November 16, 2012

جواب سؤال: مالي - الجزائر

جواب سؤال: مالي - الجزائر


السؤال:

تصاعد الحديث عن التدخل العكسري في شمال مالي في الأيام الأخيرة، واجتمع أمس الأحد 11/11/2012 قادة المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس). لبحث استعادة شمال مالي ضمن دولة مالي، وكان قرارهم عائماً غير حاسم، فقد قرروا إرسال 3300 جندي إلى مالي، ولكن في الوقت نفسه أعلنوا عدم إغلاق باب التسوية السياسية، بل تركوا باب الحوار مفتوحاً... وقد كان هذا بعد قرار مجلس الأمن 2071 في 15/10/2012 الذي أعطى مهلة 45 يوماً لهذه المجموعة... وبين هذا وذاك كانت تتصاعد مواقف الدول الكبرى ذات التأثير الاستعماري في أفريقيا، وكان أشدها إلحاحاً على التدخل العسكري فرنسا، وبدرجة أقل أمريكا، وبما يشبه عدم الاهتمام من بريطانيا... ولكن اللافت للنظر أن الجزائر هي قطب الرحى في هذا الأمر، فزيارة مسئولي هذه الدول إليها متكررة، فوفد يغدو وآخر يروح...، وهي لازالت تعارض التدخل العسكري.


والسؤال لماذا الجزائر أصبحت محطة التنافس بين هذه الدول من حيث الاتصالات معها، وبخاصة من أمريكا وفرنسا؟ ثم لماذا يبدو صوت بريطانيا خافتاً؟ وما مواقف هذه الدول وأغراضها خلال اتصالاتها مع الجزائر؟


الجواب:

لكي يتضح الجواب يجب أولاً استعراض أمرين مهمين:


الأول: واقع الجزائر السياسي... والثاني: انقلاب مالي...


أما واقع الجزائر السياسي:


فالمعروف أن الرئيس بوتفليقة الذي كان وزيرا للخارجية على عهد هواري بومدين قد سار على نهج بومدين الذي ارتبط بالإنجليز، ومن ثم وصل إلى الحكم عن طريق انقلاب عسكري قاده عام 1965 ضد أحمد بن بيلا الذي كان يوالي أمريكا، واستمر الحكم يديره عملاء الإنجليز إلى أن قام عملاء فرنسا في الجيش بانقلاب عام 1992، وذلك ليحولوا دون وصول جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى الحكم بعد أن نجحت في الانتخابات... ثم أجبروا الشاذلي بن جديد على تقديم الاستقالة... بعدها أصبح الجيش متحكما في البلاد ولكنه فشل في تسيير أمرها، واضطرب الحكم، فبعد أن أجبروا الشاذلي على الاستقالة في 1992 أتوا بمحمد بوضياف ثم قُتل، وأتوا بعده بعلي كافي، ثم أبعدوه، وبعد ذلك سلموا الحكم لوزير الدفاع الجنرال اليمين زروال أحد رجالهم، ولكن لم يستطيعوا أن يعالجوا تبعات انقلابهم وتهدئة الأوضاع في البلاد بعدما ارتكبوا مجازر فظيعة في حق أهل الجزائر المسلمين... وفي سنة 1999 اتفقوا مع عبد العزيز بوتفليقة ليكون الرئيس على أن لا تمسهم أية مساءلة عن جرائمهم وتدميرهم للبلد وليعمل على دمل الجراح بالدعوة إلى الوئام والسلم والمصالحة... وهكذا أصبح هو الرئيس منذ 1999 وحتى اليوم، وذلك بعدما أعلن عن فوزه في انتخابات 2004 ثم في انتخابات 2009م. وما زال بوتفليقة على علاقة وثيقة ببريطانيا، وقام بتتويج ذلك بزيارة بريطانيا عام 2006 لتكون أول زيارة لرئيس جزائري إلى بريطانيا. ومع أن مجموعة فرنسا في الجيش الجزائري، وهم مؤثرون إلى حد ما، يدركون علاقة بوتفليقة مع بريطانيا، وكذلك يدركون أن بوتفليقة لم يكن على وئام مع السياسة الفرنسية، وقد رفض مشروع الاتحاد المتوسطي الذي جاءت به فرنسا على عهد ساركوزي، كما أن مشاريع الاتفاقيات التي جرى الحديث عنها عام 2008 في زيارة ساركوزي للجزائر ولقائه بوتفليقة لم يجر تنفيذها... مع كل هذا الذي يدركونه إلا أنهم يسكتون على ذلك لأن ملفات جرائم قادة هذه المجموعة الذين أجرموا في حق الشعب المسلم في الجزائر لم تُغلق، وفي أية لحظة يستطيع بوتفليقة تفجيرها في وجهوهم إذا ما فكروا في القيام بانقلاب ضده، ولذلك فلم يقوموا بمعارضة سياسته وبخاصة وهو يتفق معهم في حماية العلمانية والجمهورية التي يقدسونها.


وهكذا فإن الخط السياسي العام للرئيس الجزائري هو تَبعٌ للسياسة البريطانية في موضوع مالي المبين لاحقاً.


وأما انقلاب مالي، فقد حدث في 22/3/2012، وكان واضحاً أن وراءه أمريكا، فقد كانت أمريكا تعمل على إيجاد نفوذ لها في مالي، وكان بداية ذلك عقد اتفاقيات مع مالي لتدريب القوات المالية على مكافحة الإرهاب والتمرن على التكتيكات المتعلقة بمحاربة الجماعات المتمردة. وكانت تختار ضباطا وترسلهم إلى أمريكا للتدرب. وقد نقل موقع العصر في 24/3/2012 عن مصادر أمريكية مطلعة بأن ديبلوماسيا أمريكيا طلب عدم ذكر اسمه للصحافة صرح قائلا: "إن قائد الانقلاب النقيب أمادوا "أحمدو" حيا سانوجو كان قد اختير من بين نخبة ضباط من طرف السفارة الأمريكية لتلقي تدريب عسكري لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة". وأضاف بأن "سانجو سافر مرات عدة لأمريكا في مهمات خاصة...".


وكان الغرض من الانقلاب هو إزالة النفوذ الفرنسي من مالي التي كانت ركيزته الأساسية، ومن ثم يحل النفوذ الأمريكي مكانه.


وقد سبق أن وضحنا هذا الأمر مفصلاً في جواب السؤال المؤرخ 24/3/2012.


والآن بعد استعراض الأمرين السابقين يمكن الجواب على السؤال على النحو التالي:


1- انخفاض صوت بريطانيا في أمر التدخل العسكري سببه أن المشكلة بشكل رئيسي هي بين أمريكا وفرنسا، فإن أمريكا وراء ذلك الانقلاب لقلع نفوذ فرنسا من المنطقة... ولذلك فإن بريطانيا على عادتها تريد الفريقين أن ينشغلا في هذا الأمر ليضعفهم الصراع، وتكون هي الرابحة أو على الأقل ليست الخاسرة!


أما موقفها خلال زيارة مسئوليها للجزائر حول مالي فقد كان موقفاً مراوغاً نحو التدخل العسكري وفي الوقت نفسه تأييد الجزائر في عدم التدخل العسكري! فقد صرّح السفير البريطاني في الجزائر مارتن روبر: "ان المملكة المتحدة تقف الى جانب الجزائر في هذه المرحلة الحرجة جدا" وقال "ان بريطانيا تحبذ الحل السلمي ان كان ممكنا" ( جريدة الخبر الجزائرية 22/6/012) وقد قام اليستر بيرت  الوزير البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 23/6/012 بزيارة الجزائر وقام بدراسة الوضع في شمال مالي وتعزيز العلاقات مع المسؤولين الجزائريين لمدة ثلاثة أيام. "وقد ثمن الموقف الجزائري الرافض للتدخل العسكري لانهاء مشكلة التمرد في شمال مالي، وقال ان بريطانيا تدعم حل النزاع القائم في منطقة الساحل عبر المفاوضات". ( صفحة السلام اليوم الجزائرية 24/6/012) فبريطانيا لا تريد أن تتورط جزائر بوتفليقة في تدخل عسكري في شمالي مالي لأن ذلك يمنح أمريكا فرصا للتأثير على الجزائر تمهيداً لبسط نفوذها في هذا البلد، فيكون ذلك على حساب النفوذ البريطاني في الجزائر وفي شمال أفريقيا.


وقد انعكس هذا الموقف المراوغ لبريطانيا على جزائر بوتفليقة، ولهذا كانت تصريحات الجزائر لا تريد التدخل من جانب، وتريده من جانب آخر فتقول بالحل السياسي، وتقول أيضا بمكافحة الإرهاب في شمال مالي! أي تعمد الغموض في الموقف، فهي تقول إن التدخل له آثار سيئة وبخاصة على الطوارق ويجب الحل السياسي، وفي الوقت نفسه تقول إن الحل العسكري ضروري ضد الإرهاب! كما جاء في تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الجزائرية عمار بلاني حيث قال: "نعتبر ان استعمال القوة يجب ان يتم عن تبصر من اجل تجنب اي خلط او غموض بين سكان مالي الطوارق الذين لهم مطالب مشروعة والجماعات الارهابية وتجار المخدرات الذين يجب ان يكونوا الهدف الاول لكونهم مصدر الخطر الذي يهدد المنطقة". (أ.ف.ب 30/10/012)، لذلك فهي تمسك العصا من الوسط على طريقة الإنجليز لإبقاء الصراع بين أمريكا وفرنسا مشتعلاً، وفي الوقت نفسه يبقى بعيداً عنها... ولأن بريطانيا في سياستها الحالية تتبع عدم التصادم العلني مع أمريكا وإنما التشويش عليها بوسائل أخرى، فكذلك هي الجزائر، فمع أنها تقف بقوة ضد فرنسا في مباحثاتها بالنسبة لشمال مالي، حتى إنها أجلت زيارة رئيس جمهورية فرنسا، إلا أنها تبدي ميلاً وتجاوباً مع الضغوط الأمريكية عليها، فلا تستطيع تأجيل زيارة وزير أمريكي في الوقت الذي تؤجَّل فيه زيارة رئيس لفرنسا! ويبدو أن إرضاء الجزائر لأمريكا كان وراء طلبها من فرنسا تأجيل زيارة رئيسها فرانسو أولاند، فهي تتخذ موقفاً شديداً تجاه فرنسا، ولكنها تبدي ليناً في تصريحاتها تجاه أمريكا كما يتضح من مجريات الأمور.


2- أما فرنسا، فإنها أصيبت في مقتل على أثر انقلاب مالي، وأصبح الموضوع عندها مصيرياً، فإذا لم تستطع إعادة نفوذها في مالي، فإن نفوذها في أفريقيا سينتهي تدريجيا، ولذلك فهي تعمل بجد ونشاط للتدخل الدولي العسكري وإعادة دولة مالي إلى حظيرتها، فهي لا تريد أن يبقى أزلام أمريكا في الحكم في جنوب مالي، وشبه دولة في شمال مالي، ومن ثم يصعب عليها بسط نفوذها كالسابق في دولة مالي.


ولهذا فإن فرنسا تتهافت على التدخل العسكري في شمال مالي، لأن نفوذها في مالي قد تعرض لضربة كبيرة على أثر الانقلاب العسكري هناك الذي قام به ضباط صغار موالون لأمريكا في 22/3/2012، وهذا النفوذ هو آيل للسقوط في المنطقة كلها إذا لم تستطع فرنسا معالجة موضوع مالي وشماله. ولذلك نراها تعمل في مجلس الأمن جاهدة على استصدار القرارات المتعلقة بالتدخل العسكري وتتصل بدول المنطقة، وبخاصة الجزائر...


وأما موقفها خلال اتصالاتها بالجزائر فهو الحث بقوة على التدخل العسكري، ومع ذلك لم تتجاوب الجزائر معها، فقد نقلت جريدة الخبر الجزائرية عن صحيفة لوكانار أونشي الفرنسية في 31/10/2012 أن "تأخير زيارة الرئيس الفرنسي أولاند للجزائر التي كانت مقررة في شهر نوفمبر الى شهر ديسمبر كانت بناء على طلب الرئيس الجزائري بوتفليقة" وذكرت أن "فرنسا تبعث اشارات صداقة (للجزائر) مثل زيارة وزيري الخارجية لوران فابيوس ووزير الداخلية مانويل فالس واعتراف قصر الاليزيه بالطابع الدموي لاحداث 17/اكتوبر 1961". ونقلت عن "مستشاري اولاند انه كان يأمل في اقناع بوتفليقة بعدم البقاء مكتوف اليدين ازاء الجماعات الاسلامية المسلحة المسيطرة على شمال مالي.". ومع كل هذا فلم تتجاوب الجزائر... وهكذا فإن مركز التنبه عند فرنسا هو عودة نفوذها إلى مالي بأسرع ما يمكن، وترى أن الطريق لذلك هو التدخل العسكري لتحتل شمال مالي ومن ثم تنطلق إلى جنوبه مستغلة هذا "النصر"، فتجعل رجالها في جنوب مالي يتحركون كخطوط أمامية لفرنسا.


3- وأما أمريكا، فمع أنها تريد التدخل لدعم رجالها في جنوب مالي، إلا أنها غير مستعجلة على التدخل، بل هي تريد الانطلاق من مشكلة مالي إلى كسب الجزائر لنفوذها لعلها تتخذها منطلقاً لها في أفريقيا ضد ما تسميه الإرهاب كما هي باكستان منطلق لها في جنوب آسيا ضد طالبان، ولذلك ضاعفت تحركاتها في الجزائر بحجة مالي، ولكن المباحثات تركز على غيرها!


أي أن أمريكا يهمها الآن إدخال نفوذها إلى الجزائر لتنطلق منه إلى أفريقيا أكثر مما يهمها التدخل العسكري في شمال مالي، وإن كان هذا التدخل من ضمن سياستها، لكنها تريده طريقاً لدخول نفوذها للجزائر، وفي الوقت نفسه لا تريد دوراً مؤثراً لفرنسا في التدخل العسكري عندما تقرر أمريكا بشكل جاد الموافقة عليه.


أما اتصالات مسئوليها مع الجزائر فإن ظاهرها البحث في شمال مالي، وحقيقتها البحث في إقامة روابط مع الجزائر، وهذا يتبين جلياً باستعراض زياراتها الأخيرة إلى الجزائر، فقد قامت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بزيارة الجزائر والاجتماع برئيسها عبدالعزيز بوتفليقة في 29/10/2012، وقد صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون في ختام لقائها مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قائلة: "بحثنا علاقاتنا الثنائية القوية جدا، واشرنا الى اننا اجرينا للتو ندوة ممتازة للحوار الاستراتيجي التي احتضنتها واشنطن الاسبوع الماضي. كانت لنا محادثات معمقة جدا حول الوضع في المنطقة وخاصة في مالي". (فرانس برس، رويترز 30/10/012).


فهي ذكرت العلاقات الثنائية في الجزائر والحوار الاستراتيجي معها... ثم ذكرت المحادثات المعمقة في المنطقة وبخاصة مالي، فكان الهدف في الدرجة الأولى الجزائر قبل وضع مالي. ومما يؤكد هذا الاهتمام بالجزائر في الدرجة الأولى هو أن كلينتون تركت وراءها مساعدتها إليزابيث جونس لمواصلة المحادثات مع المسؤولين مما يدل على أن هناك أمورا استطاعت أمريكا تحقيقها في هذه الزيارة وأن مساعدة الوزيرة تعمل على إتمامها. فقد ذكر الناطق باسم الخارجية الجزائرية عمار بلاني فيما يتعلق بذلك قائلا: "ان المحادثات التي جرت بين وزير الخارجية مراد مدلسي ومساعدة وزيرة الخارجية الامريكية آن اليزابيت جونس سمحت بتقييم النتائج المسجلة في اطار الدورة الاولى للحوار الاستراتيجي الجزائري الامريكي وبتعميق المشاورات حول عدد من المسائل الجهوية". (وكالة الأنباء الجزائرية 1/11/012).


ثم إن أمريكا لا تريد أن تعطي لفرنسا أي دور رئيس في أي تدخل إذا ما قررت التدخل في هذه المنطقة، ولا تريد مساعدتها في القيام بمهمة عسكرية هناك، لأنها أصلا تستهدف إزالة النفوذ الفرنسي في مالي وفي المنطقة. وأمريكا يهمها الآن في الدرجة الأولى الجزائر وبسط النفوذ فيها، وتتخذ مسألة شمال مالي ذريعة للتحرك فيها وفي المنطقة. وهي تعمل على إيجاد الوسائل لتحقيق هذا الغرض، وأبرزها العمل على إيجاد شراكة استراتيجية مع الجزائر كما عملت مع الباكستان وأفغانستان والعراق وتركيا. ولذلك تجري معها محادثات تستهدف إيجاد هذه الشراكة التي هي عبارة عن أسلوب لإيجاد النفوذ في البلد من خلال التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي.


4- إن الكثير من أهل الجزائر يدرك أن بلادهم مستهدفة من قبل أمريكا، فقد نقلت جريدة الخبر الجزائرية في 29/10/012 عن كبير أعيان قبائل الطوارق في تمنراست 2000 كم جنوب العاصمة رفضه التدخل العسكري في شمال مالي معتبرا ذلك أنه "مقدمة لاقامة قواعد عسكرية في الصحراء". ونقلت هذه الجريدة عن نائب برلماني في منطقة الأهقار قوله: "ما تطلبه امريكا وفرنسا من تدخل اجنبي سيخلق الكثير من المشاكل ونحن كاعيان منطقة الاهقار نطلب من الجزائر الصمود في موقفها ضد التدخل الاجنبيي". وكذلك نقلت وكالة الأناضول التركية في 31/10/012 عن عبدالعزيز رحابي الذي شغل سابقا منصب وزير الاتصالات وناطق رسمي باسم الحكومة قوله: "ان الامريكيين قد يطلبون من الجزائر لعب دور شبيه بدور باكستان في الحرب الدولية على حركة طالبان والقاعدة داخل الاراضي الافغانية". موضحا أن "الجزائر سيطلب منها تقديم مساعدة معلوماتية او تسهيل تحليق الطائرات"...


ومع كل هذا وذاك، فإن الجزائر تبدي مرونة وليناً تجاه اتصالات أمريكا بشكل واضح، من باب مسايرتها كما تفعل بريطانيا، وأمريكا لا شك تدرك ذلك، لكنها كما يبدو ترى أن المسايرة هي الخطوة الأولى للمشاركة، فالنفوذ كما تراه، وذلك باستعمال الإغراء الاقتصادي، أو فزاعة الإرهاب، أو وسائل الضغط الأخرى...! على كلٍّ، إن هذه المسايرة واضحة على مدار زيارات عدة لمسئولين أمريكان إلى الجزائر خلال الأشهر الأخيرة، فقد أشاد وزير خارجية الجزائر مراد مدلسي خلال زيارته لواشنطن في شهر أيلول/سبتمبر الفائت بالتطور في العلاقات الأمريكية الجزائرية والمشاورات بينهما حول بؤر التوتر في المنطقة، وقال: "ان هناك تنسيقا وشراكة بين بلدان الساحل والبلدان الشريكة ومنها الولايات المتحدة لتوفير الظروف المناسبة لمحاربة الارهاب من خلال نظم المعلومات والتكنولوجيا والتجهيزات". ولفت إلى تطور العلاقات بين الجزائر وواشنطن على صعيد التعاون العسكري والاقتصادي باعتبار الولايات المتحدة الزبون التجاري الاول للجزائر بواقع 17 مليار دولار عام 2011. (وكالة الأنباء الجزائرية 1/11/012)، وذكرت هذه الوكالة بأن الاجتماع الثاني للحوار الاستراتيجي بين البلدين سيجري العام القادم في الجزائر.


وقد اتضح هذا أكثر من خلال البيان الذي أصدرته الخارجية الجزائرية في 28/10/012 قبل يوم من زيارة كلينتون قالت فيه: "ان زيارة كلينتون تندرج في سياق الدورة الاولى للحوار الاستراتيجي الجزائري الامريكي التي انعقدت في 19 اكتوبر من الشهر الجاري في واشنطن والتي اعطت دفعا ملحوظا للتشاور السياسي بين البلدين" وأضاف البيان:" ان المباحثات ستتمحور حول تعزيز الشراكة الاقتصادية والامنية بين البلدين ومسائل الساعة الاقليمية والدولية". (وكالة يو بي أي الأمريكية 28/10/012).


5- إنه ليؤلمنا أن تكون بلاد المسلمين، ومنها الجزائر ومالي وغيرها، أن تكون في غياب دولة الخلافة محلَّ صراع بين الدول الكبرى، فهذه الدول الكبرى، وهي دول استعمارية كافرة، تتصارع على بلاد المسلمين لتبسط نفوذها على بلادهم ولتنهب خيراتهم ولتحول دون عودتهم لتحكيم دينهم في حياتهم وإقامة نظامٍ منبثقٍ منه مجسداً في دولة الخلافة...


ومع أن الشعوب الإسلامية هي رافضة لأي تدخل أجنبي، إلا أن الأنظمة القائمة في بلادهم راضية بهذا التدخل، فهذه الأنظمة مستعدة لقبول التدخل الأجنبي، بل هي موالية للدول الاستعمارية الكافرة، لأنها أُسِّسَت على أساس التبعية للغرب بدساتيرها وأنظمتها ويُنَصَّب حكامها ليسيروا على هذا الأساس، وقد جرى إعدادهم على أن يكونوا موالين وتابعين لهذه الدول. فما لم يجر التخلص من الأنظمة ومن دساتيرها ومن حكامها ومن عقلية الحكم القائمة وإلا ستبقى بلاد المسلمين ساحة للصراع بين هذه الدول. مع العلم أنه يوم كانت الجزائر ولاية من ولايات دولة الخلافة الإسلامية على عهد العثمانيين كانت أمريكا تدفع لها ضرائب كلما مرت سفنها من مياه هذه الولاية الإسلامية. فكما ورد في الأرشيف الأمريكي "فقد وقعت أمريكا وباسم رئيسها ومؤسسها جورج واشنطن نفسه مع والي الجزائر حسن باشا على اتفاقية بتاريخ 5/9/ 1795م تتعهد أمريكا فيها بدفع 12 ألف ليرة ذهبية سنويا مقابل مرور السفن الأمريكية من مياه ولاية الجزائر، وأن تدفع فورا 642 ألف ليرة ذهبية مقابل إطلاق الأسرى الأمريكيين الذين أسرتهم القوات البحرية التابعة لدولة الخلافة عندما مرت لأول مرة 11 سفينة أمريكية في الشهر العاشر والحادي عشر من عام 1793"... هكذا كانت أمريكا تنظر للجزائر وهي ولاية تابعة لدولة الخلافة، فأمريكا حينها كانت تخشى غضب الجزائر عليها ناهيك عن أن تفكر في أن يكون لها نفوذ في الجزائر...!


إن الواجب على كل مسلم يؤمن بالله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يعمل لإقامة الخلافة التي تعيد للأمة عزها ونصرها، وأولاً وأخيراً تُرضي ربها، فهي خير أمة أخرجت للناس... هذا هو مبعث عز هذه الأمة وطريق نصرها.


((وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ))

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م