جواب سؤال: ما وراء الأزمة بين السعودية وقطر!
June 12, 2017

جواب سؤال: ما وراء الأزمة بين السعودية وقطر!

   جواب سؤال

 ما وراء الأزمة بين السعودية وقطر!

السؤال:

قال ترامب في مؤتمر صحفي مع نظيره الروماني بالبيت بالأبيض في 2017/6/9: (إن الجميع اتفقوا على وقف دعم الإرهاب، سواء المالي أو العسكري أو الأخلاقي، وأن دولة قطر للأسف لديها تاريخ طويل في تمويل الإرهاب على مستوى عالٍ جدًا وفي أعقاب القمة توحدت الدول، وتحدثنا بشأن مواجهة قطر، وعلينا أن نوقف تمويل الإرهابيين، وقررت مع وزير الخارجية وكذلك الجنرالات بالجيش الأمريكي لدعوة قطر لإنهاء تموليها الإرهاب...) (اليوم السابع 2017/6/9)، فهل يعني هذا أن الأزمة بين السعودية وبين قطر كان المحرك لها ترامب؟ وإن كان هذا صحيحاً فلماذا يقوم ترامب بذلك علماً بأن لأمريكا أكبر قاعدة في المنطقة موجودة في قطر؟ ثم إن وسائل الإعلام كانت تعزو السبب للخلاف السياسي بين السعودية وبين قطر من حيث موقف قطر من إيران، أو من الإخوان، أو من حماس... فكيف نفهم تصريح ترامب مع ما تثيره وسائل الإعلام؟ ثم إلى أين تتجه هذه الأزمة؟ وهل تؤدي إلى انسحاب "أو طرد" قطر من المجموعة الخليجية؟ ولكم الشكر.

الجواب:

أولاً: نعم، إن الدافع للأزمة التي حدثت هي أمريكا، وبعبارة أخرى الرئيس الأمريكي ترامب، ولكنني قبل تفصيل ذلك أبدأ بما ورد في آخر السؤال، فقد ظن بعضهم أن سبب الأزمة الخليجية القطرية كما تردد عبر الإعلام أو كما تم ترويجه هو دعم قطر للإخوان المسلمين أو تحالفها الاستراتيجي مع إيران... في حين ذهب آخرون إلى أن السبب الحقيقي للأزمة يرجع إلى خلافات قديمة بين آل حمد وآل زايد بدأت في السبعينات إبان تأسيس دولة الإمارات، وهي التي جعلت السعودية تسير بجانب حليفتها الإمارات لمهاجمة قطر... كما أن هناك كتَّابا يقولون إن أزمة مقاطعة قطر مرتبطة بـ"إسرائيل". فمثلاً قال جيك نوفاك في "سي أن بي سي": (ظاهريا، يبدو من الواضح جدا القول إن التصدع بين السعودية وقطر هو بسبب إيران، حيث أصبح السعوديون مهووسين بالحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، ولو نظرنا بشكل أعمق قليلا فإنه يظهر أن استهداف القطريين في لحظة محددة له علاقة بدولة أخرى، وهي: "إسرائيل".) (عربي21، 2017/6/7).

ولكن إعمال الفكر وإنعام النظر في كل ما حدث يستبعد هذه الأمور، فهي ليست جديدة بل تمارسها قطر منذ زمن، ولم تجدَّ هذه الأيام، فتقارب قطر مع إيران معروف، وعلاقتها مع حماس مشهورة كذلك، وتأثير العلاقات بين قطر وبين دولة يهود المغتصبة لفلسطين ثم بين هذه وبين السعودية والإمارات كذلك هو أمر غير خاف، وحتى العلاقات العشائرية لا تصل إلى مثل ما حدث... فكل هذه الأمور كانت قبل الأزمة وهي ما زالت بعد الأزمة، وإذن فليست هي الأسباب الحقيقية.

ثانياً: أما السبب الحقيقي فكما ذكرت في البداية فهو أمريكا أو ترامب، ولإدراك ذلك نستعرض الأمور التالية:

1- منذ مطلع هذا القرن فقد غدت الدولة الصغيرة قطر مطبخاً رئيسياً للسياسات الإنجليزية في المنطقة، وبذلك فقد أصبحت قناة الجزيرة الفضائية منبراً إعلامياً كبيراً للتشويش على السياسة الأمريكية وقدح عملاء أمريكا في المنطقة... وقد أضيف لها عامل آخر وهو المال السياسي، ذلك المال الذي أصبح مغناطيساً سياسياً كبيراً لجذب القوى السياسية... وقد حققت قطر باستخدام هاتين الأداتين نجاحاً كبيراً خاصة على صعيد الحركات الإسلامية التي توصف بـ"المعتدلة" في فلسطين ومصر وليبيا وتونس وغيرها، وأصبحت الدوحة في قطر ملاذاً لقيادات هذه الحركات ومركزاً للتخطيط والتشويش على السياسة الأمريكية وعملاء أمريكا... وعلى عادة الإنجليز بالتظاهر بأنها مع أمريكا وهي تشوش عليها، فقد أجادت قطر هذه اللعبة الإنجليزية فاستضافت مبكراً منذ سنة 1991 قاعدة العديد الأمريكية التي تعتبر مقراً للقيادة المركزية الأمريكية، بالإضافة لكونها قاعدة جوية استراتيجية، تنطلق منها الطائرات الأمريكية لتعيث بين المسلمين قتلاً وتدميراً في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن. وكان ذلك في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تبني فيه مطبخها السياسي في قطر إلى أن اكتمل وظهر مطلع القرن الحالي. ثم تطور الدور القطري الخادم لبريطانيا بشكل سلس وفق الخطة المرسومة... لقد كانت أمريكا تتضايق من هذا الدور القطري حتى بلغ بها الضيق أن بحث جورج بوش الابن قصف قناة الجزيرة وفق خبر نشرته DW في 2005/11/22: (ذكرت صحيفة "ديلي ميرور" البريطانية اليوم الثلاثاء نقلا عن مذكرة "سرية للغاية" لرئاسة الحكومة البريطانية أن الرئيس الأمريكي جورج بوش فكر في 2004 في قصف مقر قناة "الجزيرة" الفضائية في قطر...) (DW 2005/11/22)... وظل ذلك هو الموقف في الخليج إلى أن استلم الملك سلمان الحكم في السعودية، فأصبحت السعودية مع أمريكا، وعندها فقد ارتأت إدارة أوباما أن توكل لعميلها سلمان دوراً مهماً في المنطقة يكون من ناحية مقابلاً للدور القطري وظاهراً عليه، ومن ناحية أخرى متماشياً مع خطط أمريكا الجديدة... ومن ثم قوي دور عملاء أمريكا وأخذ الخلاف بين السعودية وقطر منحى يهدد الدور القطري برمته... وبعد أن تسلم الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب مهام منصبه مطلع هذا العام فقد أصبحت السياسة الأمريكية أكثر حدة وفظاظة في التعامل مع الكثير من القضايا الدولية، ومن ضمنها قطر.

2- خلال زيارة ترامب للرياض في 20-2017/5/21 وجمعه خمسين حاكماً حوله وبجانبه سلمان والتلميحات نحو دعم قطر للإرهاب أدركت قطر بتغذية بريطانية أن أمريكا قد بدأت خطوات جادة لإعلاء الدور السعودي وإخفات الدور القطري ومن ثم الإنجليزي في منطقة الخليج، وكرد على ذلك كانت تلك التصريحات القطرية بعد يومين من رجوع أمير قطر من الرياض، فقد نقلت وكالة الأنباء القطرية تصريحات أمير قطر تميم آل ثاني يوم 2017/5/23: "إن ما تتعرض له قطر من حملة ظالمة تزامنت مع زيارة الرئيس الأمريكي إلى المنطقة وتستهدف ربطها بالإرهاب... إننا نستنكر اتهامنا بدعم الإرهاب... لا يحق لأحد أن يتهمنا بالإرهاب لأنه صنف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية... وطالب مصر والإمارات والبحرين مراجعة موقفهم المناهض لقطر... العلاقة قوية مع أمريكا ومتينة رغم التوجهات غير الإيجابية للإدارة الأمريكية الحالية مع ثقتنا أن الوضع القائم لن يستمر بسبب التحقيقات العدلية تجاه مخالفات وتجاوزات الرئيس الأمريكي، وإن قاعدة العديد مع أنها تمثل حصانة لقطر من أطماع الدول المجاورة إلا أنها الفرصة الوحيدة لأمريكا لامتلاك النفوذ العسكري في المنطقة، وأن قطر لا تعرف الإرهاب والتطرف، وأنها تود المساهمة في تحقيق السلام العادل بين حماس الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني و(إسرائيل) بحكم التواصل المستمر مع الطرفين... وإن قطر نجحت في بناء علاقات قوية مع أمريكا وإيران في وقت واحد نظرا لما تمثله إيران من ثقل إقليمي وإسلامي لا يمكن تجاهله وليس من الحكمة التصعيد معها...". فهذه التصريحات تشير إلى أن قطر تتهم ترامب بأنه من وراء الحملة على قطر واتهامها بأنها راعية للإرهاب أو داعمة له، فقد جاءت مباشرة بعد قمة ترامب مع ممثلي الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي والتي حرص ترامب على إظهار نجاحه في قيادة هذه الأنظمة نحو الأهداف الأمريكية وجعلها في بيت الطاعة الأمريكية. وقد ذكر ترامب أن بعض الدول في هذه القمة أشارت إلى قطر بأنها راعية للإرهاب. وهكذا تكون تصريحات قطر هذه بمثابة رد على ترامب كما هي تغمز به وتتمنى سقوطه بسبب التحقيقات العدلية ضده.

3- لقد كان لجمع السعودية لـ55 ملكاً ورئيساً وقيادياً من رويبضات الخليج والعالم العربي والإسلامي يمثل الاستعداد السعودي للسير وفق الخطة الأمريكية لإظهار قيادة السعودية في المنطقة وكان ذلك بإشارات لا تخطئها العين من واشنطن، التي تريد أن تضع خزائن دول النفط تحت تصرفها بحجة الخطر الإيراني من ناحية، ومن ناحية أخرى أن تطفئ وهج النفوذ البريطاني بين دول الخليج بإبراز القيادة السعودية وحمل باقي دول الخليج على السير خلف السعودية، أي خلف السياسة الأمريكية. وبهذا فإن السعودية لم تكن لتطيق من يخالف قيادتها في المنطقة، وكانت عيونها متفتحة على قطر، وتنتظر حدثاً لوضع قطر تحت النار، لذلك كانت ردة فعلها شديدة على التصريحات القطرية المناوئة للسعودية ولأمريكا التي نشرتها وكالة الأنباء القطرية 2017/5/23، ورغم اعتذار قطر وبيانها أن موقع الوكالة القطرية قد تعرض للقرصنة، إلا أن السعودية لم تقبل الرواية القطرية بخصوص قرصنة الموقع، بل رأت فيها تأكيداً لرفض قطر للسياسة السعودية والدور الذي رسمته أمريكا لسلمان، ومن ثم كانت تلك الأزمة، فجمعت السعودية كيدها وأعلنت قطع العلاقات مع قطر، أي أظهرت حزماً ضد قطر بوصفها خارجة على القيادة السعودية لدول الخليج، وانعكاساً لجدية مواقف إدارة ترامب فقد جاءت الخطوات السعودية المناهضة لقطر حادة للغاية وقد فاقت مستوى 2014/3/5 بسحب السفراء من قطر، فظهرت بما يشبه فرض الحصار على قطر. ومن باب الزيادة في التأثير، وعلى الطريقة الأمريكية فقد كانت الخطوات السعودية تتصف بالصدمة، فأمهلت الدبلوماسيين القطريين 48 ساعة فقط لمغادرة أراضيها، وتناغماً مع الطريقة الأمريكية في الصدمة وبشكل موازٍ للخطوات السعودية ومتزامن معها فقد أعادت مصر الطائرات المدنية القطرية ولم تسمح لها بدخول أراضيها وبدون إنذار مسبق، وهكذا فعلت دول أخرى متضامنة مع السعودية ضد قطر.

ويظهر أن قطر تفاجأت بهذه القرارات المتعلقة بمقاطعتها وقد صدمت بها فلم تتوقعها، فقال وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في مقابلة له مع بي بي سي يوم 2017/6/6 "إن الإجراءات التي تم اتخاذها ضد بلاده كانت صادمة، وإن ما حدث هو عقاب جماعي من قبل ثلاث دول في هذه المنطقة، حاولت أن تفرض الحصار على قطر وعلى شعبها..."، وقطر لا يمكن أن تُظهر جرأة في أن تتحدى أمريكا أو عملاء أمريكا كالسعودية إلا أن تكون هناك دولة كبرى تدعمها وتقف وراءها وتحضها على فعل ذلك، وهي طبعاً بريطانيا التي تُسيِّر قطر وسياستها بالخفاء، بل دون خفاء! ومقصد بريطانيا هو التشويش على أمريكا وإفشال خططها في إحكام السيطرة على المنطقة وخاصة منطقة الخليج، فأوعزت إلى عملائها في قطر ليفعلوا ذلك، وهي أي بريطانيا لم تتوقع أن تكون ردة الفعل هكذا صادمة، بل كأنها كانت تتوقعها مثل موضوع سحب السفراء في 2014 وتنتهي دون تأثيرات كبيرة، وبخاصة وأن قطر تتحصن بوجود قاعدة أمريكية كبيرة عندها، ولذلك ورد في تصريحات أمير قطر التي نشرتها وكالة الأنباء القطرية يوم 2017/5/23 والتي حذفتها فيما بعد وادّعت أنه قد تم اختراق موقعها، ورد فيها قوله: "إن قاعدة العديد مع أنها تمثل حصانة لقطر من أطماع الدول المجاورة إلا أنها الفرصة الوحيدة لأمريكا لامتلاك النفوذ العسكري في المنطقة". أي أن قطر تركن إلى ذلك وهي تشاكس وتشوش على أمريكا وعملائها في المنطقة وعبر قناتها الإعلامية قناة الجزيرة، فهي تركن إلى أنها قد منحت أمريكا أكبر قاعدة لها في المنطقة، وبهذا تسكت أمريكا عنها! ولذلك فوجئت بهذه الإجراءات العنيفة.

4- وهكذا فإن السبب الحقيقي للأزمة هو الدور الجديد الذي رسمه ترامب لسلمان بأن يكون هو سلطان منطقة الخليج فينفذ السياسة الأمريكية ولا يسمح لأي من عملاء الإنجليز بالمشاغبة أو التشويش، ولأن قطر هي التي رسمت لها بريطانيا الدور الإنجليزي بالمشاغبة والتشويش على المخططات الأمريكية في المنطقة وتنفيذ المخططات الإنجليزية... لهذا كان التصعيد الساخن غير المسبوق ضد قطر، فأمريكا هي الدافع وراء سلمان في هذه الأزمة وهم لم يخفوا ذلك، بل تدرجوا في كشف أنفسهم خلف ما جرى ويجري:

- نقلت العربية نت 2017/6/6 عن مسؤول كبير بالإدارة الأمريكية قوله لوكالة رويترز للأنباء (إن الكثير من تصرفات قطر مثيرة لقلق جيرانها بالخليج والولايات المتحدة. ونقلت الوكالة عن المسؤول الأمريكي اليوم الاثنين قوله إن الولايات المتحدة لا تريد رؤية "شقاق دائم" بين دول الخليج وذلك بعد أن قطعت بعض من الدول الخليجية والعربية العلاقات مع قطر بسبب اتهامها بدعم إسلاميين وإيران. ومع ذلك قال المسؤول إن "هناك تسليما بأن كثيرا من تصرفات قطر مقلقة تماما ليس لجيرانها في الخليج فحسب وإنما للولايات المتحدة أيضا". مضيفا "نريد إعادتهم إلى الاتجاه الصحيح".).

- نقلت بي بي سي 2017/6/6 (لمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تأثير زيارته الأخيرة إلى الخليج على قرار قطع العلاقات مع قطر، وقال ترامب إنه تلقى معلومات خلال هذه الزيارة تفيد بأن الدوحة تمول حركات ذات "أيديولوجية متشددة". وذكر في تغريدات في حسابه الرسمي على تويتر "خلال زيارتي الأخيرة إلى الشرق الأوسط، قلت إنه لا يمكن استمرار تمويل الأيديولوجية المتشددة. أشار الزعماء إلى قطر - انظروا" ثم كتب "جيد أن أرى زيارتي الأخيرة إلى السعودية ولقائي مع الملك و50 مسؤولا تؤتي ثمارها. قالوا إنهم سيتخذون موقفا حاسما من تمويل التطرف. كل الإشارات كانت تتجه صوب قطر. ربما يكون هذا بداية النهاية للرعب الذي يبثه الإرهاب").

- ثم كانت تصريحات ترامب 2017/6/9 تكشف وتؤكد أن أمريكا وراء ذلك التصعيد السعودي:

(قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، اليوم الجمعة، إن على قطر أن تتوقف فورا عن تمويل الإرهاب، معربا عن أمله في أن تكون القمم التي عقدها بالعاصمة السعودية الرياض، بداية لنهاية الإرهاب. وأضاف ترامب، في مؤتمر صحفي مع نظيره الروماني بالبيت بالأبيض، أن قطر كانت تاريخيا دولة ممولة للإرهاب.) (سكاي نيوز عربية 2017/6/9).

(قال دونالد ترامب، الرئيس الأمريكى، إن الجميع اتفقوا على وقف دعم الإرهاب، سواء المالي أو العسكري أو الأخلاقي، وأن دولة قطر للأسف لديها تاريخ طويل في تمويل الإرهاب على مستوى عالٍ جدًا وفي أعقاب القمة توحدت الدول، وتحدثنا بشأن مواجهة قطر، وعلينا أن نوقف تمويل الإرهابيين، وقررت مع وزير الخارجية وكذلك الجنرالات بالجيش الأمريكي لدعوة قطر لإنهاء تمويلها الإرهاب...) (اليوم السابع 2017/6/9).

5- أما إلى أين يتجه التصعيد في "الأزمة القطرية"، فإن قطر قد وقعت تحت صدمة هذه المواقف القوية من عملاء أمريكا السعودية ومصر والتي سايرهم فيها بعض عملاء الإنجليز كالإمارات والبحرين وغيرهم من باب توزيع الأدوار على طريقة الإنجليز كما جاء في جواب السؤال الذي أصدرناه في 2017/4/9 حيث قلنا: (... وبهذا يتضح بأن بريطانيا تقسم أدوار عملائها على نحو قد يبدو عليه التناقض، ولكنه في المحصلة يحقق أغراض الإنجليز، فهي لا تضع كل عملائها في جهةٍ واحدة خاصة في البلدان التي تتعدد فيه أوراقها...). إن قطر كما قلنا لم تكن تتوقع أن يكون التصعيد بهذه القوة وبهذه الشدة... فقد كانت الخطوات السعودية تتصف بالصدمة، فأمهلت الدبلوماسيين القطريين فقط 48 ساعة لمغادرة أراضيها، وتناغماً مع الطريقة الأمريكية في الصدمة وبشكل موازٍ للخطوات السعودية ومتزامن معها فقد أعادت مصر الطائرات المدنية القطرية ولم تسمح لها بدخول أراضيها وبدون إنذار مسبق، وهكذا فعلت دول أخرى متضامنة مع السعودية ضد قطر.

6- وأما هل يقود هذا إلى انسحاب قطر من مجموعة الخليج، فإنه يكون إذا كان في باب "آخر الدواء الكي" ولكن المرجح أن إمكانية الدواء ما زالت موجودة... فإن القوى الدولية ذات العلاقة أي أمريكا وبريطانيا كلاهما يهمه أن تبقى قطر ضمن مجموعة الخليج مع اختلاف الهدف الذي تريده كل منهما. أما أمريكا فتريد قطر كما ذكرنا آنفاً تحت العباءة السعودية، أي تنفذ مصالح أمريكا دون تشويش أو مشاغبة لاعتبارات مختلفة، فأمريكا تريد أن تبقى قاعدتها مستقرة تؤدي أعمالها دون أي مضايقات، وهي تدرك أن بريطانيا وراء قطر، وتستطيع بأساليبها الخبيثة المختلفة أن تسبب للقاعدة مشاكل إذا خرجت قطر من المجموعة الخليجية، وهكذا فإن أمريكا تريد من قطر أن تنفذ مخططاتها، وأن تكون ضمن النهج السعودي، وفي الوقت نفسه أن تبقى في المجموعة الخليجية... وأمابريطانيا فهي كذلك تريد أن تبقى قطر في المجموعة الخليجية لأنها وهي داخل هذه المجموعة تستطيع العمل من وراء ستار لتنفيذ مخططات بريطانيا وفق النهج الإنجليزي الذي له وجهان فيُظهر الود من الأمام، ومن الخلف يطعن في الظهر... وعليه فالمرجح كما ذكرنا آنفاً هو دوران الحل حول عدم القطيعة النهائية بين قطر وبين المجموعة الخليجية إلا أن يكون ذلك في باب "آخر الدواء الكي"، ويستبعد على الأقل في المدى المنظور أن تتجاوز الأزمة آخر الدواء للأسباب التالية:

أ- إن خطاب ترامب في 2017/6/9 المذكور أعلاه لم يترك مجالاً لقطر لحل وسط لأنه خاطبها (... وأن دولة قطر للأسف لديها تاريخ طويل في تمويل الإرهاب على مستوى عالٍ جدًا وفي أعقاب القمة توحدت الدول، وتحدثنا بشأن مواجهة قطر، وعلينا أن نوقف تمويل الإرهابيين، وقررت مع وزير الخارجية وكذلك الجنرالات بالجيش الأمريكي لدعوة قطر لإنهاء تموليها الإرهاب...) (اليوم السابع 2017/6/9)، ومعروف أن قطر لا ترسم سياستها بل بريطانيا هي التي ترسمها لها، وبريطانيا كما هي سياستها الحالية لا تجابه أمريكا علناً وبخاصة في هذه المرحلة التي هي مرحلة الخروج من الاتحاد الأوروبي حيث تحاول التقارب معها ولو ظاهرياً...

ب- إن عقلية ترامب هي عقلية تاجر فالناحية المالية لها تأثير فيه، فإذا دفعت قطر بما يغريه فقد يأمر ترامب سلمان أن يقبل بحل وسط! قال الباحث الأمريكي جوناثان كريستول الزميل في معهد السياسات العالمية "World Policy Institute" (إن المال مع وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض هو المحور الأساسي المؤثر في أزمة قطع السعودية والإمارات والبحرين علاقتها بقطر. وأوضح كريستول بمقال له أن الطريقة الوحيدة لتتمكن قطر من التغلب على الضغط الدبلوماسي والاقتصادي السعودي يكون عبر التدخل الأمريكي مع حلفائها السعوديين بواسطة المال وفقا لـ"CNN"...) (عربي21، 2017/6/6).

أي أن الراجح هو أن يوجد حل بمال قطر أو بخضوع قطر! ونقول الراجح لأن قطر لا تدير سياستها بنفسها بل بريطانيا هي التي تديرها وإذا رأت بريطانيا أن مصلحتها في أي لحظة تقتضي خروج قطر من المجموعة فإنها تخرج وإن اقتضت بقاءها فتبقى!!

7- وفي الختام فإنه لا يُنتظر الخير من عملاء أمريكا في السعودية ومصر ومن سار معهما في موضوع المقاطعة، فهم يُسلمون البلاد والعباد لأعداء الإسلام والمسلمين مقابل أن يحتفظوا بكرسي معوجةٍ قوائمه آيلة للانكسار اليوم أو غداً... وكذلك لا يُنتظر الخير من قطر اللاهثة وراء بريطانيا لتبقيها "تحكي انتفاخاً صولة الأسد" فتكلفها بمشاريع الضرار والضرر للمسلمين: فتمنح أمريكا أكبر قاعدة لتنطلق منها طائرات القتل والدمار لتقتل أبناء المسلمين في سوريا والعراق وتدمر بيوتهم... ثم تقوم بتسويق الصلح مع كيان يهود حيث طوَّعت حماس لتقترب من فتح في التنازل... كما أثرت بمالها المسموم في بعض التنظيمات في سوريا لأن تدخل في المفاوضات مع النظام الإجرامي هناك... وهي التي تقوم بخداع من لديهم توجهات إسلامية وتغريهم بالمال وبالإقامة حتى تروضهم وتجعلهم يتنازلون ويغيرون توجهاتهم وأفكارهم... كل ذلك في دور خبيث رسمته لها بريطانيا... ولهذا فمن السذاجة التي تقترب من الخيانة أن يتعاطف أحد مع هذا النظام أو مع ذاك بحجة السيئ والأقل سوءاً، فإن قضايا الأمة لا توضع في ميزان السيئ والأقل سوءاً بل في ميزان الحق والباطل... فعلى أبناء الأمة أن يرفضوا تلك الأنظمة الخائنة لله سبحانه ولرسوله eوالمؤمنين، ويعملوا مع العاملين المخلصين لإسقاطها وإقامة دولتهم التي بشر بها رسولهم الكريم e، دولة الخلافة الراشدة التي ترعى شئونهم بأمن وأمان في سربهم وحلهم وترحالهم، فيعز بها الإسلام والمسلمون، ويذل بها الكفار المستعمرون، ومن ثم يصيب ترامب وأزلامه وعملاءه قارعة تحل بهم وبدارهم ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

16 رمضان المبارك 1438هـ

11/6/2017م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م