جواب سؤال: ما حقيقة الصراع الدولي على النفوذ في الجزائر؟
October 03, 2019

جواب سؤال: ما حقيقة الصراع الدولي على النفوذ في الجزائر؟

 
جواب سؤال


ما حقيقة الصراع الدولي على النفوذ في الجزائر؟


السؤال:

في بلد يدين كل أهله بالإسلام، بلد المليون شهيد لجهاده ضد الاحتلال الفرنسي الذي استمر 132 عاماً، في هذا البلد اندلعت الاحتجاجات الشعبية كاسرةً حاجز الخوف من طواغيت الجزائر منذ 22/2/2019 وحتى اليوم، ولكنها لا تنادي بالإسلام! فما هي أسباب ذلك؟ ثم ما هي حقيقة الصراع الدولي على النفوذ في الجزائر؟ وهل له دور في ما يحدث؟ ثم ما المتوقع وخاصة عن الانتخابات؟


الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:


أولاً: سبب عدم المناداة بالإسلام في الحراك:
1- نعم، الجزائر بلد إسلامي أصيل، وقد ثبت ذلك عندما بدا وكأن الدولة تفسح المجال لانتخابات حرة ونزيهة في بداية التسعينات فكانت النتيجة أن أصبحت الدعوة لتحكيم شرع الله كاسحة ويحملها الملايين في شوارع الجزائر، وضجت أوروبا وهددت فرنسا بالتدخل العسكري، ثم دفعت فرنسا وأوروبا بحكام الجزائر بداية 1992 للتنصل من نتائج انتخابات سنة 1991، وتدخل الجيش وأعلن سيطرته على البلاد، وكان الدعم الأبرز لحكام الجزائر يأتيهم من عاصمة الظلام "باريس" التي يطلق عليها زوراً وبهتاناً بعاصمة النور... ثم أشعلت المخابرات الفرنسية بالتعاون مع أجهزة الأمن المحلية التابعة لها شرارات المذابح الوحشية، فدشنت حقبةً من المجازر في التسعينات شديدة البشاعة راح ضحيتها مئات الآلاف من المسلمين في الجزائر... ثم دون حياء أو خجل قام النظام في الجزائر ومن خلفه فرنسا وبريطانيا بإلصاق كل هذه المجازر بالإسلاميين، وعمت البلوى بحيث ربط النظام بين كل قطرة دم ومذبحة وبين الإسلاميين، وقد طالت الفترة لما يقرب العشر سنوات، ومن ثم سميت بـ"العشرية السوداء"، وصار النظام يشيع الخوف في أذهان الناس من المناداة بالإسلام، وأن كل من ينادي بتحكيم الإسلام يريد إعادة العشرية السوداء! وقد حملت الصحافة الفرنسية راية التخويف هذه، وأصبح التخويف من الإسلام هوساً لدى الساسة في باريس، وهذا الخوف والهوس الفرنسي والأوروبي من حراك الجزائر إذا نادى بالإسلام، فقد انتقل فوراً إلى النظام الجزائري فقد ("روجت أطراف قريبة من دوائر صنع القرار في البلاد أن الإسلاميين" سينقلبون على العلمانيين ويخططون لقيام الدولة الإسلامية التي ستبنى على أنقاض العلمانيين وربما حتى على جثثهم إذا تطلب الأمر ذلك"... إندبندنت 21/3/2019) وهكذا فالنظام يحذر الشعب بين كل عشية وضحاها من "فزاعة الإسلام المتطرف" المستعد لسفك الدماء! مع أن النظام هو الذي يلاحق المسلمين ويثير الدماء (اعتدت قوات الأمن الجزائري على معارض معروف، يعد أحد مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، علي بلحاج، وقامت بسحله في أحد الشوارع. عربي21، 23/2/2019) أي في اليوم الثاني لاندلاع الاحتجاجات في الجزائر...!


2- هذا بالإضافة إلى الحرب الأمريكية على الإسلام التي اتخذت من "الإرهاب الإسلامي" عنواناً عريضاً لها، فتم استهداف كافة المخلصين في العالم الإسلامي من حركات وأحزاب وجمعيات وشخصيات، وتم وصمها بالإرهاب، ثم تجريم الرموز الإسلامية كالرايات... ونعت المتمسكين بالأحكام الشرعية بالمتطرفين والإرهابيين...إلخ، فإن كل ذلك قد ألقى هو الآخر بظلاله على مناداة الحراك الشعبي في الجزائر.


3- ومن الأسباب التي أعاقت بروز المطالبات الإسلامية في حراك الجزائر ما علق في أذهان الناس عن بعض الحركات ذات الصبغة الإسلامية المسماة بـ"المعتدلة"، فقد رأوها تارة تسمي نفسها حركات معارضة... وتارة تشارك في الحكم وتحظى بحقائب وزارية ومقاعد برلمانية... فأثرت هذه المشاركة على شريحة واسعة من الناس خاصة الذين وثقوا بهذه الحركات بأنها إنما تعمل للإسلام، ثم وجدوها تعمل مع النظام... هذا ناهيك عن الأحكام الشرعية التي لم يتقيدوا بها من حرمة التشريع الوضعي في البرلمانات وحرمة المشاركة في أنظمة ليست من الإسلام في شيء... فدفع ذلك شريحة ليست بالقليلة من الجزائريين أن لا تذكر الإسلام في الحراك.


4- وأخيراً الصراع الدولي على الجزائر ببسط النفوذ ومحاولة الغرب المستميتة "وبخاصة فرنسا" بنشر الثقافة العلمانية، وإبراز قيادات تابعة لها في الحراك، وهي بالتأكيد علمانية ليحققوا عن طريقها نفوذهم السياسي في الجزائر، علماً بأن أطراف الصراع الدولي في الجزائر متفقة تماماً على طمس الهوية الإسلامية للجزائر وإبراز الصفة العلمانية للدولة.


هذه هي الأسباب العميقة التي سهلت ظهور الصفة العلمانية على الحراك الشعبي في الجزائر وهي كلها وراءها الخداع والتضليل والخبث السياسي من الغرب وعملائه... وهو وإن نجح ظاهرياً بمنع بروز الإسلام على الحراك فإن الإسلام مستقر في أعماق قلوب جزائر المليون شهيد ولن يتأخر بزوغه بإذن الله، وإن غداً لناظره قريب، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾.


ثانياً: أما عن الصراع الدولي في الجزائر:


1- بالنسبة لبريطانيا وفرنسا:
أ- منذ انقلاب بومدين سنة 1965 والنفوذ الإنجليزي مستحكم في الجزائر يصاحبه بعض النتوءات الفرنسية... لكن وبعد إقالة عميل فرنسا خالد نزار من وزارة الدفاع سنة 1993 فقد أخذ نفوذ فرنسا يضعف شيئاً فشيئاً داخل الجيش حتى وصل إلى وضع أقرب إلى تبعية "الثقافة العسكرية" منه إلى الولاء السياسي، وظل بوتفليقة "المعروف بولائه لبريطانيا" خلال فترة حكمه الطويلة منذ 1999 يلجأ إلى علاج تلك النتوءات الفرنسية بالتدريج ودون إثارة ضجة، فكانت مسألة إبعاد النفوذ الفرنسي عن أجهزة الدولة أقرب إلى التنافس الرياضي، أي لم تظهر أي بوادر تسخين من الطرفين في مسألة النفوذ التي أخذت صفة التنافس، لكن إعفاء بوتفليقة 13/9/2015 لمدير المخابرات العامة محمد مدين المعروف بـ(الجنرال توفيق) كانت ضربة مؤلمة للنفوذ الفرنسي في الجزائر الذي كان قد أخرج من الجيش بشكل كبير وظل يعتمد على المخابرات باعتبارها ركناً أمنياً شبه وحيد للنفوذ الفرنسي في الجزائر، فكانت هذه الضربة المؤلمة إشعالاً للنار تحت رماد الهدوء الظاهر للعلاقة بين النفوذين في الجزائر...


ب- لقد حدث ظرفان أخرجا التنافس بين النفوذين البريطاني والفرنسي في الجزائر عن حالة التنافس الرياضي وأصبح الصراع بينهما أقرب إلى "لي الأذرع" وإن لم يصل إلى حد "كسر العظم"... أما هذان الظرفان اللذان جعلا التنافس بين الدولتين ساخناً فهما:
الأول: باستفتاء بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكست" سنة 2016 فقد توسعت شقة الخلاف بين بريطانيا وفرنسا، وظهر ذلك في تصلب فرنسا "الاتحاد الأوروبي" في مفاوضاتها مع رئيسة الوزراء البريطانية ماي، وظهر ذلك أيضاً في خطط رئيس الوزراء الجديد جونسون للخروج من الاتحاد حتى ولو بدون اتفاق، وفي هذا ضرر كبير لفرنسا. وقد ظهر الخلاف كذلك في مسألة توتير أمريكا للأزمة مع إيران بعد انسحابها من الاتفاق النووي، ففي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تتبنى موقفاً مغايراً لموقف أمريكا كانت بريطانيا أقرب له، واستمرت الخلافات بينهما بالتوسع، وهذه الخلافات البريطانية الفرنسية الجديدة تنعكس على موقفيهما في أماكن أخرى كالجزائر...


والثاني: باندلاع الحراك الشعبي في الجزائر 22/2/2019 فقد رأت فرنسا أن حالة عدم الاستقرار في الجزائر واهتزاز أركان النفوذ الإنجليزي فيها تشكل فرصة لإعادة نفوذ أكبر لها في الجزائر، أي أن الحراك الشعبي العفوي قد كشف النار الفرنسية الكامنة منذ 2015!


ج- ونتيجة ذلك فقد انتقلت حالة التنافس بينهما إلى مستوى "لي الأذرع" فقد كشفت أجهزة الأمن خطة شبيهة بالانقلاب العسكري لإبعاد قايد صالح عن رئاسة أركان الجيش، فاعتقلت أجهزة الأمن بموجبها أقوى وأخطر رجالات فرنسا في الجزائر، وهم محمد مدين (الجنرال توفيق) وبشير طرطاق وهما مديران سابقان لجهاز المخابرات اللذين تم اعتقالهما في 5/5/2019، ثم اعتقال لويزة حنون زعيمة حزب العمال 9/5/2019م، يضاف إليهم سعيد بوتفليقة الذي يظهر بأن رجالات فرنسا في الجزائر قد استقطبوه لصفهم خاصة بعد استقالة أخيه الرئيس بوتفليقة... وقد حوكموا (محكمة عسكرية جزائرية في البليدة قضت بالسجن 15 عاما على أربعة متهمين بالتآمر ضد سلطة الدولة والجيش، وصدرت الأحكام حضورياً على السعيد بوتفليقة ولويزة حنون زعيمة حزب العمال والفريق المتقاعد محمد مدين... كما قضت المحكمة العسكرية في مدينة البليدة حكما بالسجن النافذ (20) عاماً غيابياً ضد وزير الدفاع الأسبق خالد نزار. سكاي نيوز عربي في 25/9/2019) وقد ضجت فرنسا ضد القيادة العسكرية في الجزائر بسبب الاعتقالات، فعند اعتقال لويزة حنون بحسب صحيفة الإندبندنت البريطانية 18/5/2019 وقّعت 1000 شخصية فرنسية من بينها رئيس الوزراء السابق جان مارك إيرولت مبادرة تطالب بإطلاق سراحها، وأضافت الصحيفة: (وأبدى النائب عن الحزب الجمهوري في البرلمان الفرنسي، جان لاسال، تخوفاً من انعكاس الأحداث على مصالح بلاده، وقال إن "صعود جيل جديد من الضباط والجنرالات في المؤسسة العسكرية الجزائرية، بتكوين وتأطير قومي مركز، يهدد المصالح الفرنسية في الجزائر، لا سيما في الجوانب الثقافية والاقتصادية والسياسية") ما يدل على ضيق فرنسا مما يحدث، أي أن هذا الصراع قد صار يأخذ منحى فيه شيء من التسخين وإن كانت كفة بريطانيا هي الراجحة في النظام المدعوم من رئيس الأركان في الجيش.


2- محاولات أمريكا لاختراق الساحة الجزائرية:
لقد حاولت وسائل إعلام أمريكية الترويج لبعض الشخصيات التي برزت في الحراك الشعبي مثل كريم طابو الأمين العام السابق لجبهة القوى الاشتراكية فوصفته "الحرة" الأمريكية 12/9/2019 بأنه ("الوجه الأبرز في الحراك الشعبي" وروجت لفيديوهات كريم طابو بوصفها "وهو يقود مسيرات في العاصمة الجزائر ضمن الحراك الشعبي، وروجت لـ"معارضته الحقيقية للسلطة، وليس كباقي الأحزاب")، وربما في هذا إشارة إلى وجود اتصالات أمريكية بمثل هؤلاء الناشطين في الحراك الشعبي في الجزائر. وقد اعتقلت أجهزة الأمن الجزائرية هذا الناشط وغيره ووجهت له تهمة "إضعاف الروح المعنوية للجيش"، وعلى فرض وجود اتصالات أمريكية برموز للحراك الشعبي في الجزائر، وهذا متوقع، فإن مثل هؤلاء لم يبلغوا من القدرة على التأثير في الحياة السياسية في الجزائر بما تصبو إليه أمريكا التي لم تتمكن من التسلل إلى النفوذ داخل الجيش أو مؤسسات الدولة حتى الآن...


لكل ذلك فإن الساحة الجزائرية تكاد تخلو من الصراع الأوروبي مع أمريكا، بل هي بين بريطانيا وبين فرنسا مع المحاولة الجادة لبريطانيا ومنظومتها العسكرية لقصقصة الأجنحة الفرنسية الموجودة في الساحة... أما المحاولات الأمريكية فلم تنجح باختراق الدور الأوروبي في الجزائر، وإن كانت العصابة الحاكمة في الجزائر تتخوف من أن طول فترة الأزمة - الحراك الشعبي - قد تمكن أمريكا من إحداث اختراق تسعى له منذ سنوات، بل إن فرنسا كذلك قد تستغل طول فترة الحراك لتنشيط أتباعها وإتاحة الفرص لهم.


ثالثاً: أما المتوقع عن الانتخابات فيمكن فهمه كما يلي:
1- لقد تمكنت بريطانيا هي ومن في الحكم حالياً وقيادة الجيش من إبعاد رجال فرنسا بشكل كبير عن أجهزة الدولة، لذلك أخذت هذه المنظومة تستعجل الانتخابات حتى لا تتبدل هذه الظروف خاصةً وأن الحراك مستمر، قال قايد صالح (قبل الآن كنا نتكلم عن ضرورة الإسراع في إجراء الانتخابات الرئاسية. أما اليوم، فإننا على يقين تام بأن هذه الانتخابات ستحصل في الآجال المحددة لها". إندبندنت 14/9/2019)، وكذلك مطالبته بموقف واضح مثل (إعلانه أنّ الفترة الحالية تقتضي موقفاً واضحاً "لا مجال لمسك العصا (فيه) من الوسط... إما مع الجزائر أو مع أعدائها"، إندبندنت 14/9/2019)، وهذا مؤشر على أن منظومة الحكم التابعة للإنجليز تستعجل الحسم اليوم لأن الأمور تبدو نسبياً في صالحها. وأما فرنسا والقوى التابعة لها فهي تعارض إجراء هذه الانتخابات، أو تود تأجيلها لظرف يناسبها ولكنها لا تصدر تصريحات علنية بذلك، بل تقوله بشكل دبلوماسي بأن الشعب الجزائري هو من يقرر شؤون بلاده!


2- تحاول منظومة الحكم أن تدفع إلى انتخابات الرئاسة مرشحين من أتباعها بعد تغيير ألوانهم (وأعلن رئيسا الوزراء السابقان علي بن فليس وعبد المجيد تبون يوم الخميس ترشحهما في الانتخابات الرئاسية التي تجرى في 12 كانون الأول/ديسمبر. رويترز 28/9/2019)، وهؤلاء وأمثالهم من الوجوه الموثوقة لمنظومة الحكم، ويلعب بعضهم اليوم دور المعارضة، فعلي بن فليس زعيم حزب طلائع الحريات يقدم نفسه على أنه حزب معارض ويدعو إلى التغيير، وزعيمه بن فليس كان رئيس وزراء بوتفليقة بين عامي 2000-2003، أي أن هذه المنظومة تريد تجديد النظام بوجوه جديدة نسبياً عسى أن ينطلي ذلك على شعب الجزائر فيُنهي الحراك!


3- ورغم ذلك فإن الظاهر هو أن القطاعات الأوسع في الحراك الشعبي العفوي الرافضة للانتخابات في ظل النظام نفسه، هي أقوى بكثير من الأصوات المؤيدة للنظام أو الأطراف المسماة بالمعارضة والتي يمكن أن تؤيد الانتخابات، وهذا يجعل البلاد تسير إلى أحد احتمالين:


- إما أن تجبر منظومة الحكم الحالية على تأجيل الانتخابات في اللحظة الأخيرة كما حدث في موعد انتخابات 18/4/2019 فأجلت...


- وإما أن تجري انتخابات منقوصة بشكل كبير، بحيث يستمر الحراك الشعبي وكأن الانتخابات لم تحصل حتى لو انسلخت بعض القوى عن الحراك الشعبي، لكن حينها تكون الظروف مهيأة لأعمال عنف تقوم بها السلطة لوضع حد للحراك بعدما تقول بأنه تم انتخاب رئيس شرعي وأن الواجب الالتزام بقراراته! وهكذا تستمر الأمور في اضطراب بين أخذ ورد!!


4- وهكذا فإن الحراك الحالي لن يُحدث تغييراً حقيقياً أو نهضة مؤثرة لأن هذا الحراك وإن نشأ عفوياً إلا أن تدخلات بريطانيا وفرنسا فيه والأشياع والأتباع يُفقد الحراك فاعليته خاصة وقد كشف الستار عن اصطفاف قيادة الجيش مع النظام، بل هي جزء أصيل فيه، تأمر وتنهى، وهذا يعني أن التغيير لا يمكن إحداثه في الجزائر إلا عبر تحويل ولاء الجيش لصالح إسلام هذا الشعب الأصيل، وهذا ممكن وقابل للتحقيق بعد إزالة كبار الجنرالات عملاء بريطانيا والغرب، وتمكين الفئة المخلصة من الضباط من السيطرة على زمام الأمور داخل الجيش، ثم نصرة التغيير الحقيقي الذي تصبو إليه الأمة على أساس الإسلام... وليس معنى ذلك أن يمسك العسكر بالحكم، بل أن يكونوا أهل نصرته بالحق، فتأتي القيادة الحقيقة التي تنتظرها الأمة لإحداث التغيير الشامل، وذلك باستئناف الحياة الإسلامية وإقامة الخلافة الراشدة الحقة التي تُنهض الأمة وتحيي الزرع والضرع، ونعود بها كما أراد الله لنا أن نكون ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾...


﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾


الرابع من صفر الخير 1441ه
3/10/2019م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م