جواب سؤال: حقيقة الوفاق الأمريكي-الروسي والغرض من القمم النووية
جواب سؤال: حقيقة الوفاق الأمريكي-الروسي والغرض من القمم النووية

إن بوتين وقد كان مدير الكي جي بي في الاتحاد السوفييتي السابق يحن إلى دور دولي بارز كما كان الاتحاد السوفييتي مع أمريكا، ولهذا وافق على القيام بالدور العدواني الإجرامي في سوريا لمصلحة أمريكا بتثبيت حكم بشار إلى أن تجد أمريكا البديل بعد أن كاد يسقط وخشيت أمريكا أن يملأ الفراغ بعده قوى إسلامية مخلصة...

0:00 0:00
السرعة:
April 10, 2016

جواب سؤال: حقيقة الوفاق الأمريكي-الروسي والغرض من القمم النووية

 جواب سؤال
حقيقة الوفاق الأمريكي-الروسي والغرض من القمم النووية


السؤال:


من المعروف أن تدخل روسيا الجوي في سوريا كان بموافقة أمريكا في صفقة قذرة تقوم روسيا بموجبها بخدمة مصالح أمريكا في سوريا مقابل غض الطرف الأمريكي عن احتلال روسيا للقرم، وكذلك عما يجري في شرق أوكرانيا... وكان يمكن أن يفهم من هذا أن هناك سياسة وفاق بين روسيا وأمريكا، ولكن ما حدث مؤخراً من استبعاد روسيا من القمة النووية التي أدارها أوباما، وكذلك المواجهات الحربية بين أذربيجان المدعومة من أمريكا وأرمينيا المدعومة من روسيا، كل ذلك يجعل هذا الوفاق مضطرباً... والسؤال هو ما تفسير ذلك؟


وسؤال آخر: كيف نشأت هذه القمم النووية؟ وما الغرض من هذه القمم؟ وهل فعلاً ستؤدي إلى نزع السلاح النووي؟ وجزاك الله خيراً.

الجواب:


أولاً: الوفاق الأمريكي الروسي المضطرب:


1- إن بوتين وقد كان مدير الكي جي بي في الاتحاد السوفييتي السابق يحن إلى دور دولي بارز كما كان الاتحاد السوفييتي مع أمريكا، ولهذا وافق على القيام بالدور العدواني الإجرامي في سوريا لمصلحة أمريكا بتثبيت حكم بشار إلى أن تجد أمريكا البديل بعد أن كاد يسقط وخشيت أمريكا أن يملأ الفراغ بعده قوى إسلامية مخلصة... لقد كان بوتين يظن أنه بخدمة أمريكا في سوريا ستهدِّئ عنه مشاكل الحدود الجنوبية لروسيا في أوكرانيا وما حول أوكرانيا، ولكن هذا أمر وذاك أمر! فإن انزلاق روسيا في حرب المسلمين سيذيق روسيا بعون الله ويلات وويلات تكون معها مشاكل أوكرانيا والملحقات نقطةً في بحر غضب المسلمين عليها، وإن غداً لناظره قريب. هذا من جهة...


ومن جهة أخرى، فإن بوتين كان يظن أن أمريكا ستكافئه برفع دور روسيا الدولي، وإبرازها في المسائل الدولية! إن هذا غباء سياسي لأن الدول القائمة على المبدأ الرأسمالي ليس لديها قيم إلا المنفعة، واستغلال الآخرين، ولذلك فإن الدول الرأسمالية الأقوى تبذل الوسع للهيمنة على الدول الرأسمالية الأضعف... وأمريكا وأوروبا وروسيا تتبع المبدأ الرأسمالي، وليس كما كان الوضع السابق عندما كان الغرب يتبع المبدأ الرأسمالي والاتحاد السوفيتي يتبع المبدأ الاشتراكي الشيوعي، فكان لكل من المبدأين قيمه المتصارعة مع بعضها البعض، فكان يمكن أن يتنافسا على الهيمنة والنفوذ وأن تكون الندية متوقعة... وأما الدول الكبرى التي تتبنى الرأسمالية فتبقى الهيمنة فيها للدولة القوية، واتفاقها مع الدول الأخرى التي من المبدأ نفسه يكون لخدمتها وليس لتكون نداً لها، ولذلك فلا تقبل أمريكا أن تكون أوروبا نداً لها، أو تكون روسيا نداً لها، إلا أن تكون هذه الدول في درجة من القوة تستطيع أن تنازعها النفوذ لتكون نداً لها، وذلك لأن المبدأ الرأسمالي قائم على المنفعة، والحظ الوافر للأقوى.


2- وهكذا فإن ظن بوتين أنه لو خدم مصلحة أمريكا في سوريا فإن أمريكا ستهدئ من مشاكل روسيا الإقليمية والدولية هو ظن خاطئ، وقد ظهر ذلك بشكل واضح في الأمرين المذكورين في السؤال، وهما القمة النووية، والحرب بين أذربيجان وأرمينيا:


أ- أما القمة النووية فقد قامت أمريكا بالتحضير للقمة والإعداد لها من برامج وجدول الأعمال مهمِلةً في كل ذلك روسيا التي هي ثانية دولة نووية في العالم... وقد استمرت القمة من 2016/3/31 إلى 2016/4/1 حاولت فيها الولايات المتحدة إثبات أنها القوة الكبرى والعظمى، والزعيمة التاريخية التي تقود كل دول العالم، وتفعل ما يحلو لها في أي مكان وفي أي وقت، حتى إنها لم تعر اهتماماً لروسيا فلم تشركها في التحضير للقمة باعتبارها ثانية أكبر دولة نووية: (لقد أكد الكرملين على أن التحضير لهذه القمة افتقر إلى التعاون مع روسيا. كما أن دراسة القضايا المتعلقة بالأمن النووي تتطلب جهوداً مشتركة، والأخذ بعين الاعتبار مصالح ومواقف الأطراف الأخرى. هذا ما قاله الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف. ولكنه أوضح بشكل مباشر بأن موسكو واجهت أثناء التحضير لعقد القمة نقصاً في التعاون في دراسة القضايا والمواضيع المدرجة على جدول الأعمال.. مع حملة إعلامية استفزازية من جانب الولايات المتحدة).(روسيا اليوم 2016/3/31م).


لقد ظهر على تصرفات واشنطن خلال الدعوة للقمة وأثناء انعقادها ما يمكن وصفه بالاستخفاف إلى حد الإهانة لروسيا ما دعا بوتين إلى عدم الحضور، ومع أن السبب كان إهمال أمريكا لروسيا في التحضير وإجراءات المؤتمر إلا أن الرد الأمريكي على عدم حضور بوتين كان أكثر برودًا واستخفافًا مما كان عليه الأمر إبان الحرب الباردة، فنائب مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض بن رودس قال: (نعتقد أن روسيا بقرارها عدم المشاركة بوفد على مستوى عالٍ في قمة الأمن النووي في واشنطن هذا الأسبوع أهدرت الفرصة على نفسها في المقام الأول، وأن كل ما يفعلونه هو عزل أنفسهم بعدم المشاركة مثلما فعلوا في السابق). (موقع البديل 2016/3/31). بل إن أوباما قد أنزل من قيمة روسيا بوضعها في الخانة نفسها لكوريا الشمالية، فقال في نهاية القمة النووية: (إنه لا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب لتقليص الترسانة النووية لروسيا وكوريا الشمالية، مضيفاً "عملنا لم ينته بعد فهناك الكثير من المواد النووية التي يتعين تأمينها على مستوى العالم"). (الجزيرة نت 2016/4/2)، وهكذا فإنه يتبين مدى الاستخفاف الأمريكي بروسيا في موضوع القمة النووية!


ب- وأما الحرب بين أذربيجان وأرمينيا... فقد اشتعلت المعارك بشكل شبه مفاجئ على طول خط وقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان في منطقة كاراباخ الجبلية ليلة 2016/4/2... تداعت القيادات السياسية والعسكرية في باكو عاصمة أذربيجان لاجتماعات عاجلة وكذلك فعلت أرمينيا التي صرح رئيسها سركسيان: (إنها المعارك المسلحة الأخطر منذ إرساء وقف لإطلاق النار عام 1994). (الجزيرة نت 2016/4/3)، ويمكن الاستنتاج بأن النفوذ الروسي كان مستقراً للغاية في أرمينيا التي تستضيف واحدة من كبريات القواعد العسكرية الروسية التي تضم الفرقة 102 في الجيش الروسي ويتمركز فيها قرابة 5000 جندي روسي، وتقدم روسيا المنح والقروض لدولة أرمينيا الفقيرة بالموارد، وكانت تمدها بالدعم العسكري في حقبة النزاع مع أذربيجان على إقليم كاراباخ الجبلي قبل وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وكانت روسيا هي الوسيط الذي فرض وقف إطلاق النار سنة 1994 بين الطرفين، وكان ذلك لصالح أرمينيا إذ إنها وأشياعها في إقليم كاراباخ قد سيطروا على الإقليم الأذري بشكل كامل وتم احتلال 9% من أراضي أذربيجان الأخرى غرب وجنوب الإقليم، بل في شرقه أيضاً، ولذلك كانت روسيا مهتمة في وقف هذه الحرب الأخيرة... وأما دور أمريكا في هذه الحرب التي اشتعلت... فقد كان من وراء ستار بل دون ستار، فقد نشر موقع "المصري اليوم" في 2016/3/31 أن (رئيس أذربيجان قد طالب الأربعاء 2016/3/30 في واشنطن أمام وزير الخارجية الأمريكي كيري أرمينيا بأن تسحب "فورا" قواتها من ناغورني قره باخ، الإقليم الذي يخوض حوله البلدان نزاعا تحاول واشنطن منذ سنوات حله. واستقبل كيري الرئيس الأذربيجاني على هامش قمة دولية حول الأمن النووي ينظمها الرئيس باراك أوباما يومي الخميس والجمعة. وقال علييف للصحافيين أمام كيري "نحن ممتنون لحكومة الولايات المتحدة على جهودها الرامية لإيجاد سبيل لحل النزاع المديد بين أرمينيا وأذربيجان". وأضاف أن "النزاع يجب أن يحل على قاعدة قرار لمجلس الأمن يدعو لانسحاب فوري وغير مشروط للقوات الأرمنية من أراضينا". أما كيري فدعا من جهته إلى "حل نهائي للنزاع المجمد في ناغورني قره باخ والذي يجب أن يكون حلاً تفاوضياً").


وإذا كانت أذربيجان ونفطها وأنابيب النقل منها إلى البحر الأسود وتركيا قد جذبت اهتماماً أمريكياً كبيراً بها منذ استقلالها سنة 1991 بما تحويه من أهمية في الصراع الروسي الأمريكي، فإن تصريحات الرئيس الأذري قبل اندلاع القتال بثلاثة أيام، ومن واشنطن، وبرفقة وزير الخارجية كيري، تشير بما لا يدع مجالاً للشك أن أمريكا هي التي تشعل الحرب في فناء روسيا القفقازي، وهذا تهديد للمصالح الروسية في أرمينيا والقفقاز، فهذه المنطقة شديدة الحساسية لروسيا... أي أن أمريكا بتفجير هذه الحرب إنما توجه صدمات ضاغطة في خاصرة روسيا...


والخلاصة هي أنه من الغباء السياسي أن يظن بوتين أنه بصفقته الإجرامية القذرة مع أمريكا في سوريا سينال حظوة أمريكية بتهدئة مشاكله الإقليمية والدولية، بل ستبقى حدود الصفقة محصورة في سوريا بسبب خدمة روسيا لمصالح أمريكا وليس بالضرورة أن تتجاوز ذلك إلى قضايا دولية أخرى، وهذا يفسر توتر العلاقات الأمريكية الروسية في القمة النووية والحرب بين أذربيجان وأرمينيا رغم هدوء العلاقات في سوريا.


ثانياً: القمم النووية والغرض منها:


1- خلال الحرب الباردة لعبت الأسلحة النووية دوراً أساسياً في تنافس القوى العظمى وفي إقرار أمن الدول، وقد شجعت المعضلة الأمنية الناجمة عن اختلال التوازن في الأسلحة التقليدية بين الدول بعضها بعضاً على الحصول على مزيد من الأسلحة التقليدية والنووية في محاولة لاستعادة التكافؤ. لقد كانت الولايات المتحدة أولى الدول التي صنعت القنبلة النووية، وهذا ما أعطاها ميزة كبيرة على روسيا، وكانت روسيا مهددة بالأسلحة النووية حتى امتلكتها، وبذلك، نجحت في استعادة التوازن العسكري مع أمريكا... وبالمثل، فإن فرنسا وبريطانيا اللتين شعرتا بالتهديد والخوف من الترسانة النووية التي استحوذت عليها روسيا حاولتا وسعتا إلى استعادة بعض التكافؤ مع روسيا. الصين أيضا التي شعرت بالضعف أمام روسيا سعت وتمكنت من امتلاك قنابل نووية، وهذا الشعور بالضعف دفع الهند أيضا لشراء قنابل نووية لمواجهة العدوان الصيني ثم تبعتها باكستان في محاولة للتفوق العسكري على الهند. أما الدول التي لم تكن تطمع بأن يكون لها نشاط نووي فقد تحالفت إما مع أمريكا أو مع الاتحاد السوفييتي لتحمي نفسها من الأسلحة النووية، وقد كانت هذه الحماية على هيئة مظلات نووية، فعلى سبيل المثال فإن أمريكا كانت تزود أوروبا والعديد من بلدان منطقة المحيط الهادي الآسيوية بمظلة نووية لحمايتهم من الاتحاد السوفييتي.


2- في فترة ما بعد الحرب الباردة مهّد الردع النووي الطريق أمام تحرك من أجل نزع السلاح النووي، فقد شعر الكثيرون بأنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي قد تغيرت البيئة الأمنية الدولية وإلى الأبد، وبأن السلام النووي الذي فُرض زوراً بعد هيروشيما وناغازاكي لم يعد قائماً. إن العولمة، والتغير المناخي، وبروز المنظمات والكيانات غير الدول، وظهور التوترات العرقية في الفضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي، كل ذلك كان يعني بأنه إن لم يتم التخلص من الأسلحة النووية التي كانت بيد الاتحاد السوفييتي سابقاً وبشكل صحيح فإنها من الممكن أن تقع في الأيدي الخطأ وتسبب بالتالي ضرراً بالغا... وفي مواجهة هذا الوضع، فإن الدول الناشئة في امتلاك الأسلحة النووية كأوكرانيا وكازاخستان تخلت بسرعة عن أسلحتها النووية في مقابل ضمانات إقليمية.


3- لقد دفعت هذه البيئة الأمنية الجديدة بمفهومين أساسيين إلى الصدارة هما نزع السلاح وعدم انتشار الأسلحة النووية، وبما أن أمريكا كانت القوة العظمى الوحيدة في العالم، فإن الناس في جميع أنحاء العالم نظروا إلى أمريكا وتأملوا بأن تقوم بأخذ زمام المبادرة في مجال نزع السلاح النووي وعدم انتشاره. ومع ذلك، فإن كلاً من إدارتي كلينتون وبوش فعلتا القليل جداً في هذا الخصوص. وفي كانون الثاني/يناير 2007 اقترح مسؤولون أمريكان سابقون هم هنري كيسينجر وجورج شولتز وبيل بيري وسام نان (والذين عرفوا بـ"عصابة الأربعة" للردع النووي)، اقترحوا بأن تكرس الولايات المتحدة نفسها للقضاء على الأسلحة النووية... ومع ذلك فلم يتم وضع نزع السلاح النووي في صلب جدول الأجندة النووية إلا عند تولي أوباما للرئاسة... وفي عام 2009 قال أوباما متحدثا من براغ أمام حشد من 20,000 شخص بأن: (الولايات المتحدة مسؤولة أخلاقياً عن العمل على تخليص العالم من الأسلحة النووية. وقال: "إن وجود آلاف الأسلحة النووية هو إرث أكثر خطورة من الحرب الباردة. اليوم اختفت الحرب الباردة إلا أن آلافا من هذه الأسلحة لم تختف بعد"). (موقع بي بي سي 2009/4/5)... وبعد ذلك عقدت أربع قمم نووية:


* القمة النووية الأولى 12-2010/4/13 في واشنطن...
* القمة النووية الثانية 26-2012/3/27 في سيئول كوريا الجنوبية...
* القمة النووية الثالثة 24-2014/3/25 في دنهاق هولندا...
* القمة النووية الرابعة 3/31-2016/4/1 في واشنطن...


4- إن سياسة أمريكا في ما تسميه نزع السلاح النووي ليس مقصوداً منها حسب خطتها النزع الفعلي للسلاح النووي من جميع الدول بل هي تقصد منه نزع أسلحة الدول الأخرى ويبقى السلاح النووي فقط لديها، وإن لم تستطع ذلك فأقصى ما يمكن أن تفعله بموجب مخططاتها هو التخفيض بنسبة معينة من مخزون السلاح النووي لدى الدول النووية، وهي التي تتحكم بهذه النسبة، ولأن مخزونها النووي هو الأعلى فإنها بتحديد نسبة تطبق على الدول النووية ستخفض مخزون الدول الأخرى بحيث يصبح ما لديها غير فاعل إذا ما قيس بمخزون أمريكا، ولذلك فإن البيانات الختامية للقمم النووية الأربع هي بيانات فضفاضة لا يوجد فيها أي نص يدل على نزع الأسلحة النووية فعلاً من العالم. وهذا يظهر بوضوح في البيانات الختامية، وإذا أخذنا البيان الختامي للقمة الرابعة التي هي أبرز تلك القمم فسنجده لا يتجاوز نصوصاً عامة غير ملزمة وغير مجدية في نزع السلاح النووي، فقد جاء في البيان الختامي:

(أكدت الدول المشاركة بقمة "الأمن النووي" الرابعة في واشنطن، التزامها بنزع السلاح النووي والحد من انتشاره والتأكيد على الاستخدام السلمي للطاقة النووية... وحذرت القمة في بيانها الختامي من أن "تهديد الإرهاب النووي والإشعاعي لا يزال واحدا من أكبر التحديات التي تواجه الأمن الدولي وأن التهديد في تطور مستمر"... وأكد زعماء العالم التزامهم بمنع وصول الأسلحة النووية إلى أيدي المتطرفين، إلا أنهم حذروا من أن التهديد "في تطور مستمر"... وقال الزعماء في بيان مشترك في قمة الأمن النووي التي تستضيفها واشنطن: "لا يزال هناك مزيد من العمل يتعين القيام به لمنع الجهات الفاعلة غير الحكومية من الحصول على النووي وغيره من المواد المشعة الأخرى، التي يمكن استخدامها لأغراض خبيثة"... وأضاف القادة في بيانهم
"إننا نؤكد مجددا التزامنا بأهدافنا المشتركة لنزع السلاح النووي، وعدم الانتشار النووي، والاستخدام السلمي للطاقة النووية"... وتابعوا "نحن نلتزم تعزيز بيئة دولية سلمية ومستقرة عن طريق الحد من خطر الإرهاب النووي وتعزيز الأمن النووي"... وكانت قمة الأمن النووي الرابعة انطلقت في واشنطن أول أمس الخميس وذلك لبحث سبل تعزيز إجراءات الأمن للمواد النووية ومنع وقوعها في أيدي الإرهابيين وذلك بمشاركة قادة أكثر من50 دولة ومنظمة). (موقع اليوم "واس-واشنطن" 2016/4/2) انتهى


وبتدبر هذا البيان فلا يُرى فيه أي نص عملي لنزع السلاح العالمي، بل حتى لم يذكروا شيئاً عن امتلاك دولة يهود لترسانة من الأسلحة النووية في منطقة تخلو من السلاح النووي، ولطالما قالوا إن تحقيق الأمن النووي الحقيقي يبدأ من العمل الجاد لإنشاء مناطق خالية من أسلحة الدمار الشامل! وهكذا فليس المقصود من هذه القمم نزع السلاح الفعلي للأسلحة النووية من العالم، بل المقصود منه التحكم الأمريكي النووي في شئون الدول... ويؤكد ذلك أوباما في تصريحاته حول المؤتمر بأن أمريكا تريد ضبط الأسلحة النووية والتحكم بها: (الرئيس الأمريكي باراك أوباما: "لا يزال هناك قدر كبير من المواد النووية والمشعة في جميع أنحاء العالم والتي تحتاج إلى التأمين. المخزون العالمي من البلوتونيوم في نمو متزايد، الترسانات النووية تتوسع في بعض البلدان، وقد تكون هناك أسلحة نووية تكتيكية صغيرة عرضة للسرقة."، وأوضح أوباما أن بلاده ستقوم بدورها لحماية المواد النووية حتى تقوم الدول الأخرى بتحسين إجراءات الأمن والشفافية). (موقع euronews 2016/4/2)، وكذلك قال أوباما: (وقال الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مؤتمر صحفي عقب انتهاء القمة اليوم السبت إن هناك قدرا كبيرا من المواد النووية حول العالم يتعين تأمينها مع نمو المخزونات العالمية من البلوتونيوم... واعتبر أوباما أنه لا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب لتقليص الترسانة النووية لروسيا وكوريا الشمالية، قائلا إن أمريكا الجنوبية باتت خالية من المواد النووية، وإن 14 دولة - منها تايوان وليبيا وفيتنام - تخلصت من اليورانيوم والبلوتونيوم المخصب). (الجزيرة 2016/04/02م).


وهكذا فإن أمريكا تريد من هذه القمم أن تتولى ضبط السلاح النووي لتكون هي المتحكمة فيه، حتى المؤتمرات التي تعقدها تجعلها تحت تصرفها فتدعو من تشاء وتمنع من تشاء، وتستفز أو تهين من تشاء معتبرة نفسها سيدة العالم، وما ذلك إلا لأنها لا تجد دولة ذات شأن تقف في وجهها!


وسيبقى هكذا حال أمريكا مع الدول الخانعة لها إلى أن يبزغ فجر الخلافة وعندها ستأتيهم قوة الإسلام من حيث لم يحتسبوا، ويرتد الذين أجرموا على أعقابهم لن ينالوا خيراً ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾.

الثاني من رجب 1437هـ
الموافق 2016/04/09م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م