جواب سؤال: إلى أين تسير الأمور في كوريا؟
April 26, 2013

جواب سؤال: إلى أين تسير الأمور في كوريا؟

جواب سؤال: إلى أين تسير الأمور في كوريا؟ 

السؤال:

ذكرت وكالة أنباء "يونهاب" الكورية الجنوبية في 21/4/2013 أن كلاً من رئيس الأركان الكوري الجنوبي الجنرال جونج سونج جو ونظيره الأمريكي الجنرال مارتن ديمبسي حذرا كوريا الشمالية من استمرار تهديداتها لما يترتب عن ذلك من نتائج وخيمة، وفي اليوم نفسه ذكرت الوكالة المذكورة أن مصدرا حكوميا رفيع المستوى قد أعلن أن الجيش الكوري الجنوبي رصد نشر منصتي إطلاق صواريخ متنقلتين يشبته في أنهما تحملان صاروخي "سكود" في الساحل الشرقي لكوريا الشمالية. وكانت كوريا الشمالية قد نشرت 7 منصات متنقلة لإطلاق الصواريخ منها منصة خاصة بصاروخ "موسودان" متوسط المدى في الساحل الشرقي، ومع نشر منصتين إضافيتين يبلغ عدد الصواريخ في المنطقة 9 صواريخ...


وقبل ذلك كانت رويترز قد نقلت الخميس 18/4/2013 أن كوريا الشمالية عرضت سلسلة من الشروط على الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية إذا رغبتا في الحوار منها إلغاء العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة عليها بسبب تجاربها النووية والصاروخية في مؤشر محتمل لإنهاء أسابيع من نذر الحرب التي خيمت على شبه الجزيرة الكورية.


وأضافت أن لجنة الدفاع الوطني في كوريا الشمالية وهي أعلى هيئة عسكرية في البلاد أصدرت بياناً ذكرت فيه أن جعل شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية سيبدأ حين تسحب الولايات المتحدة أسلحتها النووية التي تقول بيونجيانج إن واشنطن دفعت بها إلى المنطقة...


وواضح من ذلك أنه في الوقت الذي تتصاعد فيه تصريحات الحرب الساخنة تتصاعد فيه كذلك تصريحات عن الحوار، فإلى أين تسير الأمور؟ ثم ما هي حقيقة مواقف روسيا والصين؟ وجزاكم الله خيرا.


الجواب:

يمكن فهم هذه المسألة باستعراض بداياتها، وليس بناء على التصريحات الأخيرة وحدها، فقد مرت هذه الأزمة بمراحل كثيرة نستعرضها ثم بعد ذلك نقف عند التطورات الأخيرة ومواقف الدول:


1- إن هذه الأزمة ليست وليدة الأمس وإنما هي متكررة، ووتتصاعد عند كل تجرية نووية تجريها كوريا الشمالية، فتصاعدت عند التجربة الأولى 2006م، وكذلك عند الثانية 2009م حيث كانت أكبر من الأولى، وحينها في 25/5/2009 أعلنت بأنها غير ملتزمة بالهدنة الموقعة بينها وبين أمريكا عام 1953. والآن بعد أن قامت بتجربة نووية ثالثة ناجحة في 12/2/2013 أعلنت كذلك في 30/3/2013 عدم التزامها بتلك الهدنة، بل أعلنت أنها في حالة حرب. وبدأت تنصب صواريخها قبالة الساحل الشرقي موجهة إياها نحو اليابان والقاعدة الأمريكية في جزيرة غوام التي تسيطر عليها أمريكا في المحيط الهادئ منذ عام 1898 بعد هزيمة إسبانيا أمامها التي كانت تحتلها منذ عام 1521، وأعلنت أمريكا عن ضمها إلى أراضيها عام 1950، وسكانها البالغ عددهم أكثر من 180 ألفا اعتبرتهم جزءا من سكانها حيث تقيم فيها قواعد عسكرية بحرية وجوية ويوجد فيها حوالي 6 آلاف من جنودها، فهي مهمة بالنسبة لها، لأنها بمثابة خط دفاعي عن أراضيها من جهة المحيط الهادئ.


2- الجديد في هذه المرة أن أمريكا استطاعت أن تستفز كوريا الشمالية بمناورات كبيرة أجرتها بالقرب من كوريا الشمالية، وقد بدأت في 19/2/2013 وتستمر إلى نهاية هذا الشهر 30/4/2013، وهي مناورات كبيرة غير مسبوقة، وجاءت متزامنة مع العقوبات التي حركتها أمريكا في مجلس الأمن ووافقت عليها روسيا والصين وذلك في 7/3/2013 بعد أن حرك الغرب وبخاصة أمريكا بفاعلية تجربة كوريا الشمالية الثالثة في 12/2/2013. لقد أوجدت هذه المناورات استفزازاً ساخناً لكوريا الشمالية، فالمناورات كانت من طبيعة غير اعتيادية، حيث أدخلت أمريكا في هذه المناورات أنواعا متطورة من القوات من طائرات بي 52 وكذلك بي 2 القادرة على حمل القنابل النووية وطائرات الشبح وسفن حربية تحمل منظومة صاروخية في استعراض للقوة لإرهاب كوريا الشمالية وغيرها.


3- إن العقوبات والمناورات هي استمرار لأساليب المراوغة والخداع، والضغط والتهديد التي تتخذها أمريكا في المنطفة. أما عن المرواغة والخداع التي تقوم بها أمريكا تجاه كوريا الشمالية، فمثلاً لقد وافقت كوريا الشمالية العام الماضي في 29/2/2012 على تعليق برنامجها النووي وسمحت بعودة المفتشين، فأرسلت أمريكا مساعدات للشمالية بمقدار 240 ألف طن، وذلك في أول عملية اختبار بعد موت زعيمها كيم جونغ ايل وتولي ابنه كيم جونغ أون الحكم. وفي عملية مراوغة وخداع لإيقاف المساعدات قامت أمريكا واتهمت قادة الشمالية بأنهم استأثروا بهذه المساعدات وحرموا الشعب منها، وذلك في عملية إذلال لكوريا الشمالية بإظهارها تستجدي المساعدات وأن المسؤولين فيها يسرقونها. وأما عن أساليب التحدي والضغط والتهديد التي اتبعتها أمريكا، فقد أعلنت العام الماضي عن استراتيجية جديدة لها في آسيا/ المحيط الهادئ تتعلق بتعزيز قوتها في هذه المنطقة بنقل 60% من قوتها البحرية إليها لمواجهة المخاطر المحتملة حتى عام 2020.


وكل تلك الأساليب من أمريكا كانت لاستفزاز كوريا الشمالية فتتصرف تصرفات ساخنة، في المقابل تتخذها أمريكا مبررات لتوسيع قواعدها قرب الصين وروسيا في المنطقة بحجة دفع خطر كوريا الشمالية. إن ما يهم أمريكا في الدرجة الأولى هو الصين، وفي درجة لاحقة روسيا... وليس كوريا الشمالية، وتوسع الوجود الأمريكي قرب الصين سيلاقي ردة فعل صينية وأخف منها روسية، فإذا كانت هناك حجة لأمريكا، وبخاصة إذا أتقنت استغلالها، فإنها تستطيع التوسع العسكري بل ونصب الدرع الصاروخي دون ضجة مناوئة.


4- وهذا ما كان، فقد أثرت هذه الاستفزازات في كوريا الشمالية فدفعتها إلى التصعيد الساخن تجاه أمريكا وجارتها كوريا الجنوبية واليابان، ففي 9/3/2013 لوحت كوريا الشمالية مرة أخرى بنشوب الحرب في منطقتها عندما نشرت وكالتها الرسمية بيانا قالت فيه: "إن شبه الجزيرة الكورية تتجه إلى حرب حرارية - نووية". وقد نشرت هذه الوكالة في 3/4/2013 بلاغا للجيش الكوري الشمالي قوله بأن "التهديدات الأمريكية ستدمر بأسلحة نووية أصغر حجما وأخف وزنا وأكثر تنوعا"، وأنه أي الجيش "حصل على موافقة لتوجيه ضربة لأمريكا تشمل إمكانية استخدام أسلحة نووية متطورة ومتنوعة". وقد أعلنت عن إلغاء الهدنة بينها وبين أمريكا المعقودة منذ عام 1953.


ثم عملت كوريا الشمالية على التصعيد إلى أقصى حد فطلبت من روسيا ومن بريطانيا ومن غيرها إخلاء سفاراتها من البلاد، وطلبت من الأجانب إخلاء كوريا الجنوبية إذا ما تصاعدت الأحداث، ووضعت صواريخها متوسطة المدى على منصتي إطلاق وأخفتهما على الساحل الشرقي في خطوة توحي أنها تهدد اليابان والقواعد الأمريكية في المحيط الهادئ. وهي ترد على المناورات وعلى العقوبات التي فرضتها عليها الأمم المتحدة. وقامت بإغلاق المنطقة الصناعية في مجمع كايسونغ الصناعي حيث تشغل الشركات الجنوبية عمال الشمالية وتدر عليها دخلا بلغ العام الماضي حوالي نصف مليار دولار، وهي المنطقة التي أقامتها كوريا الجنوبية في الشمالية بدافع من أمريكا لعملية الاحتواء للشمالية. وكان قد بدأ عمل المنطقة الصناعية بين الكوريتين في أواخر عام 2004 حسب خطة بدأت عام 1998، وتضم 123 شركة كورية جنوبية، وتقوم بتشغيل ما يقرب من 54 ألف عامل من كوريا الشمالية. وقد أعلنت كوريا الشمالية يوم 2-4-2013 إعادة تأهيل وتشغيل كل المنشئات في مجمع يونغ بيون النووي المتوقف من 2007 ومن بينها موقع لتخصيب اليورانيوم ومفاعل بقوة 5 ميغاواط على خلفية هذا التوتر مع أمريكا وكوريا الجنوبية، وتريد أن تقبلها أمريكا والعالم حسب الحالة التي وصلت إليها من أنها أصبحت دولة نووية، ولديها صواريخ بالستية قادرة على أن تدافع عن نفسها وأن تهدد غيرها.


5- بعد ذلك أخذت أمريكا تستغل هذه التوتر الساخن الناتج عن التصريحات النارية لكوريا الشمالية، أخذت تستغل ذلك إلى ما تهدف إليه، وهو التعجيل بنشر الدرع الصاروخي دون الصدام مع روسيا أو الصين حيث استدرجت كوريا الشمالية لإيجاد مبررات لأمريكا بأن توسع وجودها في المنطقة، وتظهر وكأنها تقوم بذلك دفاعاً عن أمريكا وحلفائها كما قال كيري خلال زيارته لكوريا الجنوبية في 12/4/2013.


وبعد التهديدات الكورية الشمالية بأنها ستضرب القواعد الأمريكية فيها بصواريخ تملكها متوسطة المدى أعلنت أمريكا حسبما نشرت نيويورك تايمز في 4-4-2013 أنها "ستقيم في هذه الجزيرة درعا صاروخيا لمواجهة الصواريخ متوسطة المدى، وكذلك نشر سفن حربية مضادة للصواريخ الباليستية في مياه المحيط الهادئ وكان من المقرر أن تنشر درعها الصاروخي عام 2015"، وأضافت الصحيفة: "أن قرار تعجيل نشر نظام الدفاع الصاروخي جاء في إطار سلسلة من الخطوات التي اتخذتها واشنطن لردع كوريا الشمالية من القيام بأي عمل عسكري أو تجارب صاروخية جديدة، والذي اتخذ بعد ساعات قليلة فقط من الاستفزازات الكورية الشمالية.."، وأضافت أن "نشر نظام الدفاع الصاروخي في غوام سيطلق العنان لهذه السفن الحربية ليتم وضعها في مواقع أقرب للساحل الكوري الشمالي". ومعنى ذلك أنها سترابط بجوار الصين، ما يدل على أن أمريكا استفادت من استفزازها لكوريا الشمالية بالتعجيل بنشر الدرع الصاروخي في المنطقة، وأنها نصبت فخا لكوريا الشمالية بهذه الطريقة حتى تحقق أهدافها هذه. كما أعلنت اليابان عن نصب صواريخ باتريوت في قلب العاصمة لمواجهة الصواريخ الكورية الشمالية وأنها ستسمح بنصب النظام الصاروخي في جزيرة أوكيناوا التي توجد فيها قواعد أمريكية مهمة. مع العلم أن اليابانيين كانوا ينادون بإخراج الأمريكيين من هناك، والآن يعزز الأمريكيون وجودهم بذريعة تهديدات كوريا الشمالية ولا أحد يعترض عليهم.


وقد أعلنت الفلبين عن استعدادها لنصب هذا النظام الصاروخي وتعزيز الوجود الأمريكي على أراضيها مع أنه كانت هناك مطالب شعبية في الفلبين بإنهاء الوجود الأمريكي في البلاد.


6- ولما نجحت أمريكا في استغلال تصعيد كوريا الشمالية ليكون مبرراً لتوسيع الوجود العسكري الأمريكي ونشر الدرع الصاروخي عادت أمريكا إلى السياسة المعهودة للحزب الديمقراطي وهي احتواء كوريا الشمالية بالحوار على الطريقة الأمريكية، أي بعدم جعل القضية كأنها أمريكية كورية شمالية، بل بأن تشرك دول المنطقة الأخرى وبخاصة الصين لتصبح مسئولة عن تصرفات كوريا الشمالية... وهذا ما درجت عليه أي المحادثات السداسية، فتظهر المسألة كأن كوريا الشمالية في مقابل دول خمس أخرى، وليس مع أمريكا...


ومن الجدير بالذكر أن سياسة حكم الديمقراطيين في أمريكا تجاه كوريا الشمالية منذ بيل كلينتون هو اللجوء إلى التفاوض معها ضمن سياستها في الاحتواء، حيث نجحت في عام 1994 بتوقيع أول اتفاقية مع كوريا الشمالية، ولكن أمريكا راوغت وخاصة في عهد الجمهوريين وعلى الأخص في الفترة الأولى لبوش الابن حيث جعلها من دول محور الشر. وقد قامت كوريا الشمالية بما يشبه ما قامت به من إجراء تجربة نووية والإعلان عن عدم الالتزام بالهدنة مع بداية إدارة أوباما الأولى عام 2009 ولكن لم تقم هذه الإدارة بالرد على استفزازات كوريا الشمالية، بل دعت إلى استئناف المفاوضات وسمحت لكوريا الجنوبية بمواصلة العمل على التقرب من الشمالية، ولذلك تميل الإدارات الديمقراطية إلى التفاوض مع كوريا الشمالية وتطبيق سياسة الاحتواء. مع اختلاف الوضع الآن، حيث أرادت توظيف هذا الحدث الأخير لتحقيق أهداف إستراتيجية مهمة قبل الدخول في المفاوضات والسير في عملية الاحتواء، وإن كان هذا سيبدأ بعد أن تحقق أهدافها التي خططت وتخطط لها منذ إعلانها نصب الدرع الصاروخي قريباً من شبه القارة الكورية.


وهكذا أخذت التصريحات منحى آخر لكن بشروط... وهي لعبة أمريكا التي لا تفضي إلا إلى تمييع القضية وجعلها تدور في حلقة مفرغة باسم المفاوضات السداسية لضمان احترام كوريا الشمالية لالتزاماتها الدولية". (أ ف ب 9-4-2013) وقال المسؤول الثاني في البنتاغون اش كارتر: "إن الولايات المتحدة على اتصال وثيق بالصين وروسيا وكوريا الجنوبية واليابان" وقال أنه "يعتقد أن الصين يمكنها أن تؤدي دورا أكبر للتأثير في كوريا الشمالية لوقف استفزازها"، وأكد "على أن للصين نفوذا على كوريا الشمالية أكثر من أي طرف آخر" وقال وزير الخارجية الأمريكية جون كيري في كوريا الجنوبية قبل توجهه إلى الصين: "إن الولايات المتحدة لن تقبل أبدا بكوريا الشمالية كقوة نووية". وقال: "إن واشنطن مستعدة لاستئناف المفاوضات ولكن فقط في حال تحرك كوريا الشمالية تجاه نزع الأسلحة النووية". وقال: "إن على بكين اتخاذ موقف أكثر صرامة من كوريا الشمالية لدفعها إلى التخلي عن برنامجها النووي". (رويترز 12/4/2013) وهكذا، فإن أمريكا تريد أن تجعل قضية كوريا الشمالية قضية دول المنطقة وبخاصة الصين، وليس قضية أمريكا وحدها.


7- أما موقف الصين فهو هذه المرة يختلف عن سابقه، فلم تؤيد كوريا الشمالية في خطواتها، قال الرئيس الصيني الجديد جي جين بينغ: "أنه لا يملك أي بلد الحق في دفع آسيا إلى الفوضى". وقال "إنه من غير المسموح لأحد دفع المنطقة إن لم يكن العالم إلى الفوضى بسبب أنانيته". وأضاف "علينا التحرك بالتشاور لتذليل الصعوبات الكبرى من أجل ضمان الاستقرار في آسيا التي تواجه تحديات جديدة، طالما هناك قضايا حساسة وتهديدات أمنية تقليدية وغير تقليدية". (الشرق الأوسط 7-4-2013) ودعا وزير خارجية الصين وان بي: "إلى ضرورة حل الأزمة بالحوار". (المصدر نفسه) وقد أعلن المتحدث باسم الخارجية الصينية هونغ لي أن "الحل الأمثل للقضية النووية الكورية الشمالية هي أن تتحلى جميع الأطراف بالمسؤولية". (رويترز 8-4-013) وقد أيدت الصين قرار مجلس الأمن المتعلق بتشديد العقوبات على كوريا الشمالية بعد إجراء الأخيرة لتجربتها النووية الثالثة. ولا يعني ذلك أن الصين قد تخلت عن صديقتها كوريا الشمالية، ولكن يظهر أن الصين ترى في أعمال كوريا الشمالية ما يضر بها فأزعجها ذلك، لأنه يعزز الوجود الأمريكي في المنطقة ويعطي لأمريكا ذرائع لتنصب الدرع الصاروخي في المنطقة كلها ويكون ذلك موجها ضدها وضد صواريخها ويفشل خططها في السيطرة على منطقتها.


وأعلنت الصين أسفها لإعلان بيونغ يانغ إعادة تشغيل المفاعل النووي. وقالت الوكالة الذرية الدولية إن هذا الإعلان تطور آخر يثير أسفا كبيرا ويشكل انتهاكا صارخا لقرارات مجلس الأمن. وهذا المفاعل النووي يعد المصدر الوحيد لإنتاج البلوتنيوم لبرنامج كوريا الشمالية النووي. وتشير الترجيحات أن لدى الشمالية من مخزون البلتونيوم ما يكفي لصناعة 4 أو 8 قنابل نووية.


8- وأما موقف روسيا فكان سائرا مع أمريكا، وغير راض عن تصرفات كوريا الشمالية. فقد صرح المتحدث باسم الخارجية الروسية ألكسندر لوكاشيفيتش قائلا: "نحن نتضامن معهم فيما يتعلق برفض النهج السلوكي الاستفزازي والمولع بالقتال لبيونغ يانغ في الوقت الراهن". ولكنه أضاف في الوقت ذاته أنه "يتعين ألا نتخلى عن بذل الجهود السياسية والديبلوماسية، لأن أي بلد يمكن أن يجلب خطر الاضطراب الشديد في شمال شرق آسيا". (رويترز 9-4-2013) وقد وافقت على تشديد العقوبات على كوريا الشمالية في مجلس الأمن بعد إجراء التجربة الثالثة قبل شهرين. فلم تتخذ روسيا مواقف جادة تجاه الموقف الأمريكي المعادي لكوريا الشمالية واستفزاز أمريكا لها بإجراء مناورات مع كوريا الجنوبية تشرك فيها أسلحتها المتطورة، فلم تلتفت له روسيا ولم تستنكره، مع العلم أن ذلك يشكل خطورة على المنطقة ويهدف إلى تعزيز الوجود الأمريكي فيها ليرهب الجميع ويفرض هيمنة أمريكا على العالم. فهو موجه ضد روسيا نفسها بحيث لا يسمح لها بأن يكون لها أي وجود في هذه المنطقة. فهذا التصرف يدل على ضعف أداء روسيا السياسي الدولي وتدنيه إلى مستوى لا يليق بدولة كبرى لها مصالحها الذاتية الدولية وتعمل على منافسة الدولة الأولى أو تعمل على زحزحتها عن هذا المنصب.


9- وهكذا يمكن القول إن أمريكا نجحت في استفزاز كوريا الشمالية بالمناروات الضخمة قرب كوريا الشمالية وبالعقوبات، ما دفع كوريا الشمالية إلى تصعيد التهديد النووي وأجواء الحرب، فأوجد هذا إلى أمريكا مبرراً لتوسيع وجودها العسكري في المنطقة ونشر الدرع الصاروخي.


غير أن عنجهية أمريكا المغرورة بقوتها يجعل أهدافها مكشوفة بسهولة ما يمكن الصين من إدراك ألاعيب أمريكا السياسية وأغراضها التوسعية في المنطقة، وكل هذا سيجعل نصب الدرع الصاروخي يدخل في دوامة المعارضة الصينية من جديد.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م