!جواب سؤال: حقيقة الصراع في أفريقيا الوسطى
February 25, 2014

!جواب سؤال: حقيقة الصراع في أفريقيا الوسطى

جواب سؤال حقيقة الصراع في أفريقيا الوسطى!


السؤال:

في 20/2/2014 طالب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بإرسال قوات عسكرية إضافية بشكل سريع إلى أفريقيا الوسطى لمنع تدهور الوضع الأمني. مع العلم أن فرنسا أرسلت 2000 جندي بجانب القوات الأفريقية التي زاد عددها عن 5000 جندي بعدما أصدر مجلس الأمن في 5/12/2013 قرارا بالتدخل عسكريا في أفريقيا الوسطى. وقد قامت ميلشيات نصرانية بأعمال وحشية وبشعة ضد المسلمين من قتل وحرق وأكل للحومهم وتدمير لبيوتهم ونهب لممتلكاتهم وتهجير لهم. واستقال ميشيل جوتوديا أول رئيس من اصل مسلم لجمهورية أفريقيا الوسطى في 10/1/2014، وأُعلن عن انتخاب كاثرين سامبا - بانزا رئيسة لهذه الجمهورية في 20/1/2014. وقد أعلنت أمريكا عن دعمها للقوة الأفريقية ودعت إلى إجراء انتخابات قبل شباط/فبراير 2015. فما حقيقة الصراع هناك؟ وكيف تفجر الوضع؟ وما أسباب الأزمة هناك؟ وإلى أين تتجه؟

الجواب:

للإجابة على ذلك يجب علينا أولا أن نتعرض لوضع المسلمين في أفريقيا الوسطى، ونعرض قصة الانقلابات فيها وعلاقتها بالصراع الدولي وما نتج عن ذلك:


1- تقدر نسبة المسلمين في أفريقيا الوسطى ما بين 15% إلى 20% من عدد سكانها البالغ حوالي 5 ملايين. ولكن هذه النسبة مشكوك فيها بالنسبة لحجم انتشار المسلمين في البلاد، وهذه الإحصائيات ليست محايدة ولا نزيهة حيث يعمد دائما للتقليل من نسبة المسلمين لعوامل عدة... ولهذا فإن الراجح أن نسبة المسلمين تفوق هذا التقدير... والنسبة الباقية يتقاسمها النصارى والوثنيون... وينتشر المسلمون في العاصمة بانغي حيث بنوا فيها عددا كبيرا من المساجد ومدارس تعليم القرآن، وكذلك ينتشرون في العديد من المدن والمحافظات الرئيسة الأخرى وخاصة في شمال البلاد حيث نشأت هناك سلطنة إسلامية في نهاية القرن السابع عشر الميلادي عندما نزح عدد من سلاطين سلطنة باجرمي الإسلامية في جنوب تشاد بعد سقوط سلطنتهم هناك ونزوحهم من جنوب تشاد إلى شمال أفريقيا الوسطى. وقد أسلم على أيديهم الكثير من الوثنيين مثلما أسلم الكثير على أيديهم في جنوب تشاد. مع العلم أن الإسلام دخل إلى منطقة شمال إفريقيا الوسطى في القرن الثالث عشر الميلادي وأسلمت بعض القبائل مثل قبيلة الرونغا التي تتمركز في منطقة إندلي عاصمة الشمال، وقبيلة فاكاقا التي تتمركز في مدينة براو عاصمة الشمال الشرقي وهي من أكثر المناطق الغنية بالذهب والألماس واليورانيوم. وهناك مجموعات من المسلمين الذين وفدوا إلى هذه المناطق في القرن الثامن عشر والتاسع عشر لأسباب مختلفة وأسهموا مع إخوانهم في العمل على دحر الاستعمار الفرنسي من البلاد. وكذلك وفد إليها مسلمون من غرب أفريقيا من قبيلتي الهوسا والفلاتا ويشكلون النسبة الأعلى في المناطق الجنوبية الغربية المحاذية للكاميرون. وقد عمل النظام ومن ورائه فرنسا، وخاصة نظام باتاسيه، عمل على عزل المسلمين عن الوثنيين خوفا من انتشار الإسلام بينهم، بل قام بعملية إبعاد للمسلمين من الحكومة ومن الوظائف العامة، فاتجه المسلمون نحو التجارة، وعليه فبعد المجازر في التجار المسلمين توقفت التجارة وظهر نقص شديد في المواد الغذائية لدى سكان العاصمة بانغي.


2- بدأ دخول الاستعمار الفرنسي أفريقيا الوسطى عام 1885م، وأنشأت فرنسا قاعدة لها في بانغي، وأصبحت المنطقة مستعمرة فرنسية بشكل رسمي عندهم في 1894م، وعندما منحتها فرنسا الاستقلال الشكلي عام 1960 ملّكت النصارى أمر البلد، وقد بقي نفوذها فيها واستعمارها لها كما كان سابقا، فكانت تُنصِّب الحكام من النصارى إما بانقلاب وإما بما يسمى انتخابات... فقد نصّبت فرنسا دافيد داكو كأول رئيس عند إعطائها الاستقلال الشكلي لأفريقيا الوسطى، ولكن ما أن مضى على حكمه سنتان حتى بدأ يظهر الاستبداد ويقوم بحملات القمع ضد خصومه، واستغلت هذا الوضع أمريكا التي كانت تزحف نحو أفريقيا، وكان الاتحاد السوفييتي يومئذ يعمل على محاربة الاستعمار القديم بعدما اتفق على ذلك مع أمريكا عام 1961، فكان لهاتين الدولتين اللتين أعلنتا سياسة الوفاق بينهما تأثير في إثارة شعوب أفريقيا ضد المستعمرين القدامى. فخافت فرنسا على نفوذها في البلد، فدفعت رئيس الأركان جان بيدل بوكاسا عام 1966 ليقوم بانقلاب ويُحكم قبضته على الحكم، وعين الرئيس السابق دافيد داكو مستشارا له فيما بعد، ما يدل على أن الانقلاب ما هو إلا ترتيب من فرنسا للوقوف في وجه الهجمة الأمريكية السوفييتية، وذلك بتعيين عسكري مستبد ليبطش في كل من يقوم ضد النفوذ الفرنسي. واستمر بوكاسا في استبداده وتركيز نظامه لحماية النفوذ الفرنسي في البلد إلى أن أعلن نفسه إمبراطورا عام 1976! وكان يعظّم الفرنسيين حتى أطلق على ديغول الرئيس الفرنسي حينئذ لقب البابا وجعل بلاده مرتعا للفرنسيين. وقد انتشرت حول بوكاسا شائعات كثيرة منها أكل لحوم البشر وقتل الأطفال، وأثير الرأي العام العالمي ضده، فقامت فرنسا وتدخلت بقواتها المرابطة هناك لإزاحته عن الحكم ونصبت دافيد داكو مرة ثانية كرئيس للبلاد عام 1979 ثم قام الجيش بقيادة الجنرال أندريه كولينجبا في شهر أيلول/سبتمبر 1981 بانقلاب وأزاح داكو عن الحكم. وبعدما تمكنت فرنسا من إسقاط حبري الموالي لأمريكا في تشاد والإتيان بعميلها إدريس ديبي 1990، قويت شوكة فرنسا في أفريقيا الوسطى لأن تشاد تعدّ ركيزة لدعم النفوذ الفرنسي في أفريقيا الوسطى... وهكذا رأت فرنسا أن نفوذها تركز في أفريقيا الوسطى، فأرادت أن تصبغ الحكم في هذا البلد بصبغة ديمقراطية! فقررت إبعاد الجيش عن الحكم وإجراء انتخابات من جديد هناك، فجرت انتخابات رئاسية عام 1993 وأُعلن عن فوز فيليكس باتاسيه المرتبط بفرنسا والذي كان يقود المعارضة، والذي دفع فرنسا لذلك هو العمل على امتصاص تأثير دعوات الديمقراطية التي تركز عليها أمريكا في أفريقيا لإسقاط الاستعمار القديم والحلول محله، وهكذا أنشأت فرنسا حكماً بالانتخابات ومعارضة بزعامة القس فرانسوا بوزيزيه وكان فيها جماعات عرقية مختلفة من ضمنها مسلمون، وقد نقمت تلك المعارضة على فساد باتاسيه، واضطهاده للمعارضة وبخاصة المسلمون، وانتقلت المعارضة إلى تمرد مسلح... فرأت فرنسا تبديل باتاسيه وجاءت بزعيم المعارضة القس بوزيزيه رئيساً للجمهورية في 15/3/2003 وقد ساعده المسلمون للوصول إلى الحكم... ولكن بوزيزيه تنكر للذين ساندوه من المسلمين ومن المعارضة التي كانت معه، ولم يعبأ بهم، بل نظر إليهم كأعداء! وأوكل حراسته إلى شركة فرنسية أمنية بقيادة الجنرال الفرنسي المتقاعد جان بيار بيرز، ثم أجرى انتخابات 2005 و2011، وأعلن فوزه في كل منها... وخلال هذه الفترات ظهر تمرد جديد عليه، وظهرت حركة سيليكا (وهي تعني التحالف أو الاتفاق بين تنظيمات خمسة، رؤساؤها من المسلمين، وكان أكبرها بقيادة دجوتوديا...) ورغم كل انتخابات بوزيزيه المسرحية فإن الأوضاع لم تستقر في البلد وزاد طغيان بوزيزيه، وبخاصة ضد المسلمين حيث دفع نظام بوزيزيه قواته إلى التعدي على ممتلكات المسلمين، فوقع منهم مئات الضحايا وهم يدافعون عن أنفسهم وممتلكاتهم...


3- على إثر ذلك فقد تم في 11/1/2013 عقد مؤتمر في ليبرافيل عاصمة الغابون حضره الرئيس بوزيزيه وحركة سيليكا للتوصل إلى حل... وقد كشف المؤتمر عن مدى الظلم الذي يتعرض له المسلمون في أفريقيا الوسطى حيث إن أدنى حقوقهم كانت مهضومة... وعليه فقد طالبوا بها، وهي مطالبات بسيطة: الاعتراف بالإسلام كباقي الأديان، والاحتفال رسميا بعيدي الفطر والأضحى، وعدم اضطهاد المسلمين... ولكن بوزيزيه كان يتقن المماطلة، فبعد أن وافق على بعض مطالب المسلمين وسيليكا، وأن يستمر هذا العميل الفرنسي في الحكم حتى 2016، ورغم أن الاتفاق ضمن استمرار حكم بوزيزيه رغم مجازره... وأن أمريكا قد أيدت الاتفاق كما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية... رغم كل ذلك فإنّ فرنسا وبوزيزيه قد ماطلوا في تنفيذ هذه الحقوق البسيطة، بل وانقلبوا عليها واستأنفوا أعمالهم الوحشية ضد المسلمين، فتحركت سيليكا نحو القصر واستولت عليه في 24/3/2013 بقيادة ميشيل أندو جوتوديا الذي أصبح رئيساً... وهنا صرخت فرنسا وولولت لأن أندو جوتوديا من أصل مسلم، ومع أنه حاول إرضاء الغرب منذ توليه الحكم كما جاء في تصريحاته حيث قال عندما أعلن عن نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد: "إن أفريقيا الوسطى دولة علمانية يعيش المسيحيون والمسلمون في دولة علمانية، صحيح أنني مسلم، لكن من واجبي خدمة وطني وجميع مواطني إفريقيا الوسطى". (31/3/2013 الخليج). وكل ذلك إرضاء للغرب وخاصة فرنسا ومعها النصارى، حتى إنه لم تنزع سلاح المليشيات النصرانية وأبقاها تعمل، إلا أن فرنسا لم تعترف بالرئيس الجديد، وكذلك عملاؤها... وبدأت فرنسا تعمل ضده بقوة لأنه من أصل مسلم، وتبعها عملاؤها في ذلك، ومن ثم حركت فرنسا زعماء وسط أفريقيا لعقد مؤتمر في نجامينا عاصمة تشاد بتاريخ 3/4/2013، وخطب فيهم إدريس ديبي عميل فرنسا البارز قائلاً: "يبدو مستحيلا بالنسبة لنا أن نعترف برجل نصب نفسه". (5/4/2013 الوسط)، ومع أن المجلس الانتقالي قد أعلن في 13/4/2013 عن انتخابه لميشيل أندوجوتوديا رئيساً للبلاد، إلا أن كل هذا لم يشفع له بسبب كونه من أصل مسلم، فقطعت فرنسا تقديم الدعم لهذه الحكومة مع أنها تنهب ثروات البلاد من اليورانيوم والذهب والألماس وتمن على حكومات أفريقيا الوسطى بالمساعدة وتقطعها عنها عندما ترى ذلك معتبرة تلك الثروات ملكا لها!


4- بدأت فرنسا بتهيئة الأجواء للتدخل وخلق المشاكل لتبريره، فتمكنت من استصدار قرار من مجلس الأمن في 5/12/2013 بتفويضها بالتدخل عسكريا في أفريقيا الوسطى، فكان التدخل في 8/12/2013، وقد دعا الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند إلى استقالة ميشيل أندوتودجيا وإجراء انتخابات مبكرة. ولذلك عقدت فرنسا قمة أفريقية إقليمية في العاصمة التشادية نجامينا في 10/1/2014 ومارست ضغوطاتها بواسطة هذه القمة لحمل جوتوديا على الاستقالة، فأعلن استقالته خلال هذه القمة. وأُعلن عن انتخاب سامبا بانزا رئيسة بلدية العاصمة بانغي كرئيسة مؤقتة للبلاد في 20/1/2014، وقد تبع ذلك أعمال وحشية قامت بها مليشيات النصارى على سمع وبصر القوات الفرنسية، التي قامت بنزع أسلحة أكثر من 7000 مقاتل من حركة سيليكا بحجة حفظ الأمن، ولكنها لم تنزع أسلحة المليشيات النصرانية، وخاصة ما يطلق عليها "أنتي بالاكا"، بل دعمتها! ثم إن هذه المليشيات بعد إسقاط الرئيس جوتوديا قاموا بأعمال بشعة أفظع مما تقوم به الوحوش من قتل وحرق للمسلمين وأكل لحومهم وتدمير لبيوتهم ومساجدهم ومدارسهم ومؤسساتهم ونهب لممتلكاتهم تحت مرأى القوات الفرنسية والأفريقية. حتى إن تقارير الأمم المتحدة اتهمت فرنسا بدعم الميليشيات النصرانية ضد المسلمين العزل بعدما جردتهم من أي سلاح يمكن أن يدافعوا به عن أنفسهم... وقد كان من فظاعة هذه الجرائم أن اعترفت الرئيسة الجديدة بذلك فقالت: "انتي بالاكا فقدوا معنى مهمتهم، أضحوا اليوم هم الذين يَقتلون". وقالت: "إنهم يعتقدون أني ضعيفة لأنني امرأة، لكن من الآن فان حركة انتي بالاكا الذين يريدون القتل سيلاحقون". (إذاعة بي بي سي 12/2/2014)، وأضافت الإذاعة قائلة: "هرب عشرات الآلاف من المسلمين من أفريقيا الوسطى إلى الكاميرون وتشاد كما لجأ قسم منهم إلى مخيمات داخل البلاد. وذكرت منظمة العفو الدولية أن هجمات الميليشيات أدت إلى نزوح جماعي للمسلمين بمعدلات تاريخية. ووصفت الوضع في أفريقيا الوسطى بأنه عبارة عن تطهير عرقي". ومع ذلك فقد رفضت رئيسة البلاد هذا الوصف، بل ادعت أن "ما يجري في البلاد هو عبارة عن مشكلة أمنية"!


5- حاولت أمريكا الاستفادة من مجازر الفرنسيين وعملائهم في أفريقيا الوسطى، فعملت على تقوية القوات الأفريقية في أفريقيا الوسطى لتكون موازية للقوات الفرنسية، وبذلك يزول التفرد الفرنسي تمهيدا لإزالته وحلول أمريكا مكانه أو مشاركته... وقد بدأ الناس يتهمون القوات الفرنسية بالتواطؤ مع المليشيات النصرانية الإجرامية، وتصاعدت المطالبات بقوات أفريقية وليس فرنسية، وساند ذلك دعوات من مصادر أمريكية، وكذلك من مصادر الأمم المتحدة التي تؤثر فيها أمريكا بفاعلية... فقد صرح رئيس اللجنة المختصة بالشؤون الأفريقية التابعة للجنة الخارجية في الكونغرس الأمريكي كريستوفر كونر: "إن اللجنة عقدت جلسة الاستماع لتحديد ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لدعم الجهود المتعددة الأطراف لضمان أن تكون قوات الاتحاد الأفريقي لديها القدرة اللازمة لتعزيز الأمن وإنهاء العنف". (آي آي بي ديجيتال موقع تابع لوزارة الخارجية الأمريكية 23/12/2013) وقامت مندوبة أمريكا الدائمة في الأمم المتحدة سامانثا باور ومساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية ليندا توماس غرينفلد بزيارة بانغي 19/12/2013 للاجتماع مع المسؤولين الانتقاليين هناك. وقالت غرينفلد: "نعتقد أن التفويض القوي لبعثة الاتحاد الأفريقي من أجل ترسيخ الاستقرار هو المطلوب الآن لمواجهة المجموعات والفصائل المسلحة ونزع سلاحها". (المصدر السابق). وبالمقابل فقد عملت فرنسا على تعزيز القوات الدولية بقوات من دول أوروبية لتقابل القوات الأفريقية التي بلغ عددها 4400 وسيضاف إليها قوات من رواندا يبلغ تعدادها 850 جنديًا. ولهذا السبب "قررت الرئاسة الفرنسية في 14/2/2014 إرسال 400 جندي إضافي إلى أفريقيا الوسطى لتعزيز قوتها الموجودة هناك ليبلغ عددها 2000 جندي. وقال بيان الرئاسة الفرنسية: إن هذا الجهد الإضافي من 400 جندي يشمل الانتشار المبكر للقوات القتالية الفرنسية التي ستشارك لاحقا في العملية العسكرية للاتحاد الأوروبي فور انتشارها. وأضاف في بيانه: أن فرنسا تدعو الاتحاد الأوروبي إلى تسريع نشر قوة يوفور ومن ضمنها قوة الدرك الأوروبية. وأفادت مصادر دبلوماسية أن مشاركة الاتحاد الأوروبي يمكن أن تكون 900 جندي أي أكثر من 500 الذين كانوا متوقعين". (أ ف ب 14/2/2014) وقررت أمريكا تمويل القوات الأفريقية؛ فقد صرحت ماري هارف نائبة المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية قائلة: "نشعر بقلق عميق جراء تفاقم أعمال العنف في جمهورية أفريقيا الوسطى والتي أدت إلى أزمة إنسانية متنامية وزيادة خطر ارتكاب أعمال وحشية جماعية.

ويوم أمس صوتنا لصالح قرار قوي مشترك في مجلس الأمن يوفر لقوات الاتحاد الأفريقي والقوات الفرنسية التي تدعم قوات الاتحاد الأفريقي السلطة تحت البند السابع لاستعادة الأمن وإحلال السلام لشعب عاني منذ فترة طويلة جدا. وننوي تقديم 40 مليون دولار على شكل معدات وتدريبات أو دعم لوجستي لقوات الاتحاد الأفريقي وحلفائنا الفرنسيين طالما دعت الحاجة إلى ذلك". (آي آي بي ديجيتال 6/12/2013)، وواضح من تصرفات هذه القوات، سواء أكانت من دول أفريقية تؤثر فيها أمريكا، أم كانت قوات فرنسية مطعَّمة بقوات أوروبية تواليها، واضح من تصرفات هذه القوات البالغة نحو 8000 أنها ليست لحماية الأمن في الجمهورية الأفريقية، فهي لم تصنع شيئاً في منع الأعمال الوحشية، والمجازر الفظيعة ضد المسلمين، مع أنها لو جدَّت لاستطاعت فالبلد صغير في سكانه.... وإنما هي من باب التنافس حول النفوذ الفرنسي والنفوذ الأمريكي الذي يبذل الوسع في طرق الباب لإدخال نفوذه... وهكذا أصبحت دماء المسلمين التي تسفك، ولحومهم التي تُنهش... حلبة مصارعة ترقص فرنسا وأمريكا على أرضها وأرجلهم تغوص في دماء المسلمين.


6- وعليه فإن أمريكا تعمل على تقوية نفوذها في أفريقيا الوسطى بواسطة تعزيز القوات الأفريقية وتقوية مهمة هذه القوات، ولهذا السبب طلب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي يسير وفق السياسة الأمريكية من مجلس الأمن: "أن ينشر وبشكل سريع 3000 جندي إضافي لفرض الأمن وحماية المدنيين..". (أ ف ب 20/2/2014)، ومعروف أنها ستكون من القوات الأفريقية... ويبدو أن أمريكا تريد في نهاية المطاف عملية سياسية ثم انتخابات تستغل فيها دماء المسلمين لمقاسمة فرنسا النفوذ في أفريقيا الوسطى! ومن المتوقع كذلك أن فرنسا ستتماشى مع أمريكا في الحلول السياسية حتى لا تخسر كل شيء لأن هذه المرة أشد عليها من كل المرات السابقة، ومن ثم تعمل على إنجاح عملائها للوصول إلى الحكم عن طريق الانتخابات كذلك.


7- وفي الختام فإن دماء المسلمين أصبحت ميدان صراع بين أمريكا وبين فرنسا من أجل النفوذ... ولا يهمهم أو يعنيهم أن تجري الدماء أنهاراً من المسلمين، ولا أن يعذب الشيوخ والأطفال والنساء، بل ويؤكلون أحياء... إنما المهم لهذه الدول الكافرة المستعمرة هو من يقف في النهاية يصفق فوق تلك الجثث والأشلاء... إن الكفار المستعمرين ملة واحدة لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة... ولذلك فإن الطرفين يركزان على قتل المسلمين مهما اختلفت أساليبهم وأغراضهم، لكنهما يتركان مليشيات النصارى تسرح وتمرح في الولوغ في دماء المسلمين...


ولكن المؤلم والمحزن هو أن المسلمين لا بواكي لهم، فدماؤهم تسفك بفظاعة في فلسطين وبورما وكشمير والشيشان وتتارستان وفي سوريا، وها هي في أفريقيا الوسطى... الخ. والحكام في بلاد المسلمين يخدمون مصالح الغرب، لا مصالح المسلمين، فينظرون إلى المجازر كما لو كانت في بلاد الواق واق أو في عالم آخر غير عالمهم في الوقت الذي فيه تلك المجازر لا تبعد عن أراضي سيطرة أولئك الحكام شبراً أو ذراعاً... فلهم الويل مما يصنعون.


وخاتمة الختام، فإن المسلمين يفتقدون الجُنَّة التي تردع المعتدين، يفتقدون الخليفة الدرعَ والوقاية. «وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ» أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه... ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م