلاً من الدولار الأمريكي، وفقاً لما ذكرته وكالة الأناضول التركية. ونقلت الوكالة، التي تديرها الدولة، عن محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همّتي قوله في طهران (إن المعاملات التجارية ستجري باستخدام أسعار صرف محددة... 2018/9/9 https://ahvalnews.com/ar)

- وفي تشرين الأول 2018م، وافقت الصين واليابان على صفقة مقايضة عملات بقيمة 30 مليار دولار، وهي أكبر صفقة لليابان...

- وأعلن يوري برويسوف، نائِب رئيس الوزراء الروسيّ يوم 2018/10/31 بأنّ ("عقد توريد منظومة صواريخ "إس 400" إلى الهند سيَتِم باستخدام العُملة الروسيّة "الروبل"... أ ش أ 2018/10/31).

هذه الدول التي تحاول الصين وروسيا جلبها إلى سياسة التعامل بالعملات المحلية هي ما زالت تدور في فلك أمريكا أو عميلة لها، أي أنها سياسياً مرتبطة بأمريكا وسرعان ما تتماشى مع أمريكا ولا تحزم أمرها في التخلي عن التعامل بالدولار أو التخلي عن جعله الاحتياطي النقدي لها. فالقرار بالاستقلال الاقتصادي يجب أن يوازيه استقلال سياسي كالصين وروسيا المستقلتين. وهي وإن قبلت بحث التعامل بالعملة المحلية مع روسيا والصين فقد ألجأتها لذلك أمريكا لظرف طارئ بزواله يعود الأمر كما كان:

فتركيا منذ أن فرض الرئيس ترامب عقوبات على الصلب التركي، ومنذ أن هاجمت الولايات المتحدة العملة التركية، صار أردوغان ينتقد الدولار للاستهلاك المحلي، فإجمالي ديون تركيا التي تتجاوز قيمتها 400 مليار دولار يتم تحصيلها بالدولار، وهذا يعني أنه في كل مرة تنخفض قيمة عملتها مقابل الدولار، فإن سداد الدين يتطلب المزيد والمزيد من الليرات، ومن ثم ترتفع الأسعار ويرهق الناس فيلقي أردوغان خطبة عصماء كعادته!... وأما تصريح أردوغان في المؤتمر السادس للمجلس التركي في مركز روخ أوردو الثقافي في قرغيزستان، في الثالث من أيلول، فقد قال: "إننا نقترح التجارة بعملتنا الخاصة بدلاً من الدولار الأمريكي"، فإن هذا التصريح ليس له أي واقع، وهو بعيد كل البعد عن أن يصبح حقيقة واقعة، وذلك لأن تركيا تتاجر بشكل أساسي مع الاتحاد الأوروبي! ومع ذلك فتركيا تتاجر بالدولار، وتقترض بالدولار وتحجز أكثر احتياطها من العملات الأجنبية بالدولار، وكذلك فإن النفط المستورد والغاز الطبيعي والمواد الخام المستوردة تتم جميعها بالدولار... وقد رأينا تركيا عندما رفعت أمريكا العقوبات عنها بعدما أطلقت القس الأمريكي عادت الأمور إلى مجاريها، ولم تعد بالحماسة نفسها قبل رفع العقوبات لإعطاء الأولوية بالتعامل بالعملات المحلية... وأما الدول الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى، فهي تبع للسياسة الروسية، والتجارة التركية معها حتى وإن تم تبادلها بالعملات المحلية لا ترقى إلى الأرقام المؤثرة في التجارة العالمية لهامشية اقتصاد بلدان آسيا الوسطى.

وأما إيران فهي ممنوعة أمريكياً من التعامل بالدولار بحكم العقوبات المالية القاسية التي فرضت عليها لسنوات طويلة بعد أن تم إخراجها من النظام المصرفي الأمريكي... ولكنها بعد رفع العقوبات عنها سنة 2015 كانت تبيع نفطها بالدولار ووقعت عقوداً كبيرة مع شركات دولية بما فيها شركات أوروبية كإيرباص وتوتال الفرنسية بالدولار حصراً، وكأن شيئاً لم يكن! فالعقوبات ورفعها يؤثر في تصرفات إيران بشكل وقتي فإن أمريكا هي من يدخل إيران أو يخرجها من نظام التعاملات الدولارية SWIFT، وعندما تزيد أمريكا في التصريحات المعادية لإيران وتغلق بابها أمام الدولار يكون الرد الإيراني بالتصريح عن التعامل بغير الدولار...

وأما الهند فهي تستورد السلاح الروسي من قديم ولم تمانع أمريكا بذلك، فللهند حظوة عند أمريكا لأنها تريدها قوة ذات شأن تتصدى للنفوذ الصيني المتزايد في آسيا، والهند تُدرك ذلك، ومن ثم فلا يُتوقع من الهند أن تسعى لتغيير الدولار إلى الروبل أو اليوان كنقد عالمي.

وأما اليابان فارتباطها بأمريكا لا يحتاج إلى بيان فتعاملها مع روسيا لا يعني بحال أنها ضد الدولار أو أنها تقبل بالروبل بديلاً للدولار.

والخلاصة: إن الدول التي يمكن أن يحسب لها أثر فاعل في التأثير في إزاحة الدولار عن موقعه هي روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، ولكن لكل من هذه عوامل تُضعف حركتها كما بينا في مواضعها، ولكنها لو تخلصت من تلك العوامل فإنه يمكنها أن تزحزح الدولار من مكانه، وهي إن لم تجدّ وتجتهد في هذا الأمر فسيفاجئها ما يسمى بالدولار الضعيف وعندها ستجد ثروتها من الاحتياطات الدولارية في مهب الريح، فإن أمريكا تعاني من مديونية كبيرة، فقد ذكرت مجلة WashigtonExaminer الأمريكية 2018/10/1 (ارتفع الدين الحكومي الأمريكي أكثر من 1.2 تريليون دولار خلال السنة المالية التي انتهت 30 أيلول 2018 وفقاً لموقع حكومي يتتبع الدين، وكان الدين القومي الأمريكي قد بلغ نهاية السنة المالية 2017 (20.25) تريليون دولار، وفي آخر السنة المالية 2018 بلغ (21.52) تريليون...).

إن تراكم المديونية الأمريكية عبر عشرات السنين قد أوصل البلاد إلى مأزق مالي، ولما تسارع ذلك التراكم بعد أزمة 2008 فقفز من 8 تريليون دولار إلى 21 تريليون اليوم فإن المأزق المالي الأمريكي قد أصبح حاداً، وهو ما سماه بولتون بالخطر على الأمن القومي، وبحاجة إلى حلول سريعة، أي في الأمد القريب والمتوسط، وليس البعيد... وأمام هذا الواقع فإن المجال المتبقي أمام أمريكا لتدبير تمويلها هو ضخ المزيد من السيولة (طباعة الدولارات)، وضخ السيولة بالكميات التي تفي بتمويل الدولة ناهيك عن سداد ديونها سيؤدي إلى انهيار للدولار، أو ما سماه وزير الخزانة الأمريكي "دولار ضعيف"، وهو يعني فقدان دول العالم التي تتعامل بالدولار في تجارتها، واحتياطي عملتها، وما تملكه من سندات الخزينة الأمريكية، فقدانها لجزء من ثروتها بالقدر نفسه الذي يتم به إضعاف الدولار، أي يكون ضربة قوية لتلك الدول!

على كل إن الواقع الحالي لا يمكِّن هذه الدول من اعتماد عملة عالمية بدل الدولار، ولكن يمكن القول إن محاولات روسيا والصين التعامل بالعملات المحلية وعقدها مع الدول الأخرى عقوداً بالعملات المحلية له تأثير في كسر هيمنة الدولار إذا استمرت بقوة وبدون تراخ، والحراك الأوروبي بجانب الصين له تأثير أكبر. والإقبال على شراء الذهب سيعزز من ذلك إلا أنه لا يحل المشكلة ما دام هو باقياً سلعة في البنوك المركزية يباع للحصول على الدولارات عندما تحتاجها الدول، أو احتياطياً لدعم النقد الورقي للدولة تتمكن به من الحصول على العملة الصعبة... إنه لن يحل المشكلة إلا أن يكون الذهب والفضة هما النقد، وإذا صدرت أوراق نقدية فيجب أن يقابلها ذهب أو فضة لا أن يكون مجرد سلعة في البنوك لشراء ما يسمى بالعملة الصعبة. أي أن المصرف المركزي في كل دولة يُصدر العملة بالذهب والفضة، ولا مانع من أن يُصدر ورقة نقدية عليها قيمتها من الذهب والفضة تخول حاملها في أي وقت يشاء أن يذهب إلى المصرف ويأخذ مقابلها من الذهب أو الفضة، أي يتعامل بها كنقد نائب عن الذهب والفضة يصرف بقيمته المكتوبة عليه ذهباً وفضة، فالهيمنة تكون للذهب والفضة... ومن ثم لا تستطيع دولة أن تنهب ثروات الغير أو تستغل جهودهم وتشغل آليتها الحربية وتشن حروبها العدوانية بأوراق نقدية لا قيمة لها. وكما نرى حالياً فلا توجد دولة تستطيع فعل ذلك، وإنما هي دولة الخلافة التي لا يمكنها إلا تنفيذه لأنه حكم شرعي أمر الله به، وقد طبقه رسوله e في دولته فعلاً، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون ومن جاء بعدهم من الخلفاء إلى أن هدمت دولة الخلافة عام 1342 هجري الموافق لعام 1924 ميلادي، ومن ثم ساد الباطل... ساد المبدأ الرأسمالي العالم الذي لا يهم أصحابه إلا النهب وأكل أموال الناس بالباطل وجمع المال وتعداده بالمليارات، فهو حكم بشري جائر، ونحن نرى ماذا ترتب عليه من أزمات مالية واقتصادية مدمرة بجانب التلاعب بمقدرات الناس ونهب ثرواتهم وضياع أموالهم بأوراق هي في ذاتها لا تساوي شيئاً! فلا بد من إسقاط هذا المبدأ الباطل والعمل على سيادة المبدأ الإسلامي مبدأ الحق والعدل متجسداً في دولته التي وعد الله بها عباده المؤمنين العاملين الصالحين: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وسيبقى العالم في شقاء مالي واقتصادي ما دام لا يحتكم إلى شرع الله، وصدق الله سبحانه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾.

الثامن عشر من ربيع الأول 1440هـ

2018/11/26م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م