جواب سؤال: تأثير أمريكا في سياسة الهند لمواجهة الصين
April 12, 2014

جواب سؤال: تأثير أمريكا في سياسة الهند لمواجهة الصين

جواب سؤال

تأثير أمريكا في سياسة الهند لمواجهة الصين

السؤال:

انطلقت في 2014/4/7 الانتخابات العامة في الهند التي تستمر حتى 2014/5/12 وتعلن نتائجها في 2014/5/16، ويتنافس عليها كتلتان سياسيتان كبيرتان هما حزب بهارتيا جاناتا المرتبط بأمريكا ومعه تحالفه وحزب المؤتمر الموالي للإنجليز الذي أظهر منذ عودته إلى السلطة بفوزه في انتخابات 2004، أظهر بطئا في العلاقة مع أمريكا بسبب ارتباطه ببريطانيا، وأظهر تخوُّفاً في مجابهة الصين... والسؤال هو ما مدى تأثير أمريكا في سياسة الهند لمواجهة الصين؟ وما علاقة ذلك باستراتيجية أمريكا في آسيا - المحيط الهادئ وتحريكها لأستراليا واليابان للدخول في هذه المواجهة؟ وهل تتأثر كثيراً هذه السياسة بنوعية الحزب الحاكم في الهند إذا نجح حزب جاناتا أو حزب المؤتمر؟ وهل للهند قدرة على مواجهة الصين؟ وكيف هو ميزان القوى بين الصين والهند؟


الجواب:


إن الجواب على هذه الأسئلة يتضح باستعراض الأمور التالية:


1- إن أمريكا تعمل على تطويق الصين بواسطة الدول المحيطة بها وفي المحيط الهادئ وخاصة في بحري الصين الشرقي والجنوبي، فتبني أشكالا من التحالفات والتكتلات وتعزز العلاقات مع الدول هناك لهذا الغرض. وقد بدأ ذلك منذ أكثر من عقد من الزمان، وبشكل جدي عندما رأت أمريكا أن سياسة الاحتواء للصين وصلت إلى النهاية أو لحد الإشباع، أي أنها لا تستطيع أن تحتوي الصين أكثر مما احتوت، فقد تقربت إليها بإدخالها في منظمة التجارة العالمية، وازدادت العلاقات التجارية معها، ولم يعد الحوار الاستراتيجي الأمريكي مع الصين حساساً كما كان من قبل... ومع ذلك فلم تصبح الصين في فلك أمريكا، ولا حتى حليفة لها حسب تلك السياسة، ولم تستطع أن تحد من مطامعها لإيجاد هيمنة لها على منطقة بحري الصين الشرقي والجنوبي التي تعتبر منطقة مهمة وحيوية بل مصيرية لها، وبقيت الصين دولة تحافظ على كيانها وعلى تماسكها وعلى استقلاليتها كدولة كبرى إقليمية تعمل على تعزيز قوتها عسكريا واقتصاديا بحيث بدأت تستغل قوتها الاقتصادية للتأثير السياسي في بعض المناطق وليس فقط لجني الأرباح، وتعمل على تعزيز نفوذها في منطقتها ما يتعارض مع السياسة الأمريكية أو يعرض النفوذ الأمريكي للخطر. إن للصين مطامع إقليمية في أن تسيطر على منطقتها تلك التي تعتبرها مصيرية، ولا تريد أن تكتفي باليابسة التي تمتد أراضيها عليها بحيث تبقى محصورة في هذه الأراضي كدولة كبيرة اقتصاديا... وأمريكا كذلك تَعُدّ منطقة بحري الصين منطقة حيوية لها، فأمريكا بغرورها لا تكتفي أن تكون دولة إقليمية في حدود الأمريكيتين، بل تعد العالم منطقة لها!، ولذلك فهي تزاحم الصين في إقليمها توسيعاً لهيمنة أمريكا الدولية... وهكذا فإن سياسة الاحتواء بالتقرب إلى الصين في العلاقات التجارية والحوارات الاستراتيجية... هذه السياسة لم تجعل الصين تسير في فلك أمريكا، ولا حتى حليفة لها بالمعنى المعروف، بل أصبحت سياستها الإقليمية تقلق أمريكا، ومن ثم فلم تعد سياسة الاحتواء مجدية وحدها، فبدأت أمريكا وضع خطتها الجديدة التي تتعلق بآسيا - المحيط الهادئ، وهي تقتضي حشد نحو 60% من قوتها البحرية في هذه المنطقة. هذا بالإضافة إلى سياسة التطويق للصين التي انتهجتها أمريكا بإشغال الصين بقضايا في مجالها الإقليمي... وقد ركّزت أمريكا جهودها على تحريك دول المنطقة في سياسة التطويق هذه، وأبرز هذه الدول التي يمكن أن تؤثر بفاعلية في هذا التطويق ثلاث: الهند، واليابان، وأستراليا...


2- أما الهند، فلها حدود مع الصين يبلغ طولها 3488 كم وهناك مشاكل عالقة بينهما تتعلق بهذه الحدود، ومنذ ربع قرن تعقد جولات من المحادثات وآخرها الجولة الرابعة عشرة لترسيم الحدود بين البلدين، ثم توقفت ولم تُعقد الجولة الخامسة عشرة، فقد حدث في 2013/4/15 أن قام جنود صينيون واقتحموا الحدود مع الهند ودخلوا أراضيَ هندية في منطقة لاداخ "Ladakh" ونصبوا خياما ولكن انسحبوا بعد ثلاثة أسابيع في عملية استعراضية من قبل الصين تجاه الهند لإرسال رسالة إليها مفادها أن الصين على استعداد لاجتياز الحدود والدخول معها في حرب كما حصل في تشرين الأول/أكتوبر عام 1962 حيث شن الجيش الصيني هجوما على منطقة أروناشال براديش "Arunachal Pradesh" وقام بطرد القوات الهندية، وبعد شهر من هذه العملية قامت قوات صينية بهجوم ثان على أراضٍ هندية فقتل حوالي 2000 من الهنود، وما زال هذا الأمر غير محلول ويسمى "خط السيطرة الفعلي"، فهي نقطة محتدمة بين البلدين توجِد توتراً مستمراً، هذا بالإضافة إلى التوتر الناتج عن مشكلة منطقة التبت التي احتلتها الصين عام 1950، وهي متاخمة للحدود الهندية. فتشارك الهند أمريكا في إثارة هذه المشكلة باحتضان بوذيّي هذه المنطقة وزعيمهم الديلاما حيث أسست له الهند إدارة التبت المركزية كحكومة في المنفى. كل هذه العوامل تجعل التوتر بين الهند والصين قائماً لا يكاد يهدأ...


3- حاولت أمريكا استغلال هذه التوترات بين الصين والهند بدفع الهند للمجابهة مع الصين أو لإثارة المشاكل بينهما لإشغال الصين بهذه المسألة، غير أن الهند تتخوف من مواجهة الصين براً، وما حدث من الرسائل الهجومية الصينية على أطراف الهند ينطق بذلك، وعليه فقد كانت أمريكا بحاجة إلى إغراءات للهند لتشجيعها على الاستمرار في إزعاج الصين وإشغالها بمشاكل الحدود... وهكذا عقدت أمريكا شراكة استراتيجية بينها وبين الهند، وكذلك عقدت اتفاقية التعاون النووي بينهما... وأيضا وقعت الولايات المتّحدة عدة اتفاقات اقتصادية وأمنية مع الهند فقد تم إبرام اتفاقية دفاع في عام 2005 واتفاق التعاون النووي المدني في 2008، وكل هذا يوسع أفق التعاون الأمني بينهما. ونتيجة لذلك ينخرط البلدان حاليّاً في العديد من المناورات العسكريةِ المشتركةِ غير المسبوقة، كما أن مبيعات كبيرة من الأسلحة الأمريكية إلى الهند في ازدياد مستمر... وعندما صرح رئيس أركان الجيش الهندي الجنرال ديباك كابور في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2009 قائلاً: "أنه يجب على الجيش الهندي أن يعد العدة لخوض حرب على جبهتين" (الاقتصادية 2010/2/15)، فإن أمريكا قامت بالضغط على باكستان لتخفيف قواتها على الجبهة الشرقية مع الهند، وتركز قواتها في الجبهة الغربية لمحاربة المجاهدين ضد أمريكا في أفغانستان وفي منطقة القبائل، وكل ذلك حتى تركز الهند على الجبهة الشمالية مع الصين... وكذلك فقد عملت أمريكا على زيادة التبادل التجاري مع الهند، فقد ازداد حجم الصادرات الأمريكية إلى الهند في الأعوام الخمسة بسرعة مقارنة بأية دولة أخرى. فوفقا لتقديرات اتحاد الصناعات الهندية فإن التجارة الثنائية في الخدمات من المرجح أن ترتفع من ستين مليار دولار إلى أكثر من 150 مليار دولار في السنوات الست القادمة... ومع ذلك فإن الهند تتخوف كثيراً من الصراع البري مع الصين، بالإضافة إلى أن حكام الهند من حزب المؤتمر يوالون بريطانيا أكثر مما يوالون أمريكا فهم غير مستعدين للمغامرة في مجابهة خاسرة مع الصين من أجل مصالح أمريكا...!


4- فعندئذ رأت أمريكا أن تصرف أنظار الهند نحو منطقة الشرق في المحيط الهادئ وبالتحديد في بحر الصين الجنوبي وتُغريها بوجود مصادر للطاقة من بترول وغاز في هذه المنطقة لتنافس الصين، وتجابهها ضمن استراتيجيتها آسيا - المحيط الهادئ. وهكذا كان، فقد اتفقت الهند مع فيتنام على التنقيب عن النفط والغاز في المحيط قبالة جزر سبراتلي المتنازع عليها مع الصين. وقد صرح عقب ذلك المتحدث باسم الخارجية الصينية لين ويمين قائلا: "لا نأمل أن نرى قوات خارجية في بحر الصين الجنوبي، ولا نريد كذلك أن نرى انخراط شركات أجنبية في أعمال تنتهك سيادة الصين وحقوقها ومصالحها". (الشرق الأوسط 2011/11/28) وفي وقت سابق اتهمت صحيفة الشعب الناطقة باسم الحزب الشيوعي كلا من الهند وفيتنام بالقيام بمحاولات غير مسؤولة لمواجهة الصين، واستمرت محاولات أمريكا لتشجيع الهند حول التوجه لتلك المنطقة، ففي 2013/7/22 قام جوزيف بايدن نائب الرئيس الأمريكي بزيارة إلى الهند فأدلى بتصريحات في واشنطن قبل أن يقوم بهذه الزيارة ممهداً ومغرياً للهند بالتوجه إلى الشرق في المحيط الهادي قائلا: "إن الهند تتطلع بصورة متزايدة نحو الشرق كقوة للأمن والنمو، وبالنسبة لنا فإن مثل هذا الخبر يلقى ترحيبا لدينا". وقال: "إننا نرحب بانخراط الهند في المنطقة ونرحب بجهودها الرامية إلى تطوير روابط جديدة في التجارة والنقل برا وبحرا في المنطقة". (آي آي بي ديجيتال 2013/7/23). وقبل ذلك بشهر أي في 2013/6/24 اجتمع كيري مع نظيره الهندي شري سلمان خورشيد في نيودلهي واشتركا في رئاسة الجولة الرابعة للحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والهند، وأكدا مجدداً على رؤيتهما المشتركة حول السلام والاستقرار في آسيا والمحيطين الهندي والهادئ وشددا على دعمهما المستمر لتعزيز التواصل الإقليمي وأكدا من جديد على أهمية الأمن البحري...". (آي آي بي ديجيتال 2013/6/24). وكل هذا يدل بوضوح على اهتمام أمريكا بدفع الهند للتوجه إلى الشرق في المحيط الهادئ وبالتحديد في بحر الصين الجنوبي... ومع ذلك فإن الهند لم تتجاوب التجاوب المطلوب أمريكيًا خلال السنتين اللتين مرّتا بعدما وضعت أمريكا خطتها الجديدة فيما يتعلق بآسيا - المحيط الهادئ ودفعها نحو الشرق، وهذا يرجع لأسباب تتعلق بسياسة حزب المؤتمر الحاكم الموالي لبريطانيا، وكذلك إلى خوف الهند من مواجهة الصين...


5- وأما أستراليا، فقد بدأت أمريكا تعمل على تفعيل دور أستراليا التي تدور في فلكها وتعزيز التعاون معها في المجال الاقتصادي والأمني لمواجهة الصين ضمن خطة أمريكا المتعلقة بآسيا - المحيط الهادئ. ولهذا المقصد تحرك المسؤولون الأمريكان على أعلى المستويات، وبخاصة وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ووزير الدفاع السابق ليون بانيتا ورئيس الأركان مارتين ديمبسي نحو مدينة بيرث بأستراليا للاجتماع مع نظرائهم الأستراليين. فقالت كلينتون يومها خلال إطلاق المركز الأمريكي الآسيوي في جامعة غرب أستراليا بمدينة بيرث: "إن أستراليا تشكل نقطة تقاطع استراتيجية بين محيطين كبيرين: المحيط الهندي والمحيط الهادئ اللذين يؤمنان البوابة للتجارة الناشطة ومفترق طرق إمدادات الطاقة التي تتدفق إلى جميع أنحاء العالم". وقالت: "لم يكن مفاجئا أن ترتفع الاستثمارات الأجنبية بهذا الشكل في أستراليا ومن بينها ما يزيد عن 100 بليون دولار من الولايات المتحدة، لأن هذه المياه أصبحت بصورة متزايدة في قلب الاقتصاد العالمي وتشكل نقطة التركيز الرئيسة للانخراط الأمريكي المتوسع في المنطقة، والتي نسميها أحيانا محورنا إلى آسيا". وقالت: "إن الولايات المتحدة لم تترك أبدا منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وإن الولايات المتحدة لا تزال قوة في المحيط الهادئ، وهي هنا لتبقى". وأضافت "إن طريقة تفكير الولايات المتحدة بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ والمناطق الواقعة بين المحيطين الهندي والهادئ ستكون حاسمة لمستقبل أستراليا والولايات المتحدة". (آي آي بي ديجيتال 2012/11/15). وقد ذكرت كلينتون في هذا المركز أيضا نظرة أمريكا للهند وما تريده منها فقالت: "إن من أولويات الولايات المتحدة الاستراتيجية دعم سياسة الهند للنظر شرقا وتشجيع نيودلهي على لعب دور أكبر في المؤسسات والشؤون الآسيوية" وقالت: "إن الولايات المتحدة ترحب بالمناورات البحرية المشتركة بين أستراليا والهند في المستقبل، وهي متحمسة للعمل سوية مع اتحاد الدول المحاذية للمحيط الهندي للتعاون الإقليمي التي سترأسها أستراليا في عام 2013 وقد انضمت إليها الولايات المتحدة كشريك في الحوار" (المصدر السابق). وهذه الأفكار تدل على طريقة التفكير الأمريكية المتعلقة بالمنطقة، فإنها تريد تسخير أستراليا كعنصر فاعل في التصدي للتحرك الصيني في المنطقة، ويدل على أنها لم تحقق أغراضها بواسطة الهند المجاورة للصين برا، وأنها تريد لأستراليا الاشتراك مع الهند في مياه بحر الصين الجنوبي، فأستراليا أقرب إلى تنفيذ السياسة الأمريكية من الهند، فهي تعتبر دولة غربية تتبنى الرأسمالية، وتتوق للاستعمار كأي دولة رأسمالية غربية، ولذلك تقوم وتشارك أمريكا في الغزوات الاستعمارية كما كانت تشارك بريطانيا، وما زالت تشاركهما لأنها تدور في فلك هاتين الدولتين...


6- وأما اليابان، فإن أمريكا تعمل على تعزيز قوتها في اليابان وإعطاء دور أكبر في الدفاع عن المنطقة في وجه الصين. فقد أعلنت في 2014/4/6 عن إرسال المزيد من سفن الدفاع الصاروخي إلى اليابان كما جاء في تصريح وزير الدفاع الأمريكي تشاك هاغل: "إن الولايات المتحدة سترسل مدمرتين إضافيتين مزودتين بأنظمة دفاع صاروخي إلى اليابان بحلول عام 2017 وأن هذه الخطوة تأتي ردا على استفزازات من كوريا الشمالية التي هددت بإجراء شكل جديد من التجارب النووية". وحذر الصين من إساءة استخدام قوتها الكبيرة قائلا: "إن الدول الكبرى يجب ألا تستخدم الإكراه والتخويف، لأن هذا قد يخلق صراعات" وقال: "إنه يريد إجراء محادثات مع الصين بشأن استخدام قوتها العسكرية وتشجيع الشفافية" (رويترز 2014/4/6). وأشار إلى ما فعلته روسيا في القرم ليحذر الصين التي فعلت مثل ذلك في جزر متنازعة مع اليابان قائلا: "لا يمكنك أن تعيد رسم الحدود وتنتهك سلامة أراضي وسيادة الدول بالقوة أو الإكراه أو التخويف، سواء أكان هذا في جزر صغيرة بالمحيط الهادئ أم كان في دول كبيرة في أوروبا". وقال: "شيء آخر سأتحدث بشأنه مع الصينيين وهو احترام جيرانهم. الإكراه والتخويف شيء قاتل جدا لا يؤدي إلا إلى الصراع". وكان الوزير الأمريكي قد اجتمع الأسبوع الماضي مع وزراء دفاع دول جنوب شرق آسيا حيث حذر من تزايد القلق الأمريكي في بحر الصين الجنوبي. (المصدر السابق) وذكرت وكالة كيودو اليابانية في 2014/4/5 أنه "من المتوقع أن يناقش وزير الدفاع الأمريكي ووزير الدفاع الياباني أيتسونوري اينوديرا موضوع السماح لليابان بممارسة حق الدفاع الذاتي عن طريق تعديل الدستور الياباني، بالإضافة إلى ذلك سيناقش أينوديرا موضوع نقل السلاح والمعدات الدفاعية في اجتماعه مع وزير الدفاع الأمريكي وقد يتوصل الجانبان إلى اتفاق لتعزيز التعاون في مجال المعدات الدفاعية". أي تريد أمريكا أن تعطي اليابان دورا للدفاع عن المنطقة في وجه الصين لتخفيف الأعباء عنها ولدغدغة مشاعر اليابانيين القومية الذين يطمحون في أن يكون لديهم قوة ذاتية باسمهم تعمل على حمايتهم ومستقلة عن أمريكا.


7- وأما تأثر السياسة الأمريكية بنجاح حزب المؤتمر أو حزب جاناتا بالنسبة لخطتها المتعلقة بآسيا - المحيط الهادئ، فهي لا شك تتأثر، فإن حزب المؤتمر حزب عريق في ولائه للإنجليز، وعنده دهاء سياسي إلى حد ما مأخوذ من سيدته العجوز بريطاينا، ولذلك، فهو مقلق لأمريكا، وفي الوقت نفسه فهو مراوغ لها كما تفعل بريطانيا، فيقيم معها بعض الاتفاقيات العسكرية والعلاقات التجارية ولكنه يشوش عليها في العلاقات السياسية وفي القضايا الاستراتيجية، فمثلاً كان حزب المؤتمر قد صاغ بياناً في حملته الانتخابية التي فاز فيها بالسلطة في 2004 وضح فيه نظرته لأمريكا، ومنتقداً سياسة حزب جاناتا الذي كان قبله، فقد جاء فيه: (من المحزن أن بلداً عظيماً مثل الهند انحدر إلى مستوى امتِلاك علاقة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعتبر حكومة الولايات المتحدة الأمريكية (تبعية) الهند من المسلمّات (مضمونة). وقد أدّى هذا إلى استعداد حكومات بي جْي بي للتكيّف مع أولوياتِ وسياسات الولايات المتحدة الأمريكية دون الاهتمام المناسب بالسياسة الخارجية الحيوية الخاصة بالهند ومصالحِ أمنها القومي.) وواضح فيه كم هو مقلق بالنسبة لأمريكا، ومع ذلك فلم يقطع الحوار الاستراتيجي بل عاد إليه في حزيران/يونيو 2010، الذي كان قد بدأ في عهد الرّئيسِ بوش في 2004. وقد وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون، رئيسة الوفد الأمريكي في ملتقى الحوار الهند "بأنها شريك لا غنى عنه وصديق يوثق به.". ولذلك فمنذ مجيء حزب المؤتمر للسلطة بعد سقوط حزب جاناتا الموالي لأمريكا أصبح من الصعب سير الهند في تنفيذ خطة أمريكا بمواجهة الصين إلا بعد أن تقدم أمريكا لها من الإغراءات الشيء الكثير كما ذكرناه سابقاً، ومع ذلك تتمنّع الهند متحججة بظروف ليست جديدة، بل كانت وقت حزب جاناتا، ومع ذلك كان لا يثيرها هذا الحزب عند تنفيذ السياسة الأمريكية، وللعلم فإن بريطانيا قد جعلت حزب المؤتمر يواليها ولاء تقليديا تاما، وسلمته الحكم منذ رحيلها، ولم يتزحزح عنه، كله أو جله، إلا فترة قصيرة منذ عام 1998 حتى عام 2004 حيث فاز حزب جاناتا الموالي لأمريكا، ثم فاز حزب المؤتمر في انتخابات 2004 - 2009.


أما الانتخابات الحالية التي بدأت في 2014/4/7 فستعلن نتائجها في 2014/5/16، وقد ذكرت بعض مؤسسات استطلاع الرأي بأن نتائجها تشير إلى أن حزب بهارتيا جاناتا وحلفاءه من المتوقع أن يفوزوا في هذه الانتخابات، فإذا صحت توقعات الرأي العام، ومؤسسات رصد الرأي الانتخابي في الهند، ونجح جاناتا، سواء أكان بالأغلبية ليشكل حكومة وحده، وهذا مستبعد إلى حد ما، أم كانت نتائجه ذات شأن بحيث يفرض شروطه على أي حكومة تتشكل، إن كان الأمر كذلك فإن سياسة أمريكا في مضايقة الصين عن طريق الهند ستكون ميسورة لأمريكا أكثر مما كانت عليه وقت حزب المؤتمر، بل يسهل عليها تنفيذ سياستها كما كان ذلك في فترة حكم حزب جاناتا الموالي لها حيث تنفست الصعداء حينذاك بعد حكم حزب المؤتمر عقوداً قبل ذلك، وعندما جاء حزب المؤتمر في 2004 بدأ سياسة التشويش على السياسة الأمريكية في الهند، بل كان حزب المؤتمر يراوغ أمريكا ليأخذ منها اتفاقيات لمصلحته قبل أن يتقدم خطوة لمساعدة أمريكا في سياستها.


8- وأما المقارنة بين الصين والهند، فإن الكفة ترجح بشكل واضح إلى الصين من وجوه عدة:


فالصين وإن هي لا تحمل مبدأها وتنازلت عنه في السياسة الخارجية وفي السياسة الاقتصادية والمالية وكذلك تنازلت عنه في كثير من مجالات الحياة إلا أنها تحافظ عليه في الحكم باسم الحزب الشيوعي لتحافظ على مصالح هذا الحزب وأتباعه وعلى تماسك الدولة واستقلاليتها، وكل ذلك يجعلها تتحرك ذاتيا وتجعل لديها مناعة من أن تصبح دولة تابعة أو دولة تدور في فلك دولة كبرى وتجعلها دولة تحلم بأن تصبح دولة كبرى عالميا. وقد عبر ليو مينجو وهو كولونيل صيني يعمل أستاذا في جامعة الدفاع الوطني وهو يدرب الضباط الشباب، عبَّر عن ذلك في كتابه الذي أسماه "الحلم الصيني" فدعا فيه بلاده الصين لأن تملك أقوى جيوش العالم، وأن تتحرك بسرعة للإطاحة ببطل العالم أمريكا، ودعاها للتخلي عن التواضع فيما يتعلق بالأهداف العالمية وإلى القفز لكي تصبح الرقم واحد في العالم. وأضاف إذا لم تتمكن الصين في القرن الواحد والعشرين من أن تصبح الرقم واحد في العالم وتكون القوة العليا في العالم فإنها ستصبح حتما مهمشة..."، فعند الصين إحساس بالقوة والتحدي، ولولا أنها تكتفي بالمحافظة على إقليمها، وتقبل بأن تقتصر مجابهتها لأمريكا كرد فعل على تحركات أمريكا نحو إقليمها، ولا تخرج الصين لتهز أمريكا في مناطقها ومناطق نفوذها... ولولا أنها بدأت تأخذ بالرأسمالية في كثير من المجالات وبخاصة الاقتصادية... لولا ذلك لكان صوتها دولياً أعلى، وتأثيرها في مصالح أمريكا أقوى... على كلِّ، فإن الصين عندها إحساس بالقوة، وتعمل ليبقى كيانها يتحرك ذاتياً حتى وإن كان في منطقة إقليمها...


وأما الهند فليس لديها مبدأ ولا تملك أفكارا من مبدأ ما وإنما يطبق عليها المبدأ الرأسمالي لضمان تبعيتها للغرب وخاصة لبريطانيا وليس لإنهاضها وجعلها دولة مستقلة، فهي كسائر الدول التابعة في المنطقة فقد فرض عليها النظام الرأسمالي فرضا بالقوة الاستعمارية، وما زال مفروضا عليها بالقوة. ولهذا فهي لا تندفع ذاتيا ولا يوجد لديها الحافز للانطلاق بقوة وبسرعة وبوعي وتخطيط ذاتي، فتبقى دولة تابعة وليست مستقلة بسياستها، ويلاحظ عليها أنها تتحرك ببطء في المجال السياسي وهي دائما تحت التأثير وليست مؤثرة ولا مبادرة. فتقع تحت التأثير سواء من بريطانيا سيدتها الأولى أم من أمريكا التي تمدُ أذرعتها نحوها حيث أوجدت فيها قوى سياسية تابعة لها. ولهذا فهي مختلفة عن الصين من هذه الناحية، وهي متأخرة فكريا، وغير منضبطة بقواعد فكرية معينة، والعاملون في الحقل السياسي غير منضبطين بأي أسس ولذلك يعمها الفساد المالي والسياسي بحيث يكاد أن يشمل كافة السياسيين، ومن الصعب أن تصبح دولة كبرى ولو إقليميا، وأكثر ما يمكن أن تصبح عليه في المستقبل دولة فلك، أي تدور في فلك دولة كبرى أخرى سواء أكانت أمريكا أم بريطانيا أم الإثنتين معا.


هذا من الناحية السياسية، أما من الناحية الاقتصادية، فاقتصاد الصين يبلغ أربعة أضعاف اقتصاد الهند. وبينما استطاعت الصين تخفيض مستوى الفقر في بلادِها، فإن 66 % من فقراء العالم هم من الهند، ولا تَستطيعُ الهند منافسة الصين اقتصادياً، فالصين طوّرتْ قِطاعاً صناعياً كبيراً، ما أدى إلى حيازتها على احتياطيات كبيرة مِنْ النقد سمح لها بأن تؤثر في الاقتصاد العالمي. أما التصنيع في الهند فلا يزال بعيداً عن مستوى الصين في الإنتاج والتصنيع، وبخاصة الآلات الثقيلة والتكنولوجية الحديثة، وهذا لا يعني أن الهند تخلو من هذه الأمور، وإنما هي متأخرة عن مستوى الصين...


أما الناحية العسكرية فتبلغ ميزانية الصين العسكرية الرسمية 119 بليون دولار بما يمثل أكثر من ثلاثة أضعاف ميزانية الدفاع في الهند البالغة 38 بليون دولار. وقد حققت الصين تقدّماً مهماً في تحديث قوّاتها المُسَلَّحةِ، فهي تنشئ الآن أرصفتَها الخاصةَ بها (أرصفة صناعة المعدات العسكرية الضخمة كالسفن والدبابات والطائرات المقاتلة) وتُوسّعُ أسطولها، كما تقوم بخطوات نشطة للسَيْطَرَة على منطقتِها. لكن الهند بدأت حديثاً في تطوير قدراتها لتَمويل برنامج تحديث عسكري لا يزال يعاني مِنْ مشاكل عديدة. كما لا تزال الهند أحد أكبر المستوردين للمعدات العسكرية في العالم. وعلى الرغم مِنْ عقدين مِنْ الجُهودِ لتَطوير قدرتها العسكريةِ الداخليةِ فإنها أخفقتْ في تَطوير أرصفة ذات قيمة. قال بيتر دي. ويزيمان، وهو باحث كبير في معهد أبحاث السلام العالمي في ستوكهولم: "لا أعتقد أن هناك بلداً آخر في العالمِ حاولَ جادّاً صنع الأسلحةِ وفَشل كليّاً مثل الهند." (أكبر مستورد أسلحة في العالم، ترغب الهند في الشراء المحلّي، النيويورك تايمز، آذار/مارس 2014).


وهكذا فإن المقارنة بين الصين والهند ترجح كفة الصين مرات ومرات على الهند...


9- والخلاصة أن أمريكا عملت على توجيه الهند نحو الجبهة الشمالية للصراع مع الصين بعدما أمنت لها الجبهة الغربية مع الباكستان التي قدم حكامها الموالون لأمريكا تنازلات كبيرة للهند في فترة حكم حزب بهاراتيا جاناتا الموالي لأمريكا. وعندما عاد حزب المؤتمر إلى الحكم أظهر تراجعا في العمل على هذه الجبهة والتي يطلق عليها خط السيطرة الفعلي بسبب مخاوف لدى الهند من المواجهة مع الصين وتهديد الأخيرة لها، ولكون هذا الحزب يوالي الإنجليز الذين لا يشجعون الهند في السير في مخططات أمريكا. وعندئذ قامت أمريكا بتوجيه الهند إلى ما أطلقت عليه التوجه نحو الشرق أي نحو منطقة المحيط الهادئ وبالتحديد نحو بحر الصين الجنوبي وأغرتها بوجود مصادر الطاقة من نفط وغاز هناك وأن لها الحق في أخذ حصتها منه، وجعلتها تتعاون مع فيتنام التي تدَّعي هي أن لها حقا فيه وتتنازع مع الصين في جزر سبراتلي هناك... وكذلك فإن أمريكا قد دفعت أستراليا إليها لجذبها في محاولة لتشكيل تكتل من عدة دول لمواجهة الصين... وتعمل على أن تعطي دورا أكثر فعالية لليابان لتخفف عنها أعباء الدفاع. وإذا ما نجح حزب بهارتيا جاناتا في الانتخابات التي تجري حاليا ووصل الحكم مرة أخرى فإنه من المحتمل أن يزداد نشاط الهند بجانب أمريكا في منطقة الشرق أي في بحر الصين الجنوبي. أما عن المقارنة بين قوة الصين والهند، فهناك فرق كبير لمصلحة الصين بأضعاف مضاعفة عن قوة الهند... ولولا أن الصين تكتفي بالمحافظة على إقليمها، وتقبل بأن تقتصر مجابهتها لأمريكا كرد فعل على تحركات أمريكا نحو إقليمها، ولا تخرج الصين لتهز أمريكا في مناطقها ومناطق نفوذها... ولولا أنها بدأت تأخذ بالرأسمالية في كثير من المجالات وبخاصة الاقتصادية... لولا ذلك لكان صوتها دولياً أعلى، وتأثيرها في مصالح أمريكا أقوى...

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م