جواب سؤال ما الذي يجري حالياً في الأزمة السورية؟
جواب سؤال ما الذي يجري حالياً في الأزمة السورية؟

السؤال: انهارت الهدنة التي بذلت أمريكا وروسيا اجتماعات مطولة لتصميمها لدرجة أن بعض الاجتماعات كانت تستمر بين كيري ولافروف حتى عشر ساعات! وهللت أمريكا وروسيا لها وأنها تختلف عن الهدن السابقات، وأن أمريكا ستضمن تنفيذها من جهتها والمعارضة... وروسيا تضمن تنفيذها من جهتها والنظام... وإذ بها تنهار وتتبادل أمريكا وروسيا التهم بأن كلاً منهما وراء إفشالها! فهل يعني ذلك أن مشوار الهدن سيئ الذكر قد انتهى؟ وإن لم يكن قد انتهى فما الذي يجري حالياً في الأزمة السورية؟ وجزاكم الله كل الخير.

0:00 0:00
السرعة:
September 25, 2016

جواب سؤال ما الذي يجري حالياً في الأزمة السورية؟

جواب سؤال

ما الذي يجري حالياً في الأزمة السورية؟

السؤال:

انهارت الهدنة التي بذلت أمريكا وروسيا اجتماعات مطولة لتصميمها لدرجة أن بعض الاجتماعات كانت تستمر بين كيري ولافروف حتى عشر ساعات! وهللت أمريكا وروسيا لها وأنها تختلف عن الهدن السابقات، وأن أمريكا ستضمن تنفيذها من جهتها والمعارضة... وروسيا تضمن تنفيذها من جهتها والنظام... وإذ بها تنهار وتتبادل أمريكا وروسيا التهم بأن كلاً منهما وراء إفشالها! فهل يعني ذلك أن مشوار الهدن سيئ الذكر قد انتهى؟ وإن لم يكن قد انتهى فما الذي يجري حالياً في الأزمة السورية؟ وجزاكم الله كل الخير.

الجواب:

إن مشوار الهدن سيئ الذكر لم ينته عند أمريكا، وإنما الوقائع الجارية ألزمتها أن تعيد النظر فيه لتعديله واتخاذ ما يمكن تسميته: "استراحة المهادن" لمزيد من عمليات قصف مكثفة للتأثير في الفصائل وفي الناس ليخضعوا للّقاء الجديد بين النظام والمعارضة وفق اتفاق الهدنة المعدل الذي تعده أمريكا خلال تلك الاستراحة! وذلك لأن أوباما يريد أن ينهي عهده بشيء من الحل لموضوع سوريا أو على الأقل جمع النظام والمعارضة في لقاء يُضفي على عهده نجاحاً ولو ضئيلاً وذلك أسوة بما حاوله الرئيس الديمقراطي قبله كلينتون بالنسبة للقضية الفلسطينية، ومع أن كلينتون لم يحقق ما أراد إلا أن أوباما لم يعتبر فظن أنه يستطيع أن يصنع ما لم يصنعه الأوائل، ولم يدر أن فشله يفوق فشل سلفه!... وحتى يكون الأمر واضحاً فلا بد من استعراض الأمور التالية:

1- اهتمت أمريكا في فرض الهدنة بشكل جاد عندما تمكنت روسيا والنظام من الحصار الكامل لحلب بعد السيطرة على أجزاء رئيسة من طريق الكاستيلو خلال أعمال القصف المكثف من روسيا والنظام حيث تواصلت الغارات بشكل مكثف، وحسب مراسل الجزيرة في 2016/7/7 (... فقد زاد عدد الغارات التي شنتها الطائرات الروسية وطائرات النظام على حلب عن مئة غارة...)، فتمكن النظام من السيطرة على الطريق بعد انسحاب المعارضة (أفاد مراسل الجزيرة نقلا عن مصادر عسكرية بانسحاب مقاتلي المعارضة السورية المسلحة من مواقعهم التي سيطروا عليها في محيط طريق الكاستيلو شمال حلب لأسباب عسكرية...) (الجزيرة، 2016/7/10)، ثم توالت الغارات المكثفة ما أدى إلى أن تتمكن قوات النظام مدعومة من روسيا وإيران والمليشيات والأتباع من حصار حلب في 2016/7/26 (أحكمت قوات النظام السوري الحصار على أحياء حلب الشرقية بعد سيطرتها الثلاثاء على مجمع الكاستيلو شمالي المدينة...) (الجزيرة، الأربعاء 2016/7/27)... في هذه الأجواء وخلال لقاء وزير الخارجية الأمريكي مع وزير الخارجية الروسي في فينتيان عاصمة لاوس 2016/7/26، وعد كيري الصحفيين بأن يكون في وضع يخبرهم - أي الصحفيين - عن خطوات إيجابية لتغيير حالة الحرب في سوريا بداية آب/أغسطس 2016، بعد أن اطمأن إلى تقدم النظام في طريق الكاستيلو بدعم روسي إيراني، ومن ثم حصار حلب، حيث كان كيري يريد إقرار الهدنة عند تحقق هذا الحصار.

2- لكن ذلك لم يحصل بسبب العمليات العسكرية الجدية التي خاضها الثوار جنوب حلب وتمكنوا خلالها من فك الحصار من عقدته الأشد قسوة، جنوب حلب ومنطقة الكليات العسكرية، وذلك بعد تمكن الثوار من أخذ حي الراموسة جنوب حلب وفتح الطريق إليها، أي فك الحصار، فكانت عمليات فك الحصار عن حلب بمثابة ضربة شديدة للخطط الأمريكية التي ترى ضرب الثورة السورية في بؤرتها الأقوى والأسخن في حلب، فجن جنون أمريكا وروسيا، فوصفت روسيا عن طريق وزير خارجيتها سيرغي لافروف عمليات الثوار تلك "بالأعمال الوقحة"، وهذا يدل على أن روسيا وأمريكا كانتا تظنان أنهما قد أخضعتا الثورة في سوريا، وتم دفعها في اتجاه الضمور.

3- ومن أجل إنجاح الخطط الأمريكية التي باتت تركز على حلب كان لا بد من إعادة فرض الحصار عليها، وهنا عملت أمريكا على محورين لإعادة الحصار على حلب:

الأول: إدخال الجيش التركي إلى شمال سوريا، بدءًا بمنطقة جرابلس فيما أعلنت عنه تركيا بعمليات "درع الفرات"، واستدعاء الثوار "الموالين لتركيا" من جنوب حلب لقتال تنظيم الدولة، أي إضعاف جبهات القتال الحقيقية في حلب وخلق جبهات جديدة للاقتتال الداخلي، ودفع ما أمكن من الثوار بعيداً عن جبهة القتال في حلب!

وأما الثاني: فكان مزيداً من حشد إيران للآلاف من أتباعها وإرسالهم إلى جنوب حلب، وإعلانات حزبها في لبنان بإرسال قوات النخبة إلى جنوب حلب، وكذلك حركة النجباء العراقية، وفي الوقت نفسه قامت روسيا بتكثيف كبير لغاراتها على منطقة الراموسة...

وبهذين المحورين تم لأمريكا تمكين النظام وحلفائه من إعادة فرض الحصار على حلب، ووضعت الأحياء الشرقية فيها على طاولة المكائد الأمريكية تحت عناوين "ضرب الإرهابيين" و"المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في حلب"، وعندها أصبح الوقت مواتياً لأمريكا لتعلن اتفاقها مع روسيا وفرض "وقف الأعمال القتالية"، فتم ذلك خلال اجتماع وزراء خارجية الطرفين أمريكا وروسيا في جنيف دام لأكثر من عشر ساعات، وكان وزير الخارجية الأمريكي كيري خلالها على اتصال مع إدارات الأمن وخاصة البنتاغون في واشنطن لضمان تحقيق الطلب الروسي بتنفيذ عمليات أمريكية روسية مشتركة وعلنية ضد الجماعات التي لا تلتزم بوقف إطلاق النار.

4- أعلنت أمريكا وروسيا تاريخ 2016/9/12 لوقف "الأعمال القتالية" في سوريا وذلك بعد أن اطمأنت بفرض جيش النظام وحلفاء إيران وروسيا الحصار من جديد على حلب... ثم إن هذا التاريخ كان يبدأ من مساء أول أيام عيد الأضحى المبارك، وذلك لاستغلال فكرة "العيد" لتحسين فرص القبول بوقف النار في سوريا.

5- كانت أمريكا جادة في إخراج هذا الاتفاق وتنفيذه (واعتبر وزير الخارجية الأمريكي كيري هذا الاتفاق الروسي الأمريكي بأنه قد يكون الفرصة الأخيرة للحفاظ على سوريا علمانية وموحدة...) (قناة الجزيرة، بث مباشر لخطاب كيري، 2016/9/12)، وذلك لأنها تحقق لها هدفها بفرض وقف الأعمال القتالية تمهيداً لوضع القضية السورية على مقصلة مفاوضات جنيف... ومن ناحية أخرى فإن هذه الخطة تحقق بتزامنها مع الانتخابات الأمريكية مكاسب سياسية للحزب الديمقراطي، تلك المكاسب التي بسببها ظهر استعجال أمريكا لتحقيق إنجاز لإدارة أوباما في سوريا في نهاية حقبتها. وفي الوقت ذاته هللت له روسيا لقرب إطلاق موجة من العمليات العسكرية المشتركة والعلنية مع أمريكا، وهو مطلب روسي قديم ترى فيه أساساً لاستمرار خدمتها لأهداف أمريكا في سوريا، وذلك تحسباً مما قد يكون مجهولاً من سياسة الإدارة الأمريكية القادمة التي ستعقب إدارة أوباما.

6- لكن الأمور قد سارت على عكس ما تريده أمريكا، وظهر أمامها أمران لم يكونا في حسبان أمريكا وهما:

الأول: أنه على رغم كل الجرائم التي صنعتها أمريكا في سوريا مباشرة بتحالفها أو عن طريق أحلافها روسيا وإيران ومليشياتها في العراق ولبنان وأشياعهم، ورغم أن اتفاق الهدنة عقد خلال حصار خانق وبخاصة في حلب ما جعل أمريكا هي وأحلافها وأوباشها يظنون أن أهل سوريا سيوافقون على الهدنة إلا أن العكس هو الذي حدث... فقد كانت المسيرات تخرج في ظل الحصار وظل منع المساعدات الغذائية، بل وقصفها، تخرج المسيرات منددة بقوة باتفاق الهدنة ما شجع عدداً من الفصائل على إعلان أنها غير معنية بهذا الاتفاق، وإن وقفت تنتظر! وعارضت فصائل أخرى توجهات أمريكا وفق الاتفاق نحو توجيه ضربات مشتركة مع روسيا للجماعات التي تسميها "إرهابية"، وهناك فصائل أخرى عارضت الاتفاق بشكل كامل... ليس هذا فحسب، بل إن تحركات الناس الضاغطة منعت حتى الفصائل الموالية لعملاء أمريكا من إظهار موقفها المؤيد واضطرتها لأن تخفيه وراء ستار ما جعل أمريكا تدرك أن اتفاق هدنتها في ظل الواقع الرافض له ليس ذا جدوى كما تريد... لكن الذي أذهب صوابها خلال محاولتها تطبيق تلك الهدنة ذلك الحدث الصارخ برفض بعض جهات المعارضة استقبال أفراد القوات الخاصة الأمريكية شمال سوريا بعد أن هلل أردوغان ببدء المرحلة الثالثة من "درع الفرات" بمشاركة قوات أمريكية، وأدخلت القوات الأمريكية لشمال سوريا... لكنها فوجئت برفض شديد من المعارضة، ليست التي تسميها متطرفة، بل أيضاً من التي تسميها معتدلة، برفضها القتال بجانب القوات الخاصة الأمريكية وكان الرفض مصحوباً بصيحات تسمي تلك القوات بـ"الصليبية"، وذلك كما تناقلت وسائل الإعلام هذا الحدث في 2016/9/16: (أظهرت لقطات فيديو تناقلتها حسابات ناشطين وصحافيين على "تويتر" ما يبدو أنه جنود من القوات الخاصة الأمريكية يغادرون بلدة الراعي في حلب، بعدما تعرضوا لإهانات من مقاتلين يعتقد أنهم من "الجيش السوري الحر". ويأتي هذا الفيديو في الوقت الذي نسبت فيه صحيفة "الوول ستريت جورنال" إلى مسؤولين أمريكيين أن الرئيس باراك أوباما وافق على إرسال نحو أربعين من قوات العمليات الخاصة إلى سوريا للعمل مع القوات التركية في شمال سوريا... وتظهر اللقطات في بلدة الراعي مقاتلين يطلقون هتافات معادية لأمريكا في وقت كانت قافلة من شاحنات تنقل قوات أمريكية... ويسمع في الفيديو رجل يقول: "الأمريكيون لا مكان لهم بيننا... يريدون شن حرب صليبية لاحتلال سوريا"...) (موقع البوابة، 2016/9/16)، ونقلت نحوه صحيفة ديلي تليغراف في 2016/9/16...

هذا الأمر الأول جعل أمريكا ترى أنها بحاجة إلى استراحة مهادن! لمزيد من القصف انتقاماً من أهل سوريا الذين وقفوا ولا يزالون في وجه جرائم أمريكا ومخططاتها، ظناً من أمريكا أن زيادة القصف تجعلهم يخضعون، وظنها سيرديها إن شاء الله.

وأما الثاني، فإن اتفاق الهدنة لم يكن عسكرياً إغاثياً فحسب بل كان كذلك حلاً سياسياً، فأوباما كان يتطلع إلى أن ينهي عهده بحل في سوريا يحفظ نفوذ أمريكا، ومن ثم يُذكر له ويساعد المرشحة الديمقراطية في الانتخابات... فقد ذُكر في الأنباء أن الاتفاق نحو خمس وثائق: اثنتان منها عن وقف الأعمال القتالية والمساعدات الغذائية، وهاتان تم الكشف عنهما... وقد رفضت أمريكا الكشف عن الوثائق الثلاث الأخريات لأنها كما يبدو تتعلق بالحل السياسي ويرجح أنها تكشف خداع أمريكا للمعارضة المعتدلة بأنها معها، فلا يستبعد أن يكون مسطوراً فيها بقاء الطاغية بشار رئيساً للحكومة الانتقالية وحتى الانتخابات بعد ذلك! ومن ثم لا تريد أمريكا كشف ذلك إلى أن تفرغ من الترويض العسكري والإغاثي... وكانت متفقة مع روسيا على هذا الأمر، وسارت الأمور في البداية بهدوء، ويبدو أن أمريكا غاب عنها أن أوروبا، وقد أقصتها أمريكا عن الأحداث الجارية في سوريا، لن تدخر وسعاً في أن "تشاغب" عليها في أية فرصة متاحة حتى وإن كان معلوماً أن أوروبا لا دور فاعلاً لها في الأزمة السورية، ولكن يمكنها إحراج أمريكا... وهذا ما كان! فقد حاولت أوروبا استغلال هذه النقطة فقد طالبت فرنسا أمريكا وبصوت عالٍ بكشف بنود الاتفاق لحلفائها، فقد طالب وزير الخارجية الفرنسي أمريكا اطّلاع حلفائها على تفاصيل الاتفاق مع روسيا حول وقف إطلاق النار في سوريا... (قال وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت اليوم الخميس 15 أيلول/سبتمبر إن فرنسا تريد الاطلاع على نص اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وروسيا حتى لا يحدث لبس فيما يتعلق بمن المستهدف على الأرض...) (موقع DW عربي، 2016/9/15).

والظاهر أن الأوروبيين قد تعمدوا إحراج أمريكا وروسيا معاً بأن الاتفاق يحتوي بنوداً خطرة...! حتى إن روسيا تأثرت وحاولت أن تنجو بجلدها! فطلبت عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لتوفير غطاء أممي للاتفاق الأمريكي الروسي، (وأوضحت زاخاروفا - الناطقة باسم الخارجية الروسية - هدف موسكو من هذا المطلب المهم، مشيرة إلى أن الاتفاق يتشكل من "عدة وثائق، تم اعتمادها، والاتفاق عليها خلال عملية التفاوض... وأن الجانب الروسي في بداية المفاوضات وفي أثنائها، وبعد التوصل إلى اتفاق نهائي، عرض بالفعل، بل حث الجانب الأمريكي على نشر هذه الوثائق، وضرورة أن يتم ذلك؛ كي لا تصبح هذه الاتفاقات موضع تكهنات"...) (عربي21، 2016/9/16). لكن جلسة مجلس الأمن الطارئة ليلة 2016/9/16 ألغيت بسبب إصرار أمريكا على عدم كشف بنود الاتفاق، وبطبيعة الحال فروسيا لا تستطيع كشفها منفردة لأنها تعمل في سوريا بموافقة أمريكا!

هذا الأمر الثاني جعل أمريكا تفادياً لهذا الحرج أن تكتفي من الغنيمة بالإياب! فرأت أن تعيد صياغة اتفاق الهدنة فيكتفي أوباما بشيء من هدنة تفضي إلى ما دون الحل بل لعله لقاء بين النظام والمعارضة ومن ثم يفرغ الاتفاق الجديد من الوثائق المحرجة!

7- على ضوء هذين الأمرين اللذين واجها أمريكا رأت أن تأخذ "استراحة مهادن" لمزيد من عمليات قصف مكثفة للتأثير في الفصائل وفي الناس ليخضعوا للّقاء الجديد بين النظام والمعارضة وفق اتفاق الهدنة المعدل الذي تعده أمريكا خلال تلك الاستراحة! ولتبرير توقيف الهدنة فترة من الوقت على النحو المذكور، وإبعاد الشبهة عن أن أمريكا هي وراء وقف الهدنة ومضاعفة القصف بترتيب مع روسيا والنظام، فقد اتخذت أمريكا الإجراءات التالية:

أ- أخبرت روسيا: (بصعوبة الفصل بين المعارضة المعتدلة و"الإرهابيين" في سوريا...) (قناة الحدث، 2016/9/19).

ب- جعلت النظام يعلن انتهاء الهدنة ويبدأ بالقصف ومن ورائه روسيا... كما تناقلت ذلك وسائل الإعلام المختلفة: (أعلنت قوات النظام السوري اليوم الاثنين انتهاء الهدنة التي استمرت سبعة أيام بوساطة أمريكية روسية دونما إشارة إلى أي احتمال لتجديدها...) (الجزيرة، 2016/9/19)

ج- افتعلت الخلاف مع روسيا، وأصبح كل طرف منهما يتهم الآخر بأنه وراء إفشال الهدنة:

(وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنه في ظل هذه الانتهاكات الصارخة لاتفاقات وقف إطلاق النار التي نص عليها الاتفاق الأخير مع روسيا، فإن الولايات المتحدة ستعيد تقييم كل العلاقات المستقبلية مع روسيا في الشأن السوري...) (الجزيرة نت، 2016/9/20)... (... وتتبادل روسيا والولايات المتحدة الاتهامات منذ أيام حول إعاقة تنفيذ الاتفاق، إذ رأت موسكو أن واشنطن لم تف بالتزاماتها بالهدنة، وخصوصاً في ما يتعلق بتحديد مناطق وجود الفصائل المعارضة وعناصر جبهة فتح الشام، في حين هددت واشنطن بعدم التنسيق عسكرياً مع روسيا في حال عدم إدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة...) (الخليج أونلاين، 2016/9/24) انتهى

د- حرَّكت أمريكا خلافاً بين البنتاغون وبين الخارجية، وأن البنتاغون يعترض على شروط الهدنة، وكأن الهدنة عقدت بين يوم وليلة دون أن يعلم بها البنتاغون! علماً بأن المفاوضات كانت تجري على سمعهم وبصرهم، ولو كانوا معترضين لاعترضوا من قبل، وليس بعد انتهاء الهدنة، هذا مع أن الهدنة التي فرضت في 2016/9/12 قد مددت في 2016/9/14 بموافقة البنتاغون! (... بعد إعلان الاتفاق على تمديد الهدنة في سوريا 48 ساعة جديدة، أفادت مراسلة "العربية" في واشنطن بأن البنتاغون رحب بهذا التمديد مساء الأربعاء... وكان وزيرا خارجية روسيا وأمريكا أعلنا، الأربعاء، تمديد وقف إطلاق النار في سوريا 48 ساعة جديدة رغم الخروقات التي حصلت منذ ليل الاثنين، أول يوم من سريان تلك الهدنة...) (العربية، 2016/9/15).

8- وهكذا انهار وقف إطلاق النار في سوريا رسمياً يوم الاثنين 2016/9/19 بعد ستة أيام، أي أقل من أسبوع لفرضه من أمريكا وروسيا، وكان يفترض أن تقوم أمريكا وروسيا بقصف مشترك للثوار في سوريا، تحت مسمى "الحرب على الإرهاب" بعد صمود الاتفاق لسبعة أيام، الأمر الذي لم يتم بتعمد واضح من أمريكا! وبدأت أمريكا في "استراحة المهادن" ومزيد من القصف، في الوقت الذي تقوم فيه بتعديل الهدنة السابقة إلى هدنة لاحقة ظناً منها أنها تتمكن من إيجاد لقاء يجمع النظام والمعارضة قبل أن ينطفي عهد أوباما...

هذا هو ما يجري حالياً، وما تعمل أمريكا وأحلافها وأوباشها على تحقيقه... هذا ما يزعمون، غير أن واقع الحال هو أن الأزمة السورية شوكة بل شجرة أشواك في حلق أوباما، وتوابعه وأتباعه، وهو وإن كان قد صرح من قبل في وقت كان فيه أقوى مما هو عليه الآن وكانت عنده سعة من الوقت أكثر مما هي موجودة لديه الآن، ومع ذلك فقد اعتبر الرئيس الأمريكي باراك أوباما في كلمة ألقاها بشأن الصعوبات التي واجهها في البيت الأبيض (أن الحرب السورية والاجتماعات التي عقدت بشأن الأزمة السورية هي التي "شيّبته".... وقال أوباما الخميس 4 آب/أغسطس في مؤتمر صحفي عقده عقب اجتماعه بمجلس الأمن القومي والقادة العسكريين في وزارة الدفاع الأمريكية، "أنا واثق تماما بأن القسم الأكبر من الشيب في رأسي، بسبب الاجتماعات التي عقدتها بشأن سوريا"...) (روسيا اليوم، 2016/8/5)، إن كان صرح بذلك من قبل، فهو الآن لا شك سيصرح بأقسى وأشد على نفسه من ذلك، فسيغادر بيته الأسود قائلاً: "قتلتني سوريا"... وحق له أن يصرح بذلك، فإنه على الرغم من أن سوريا تخلو من الصراع الدولي، فأمريكا هي المتحكمة دولياً حيث تستعمل روسيا وتقصي أوروبا، وهي كذلك المتحكمة إقليمياً، فالدول الفاعلة كتركيا والسعودية وإيران موالية لأمريكا، وأيضاً هي المتحكمة في النظام، وفي بعض الفصائل... ومع ذلك فإن أمريكا لم تستطع مع الأحلاف والأتباع والأشياع أن تنفذ مخططاتها في سوريا حتى الآن، وقد مضى أكثر من خمس سنوات، وهي لا تصارع سوى أهل سوريا... ولذلك لا يستغرب أن يصاب أوباما "بالهستيريا" لعدم تنفيذ مآربه، بل حتى فرقه الخاصة التي أدخلها إلى سوريا مع الجنود الأتراك، لم تستطع تلك الفرق أن تقف على قدميها في أرض سوريا، بل فرت هاربة، وصيحات التنديد بها تلاحقها، وممن؟ من الفصائل الذين دربتهم أمريكا وظنوا أنهم قد استسلموا لها!

كل ذلك لأن سوريا وأهل سوريا تتدفق فيهم المشاعر الإسلامية، وتؤثر فيهم قوى مخلصة تزيدهم توعية وتبصرة، تدفعهم للوقوف في وجه العملاء والخونة وأسيادهم من الدول الاستعمارية والطامعة في بلاد المسلمين، فكيف عندما تتدفق فيهم الأفكار الإسلامية، وتحركهم وتقودهم قيادة إسلامية مخلصة تحقق فيهم قول رسول الله eفي الحديث الذي نقله الطبراني في المعجم الكبير عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ e: «عُقْرُ دَارِ الْإِسْلَامِ بِالشَّامِ»؟ ومن ثم تشرق فيهم دولة الإسلام، الخلافة الراشدة، خلافة الحق والعدل، التي تعيدهم سادة الدنيا من جديد، فيعز الإسلام وأهله، ويذل الكفر وأهله، وما ذلك على الله بعزيز ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

23 من ذي الحجة 1437هـ

الموافق 2016/9/25م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م