جواب سؤال   تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا
October 02, 2022

جواب سؤال تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا

جواب سؤال

تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا

السؤال:

جاء في موقع فرانس24 بتاريخ 2022/10/01: (أعلن متحدث باسم الجيش الأوكراني دخول قواته إلى بلدة ليمان شرق البلاد (بمنطقة دونيتسك) بعد محاصرة القوات الروسية...)، وكان الرئيس الروسي بوتين قد أمر يوم الأربعاء (بأول تعبئة في بلاده منذ الحرب العالمية الثانية بعد انتكاسة كبيرة في ساحة المعركة بأوكرانيا... يورونيوز 2022/09/21) وقد جاء ذلك بعد هجوم مضاد استعادت أوكرانيا خلاله مناطق واسعة كانت روسيا قد احتلتها: (قال نائب وزير الدفاع الأوكراني اليوم الأحد في تصريحات لفضائية الحرة أن أوكرانيا استعادت 10 آلاف كم مربع كانت روسيا احتلتها في شرق أوكرانيا... وأوضح أن كييف تلقت كثيرا من الدعم من الدول الغربية ونجحنا في هجومنا المضاد في الشرق... البلد، الأحد 2022/09/18).

والسؤال الآن: هل روسيا ضعيفة حقاً من الناحية العسكرية؟ أم أن إمدادات السلاح الغربي قد تضاعفت بشكل كبير؟ وهل ستقلب التعبئة الجزئية لجنود الاحتياط في روسيا الأمور؟ ثم ما دلالة ضم روسيا للمناطق الأوكرانية الأربع مع أن أوكرانيا أعادت في اليوم التالي ليمان وهي جزء منها؟ وهل يمكن تراجع روسيا عن الضم؟

الجواب:

حتى تتم بلورة تلك الحقائق المستجدة وإدراك أبعادها وتداعياتها لا بد في البداية من التأكيد على أن الحروب الكبيرة هي أسرع وأضمن طرق التغيير في موازين القوى الفعلية، هكذا هي عبر التاريخ، وبمتابعة تطورات الحرب في أوكرانيا يتبين:

1- لم تشعل روسيا الحرب في أوكرانيا من باب الدفاع عن الناطقين بالروسية في منطقة الدونباس فحسب وإن كانت تذرعت بها، بل أشعلتها لتعزيز مكانة روسيا الدولية، وكانت على عتبة إشعالها للحرب تطلب ضمانات أمنية من أوروبا وأمريكا وحلف الناتو، وكانت تلك الضمانات تشمل عدم ضم أوكرانيا لحلف الناتو، وهذه الأهداف الروسية والناجمة عما يعتبره الروس ظلماً غربياً بحق روسيا وإجحافاً لمكانتها الدولية بوصفها قوة نووية من الطراز الأول كانت واضحةً في كل التصريحات الصادرة عن موسكو قبيل الحرب، وما يؤكد ذلك أيضاً إصرار موسكو على تلك الضمانات وأن تقدمها أمريكا والغرب بصورة مكتوبة. لذلك، وهذا مهم للغاية فإن أمريكا وتبعتها في ذلك أوروبا قد تعاملت مع الحرب الروسية على أنها تمرد على النظام الدولي وليس مجرد مطالبات أرضية من أوكرانيا أو دفاعاً عن الروس شرقي أوكرانيا، وكان هذا التعاطي الأمريكي والغربي مختلفاً تماماً عن مثيله سنة 2014 عندما ضمت روسيا إليها شبه جزيرة القرم، أي أنه كان على مستوى التعاطي مع دولة كبرى تتمرد على النظام الدولي الغربي الذي تتفرد أمريكا وحدها بقيادته.

2- لذلك كان الرد الأمريكي والأوروبي شديداً ضد روسيا، ولم تتوقعه روسيا التي تشتهر بالغباء السياسي... ففرضت أمريكا وأوروبا عليها عقوبات هي الأقسى عبر التاريخ، وجمدت أموالها بالخارج، وقطعت تلك الدول أواصرها مع روسيا رغم شدة حاجة أوروبا للنفط والغاز من روسيا، وأخذت أوروبا، خاصة ألمانيا تتسلح من جديد وأخذت أمريكا ومعها أوروبا تقدم الدعم العسكري بكثافة لأوكرانيا. وعلى وقع الحرب الروسية في أوكرانيا أظهرت أمريكا قيادتها للغرب بشكل واضح لا لبس فيه بعد أن صارت محل شك إبان حقبة الرئيس السابق ترامب، وسدت الكثير من الثغرات في علاقاتها مع حلفائها، ولأن حقيقة القوة الروسية التي تدفع بموسكو إلى الأمام لم تكن واضحة في بداية الحرب كما هي واضحة اليوم بعد أكثر من نصف عام على دخولها أوكرانيا فإن أمريكا قد أخذت تقدم المساعدات العسكرية لأوكرانيا بالتدريج، وكانت تراقب رد فعل موسكو حيال ذلك، ومع مرور الوقت أخذت الخطوط الروسية الحمراء تتساقط واحداً تلو الآخر ومن ثم أخذت أمريكا ويتبعها حلفاؤها تسقط خطوط روسيا الحمراء، ثم تتجاوزها لما بعدها دون أن تتمكن روسيا من ردعها، وكان إسقاط هذه الخطوط يتمثل بتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا وزيادتها كماً ونوعاً، من الدفاع للهجوم... وهكذا فبعد أن كانت أمريكا لا تشجع أوكرانيا على مهاجمة روسيا في جزيرة القرم صارت تشجعها...

3- بغبائها الاستراتيجي اندفعت روسيا بتهور تحتل الأراضي الأوكرانية، ولشعورها بالاستعلاء على أوكرانيا فقد اندفعت في العمق باتجاه العاصمة كييف، وفشلت في احتلالها وتراجعت إلى الدونباس، لكن هذا التراجع كشف عن ضعف كبير في الجيش الروسي، فلا أظهرت روسيا طائراتها وسيطرت على الأجواء في أوكرانيا ولا استطاعت تقديم الدعم اللوجستي لقواتها المتقدمة، وقد تفاجأت بحجم المقاومة الأوكرانية على عكس ما توقعته استخباراتها، وهكذا انكشف ضعف عسكري خطير في الجيش الروسي أوجد آمالاً كبيرة في واشنطن بهزيمته في أوكرانيا، وتبين أن أحاديث الرئيس الروسي بوتين عن القوة الروسية لم تكن متوافقة مع الأداء الميداني الضعيف لجيشه، وعلى وقع هذا الوهن المنكشف على أرض الواقع عادت السفارات الأجنبية إلى كييف بعد إغلاقها وأصبح المسؤولون الغربيون يتوافدون على العاصمة الأوكرانية تترى...

4- ثم صارت أمريكا تعلن أهداف المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وكان لإعلان هذه الأهداف الأمريكية وقع الصاعقة في موسكو، وقامت أمريكا بجمع المعلومات الاستخباراتية الميدانية عبر الأقمار الصناعية لصالح أوكرانيا وقدمت لها المشورة العسكرية حتى إن رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي قال بأنه يتصل بنظيره الأوكراني سبع مرات في الأسبوع (قناة الجزيرة، أيلول 2022)، وبكل المقاييس فإن معنى ذلك أن أمريكا تعتبر الحرب في أوكرانيا حربها ولكن دون المشاركة المباشرة فيها، وفعلاً تعلن أمريكا بشكل أسبوعي عن تقديم مساعدات عسكرية إضافية لأوكرانيا بمليارات الدولارات. بمعنى أن أمريكا عازمة على هزيمة روسيا في أوكرانيا وشطبها من قائمة الدول الكبرى، وهذا ما باتت تدركه روسيا ولكن بعد فوات الأوان!

5- ومما ينكشف أيضاً من مؤشرات الوهن الاستراتيجي لروسيا أنها استمرت بتوريد النفط والغاز لأوروبا خلال ستة شهور من الحرب مع أن أوروبا تعلن جهاراً نهاراً أنها في طريقها الأكيد للتخلي عن واردات النفط الروسية وكذلك الغاز، أي أنها لم تبادر بقطع النفط والغاز عن دول تعلن عداءها لها صباحاً ومساءً، وهذا يشير إلى شدة حاجة موسكو للمال على الرغم من تبجحها بأن اقتصادها لم يتأثر بالعقوبات الغربية وأن الروبل صامد أمام العقوبات! وإذا كانت روسيا قد قطعت خط إمداد الغاز "نورد ستريم 1" بالكامل مطلع أيلول 2022 قبل التفجيرات إلا أن ذلك قد جاء متأخراً للغاية، وظلت تعلن بأنها مورد موثوق للطاقة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الخطوط الأخرى لتوريد الغاز إلى أوروبا مثل خط "يامال" العابر لبولندا وخطوط "بروجرس" و"سيوز" العابرة لأوكرانيا وخط "ترك ستريم" العابر لتركيا لا تزال تعمل وتغذي أوروبا بالغاز، اللهم باستثناء تلك الفروع التي قطعتها بولندا وأوكرانيا ولم تقطعها روسيا، فحاجة روسيا للمال قد أفقدتها كرامتها على الساحة الدولية، وهذا يتنافى مع جهودها قبيل الحرب لتعزيز مكانتها الدولية...!

6- ثم إن روسيا قد تفاجأت بالمواقف الصينية الأخيرة والتي ظهرت خلال قمة سمرقند لقادة منظمة شنغهاي التي انعقدت منتصف أيلول/سبتمبر 2022، أي بعيد هزائم روسيا في خاركوف، تلك المواقف التي كشف عنها الرئيس الروسي نفسه حين أعرب عن تفهمه لـ"مخاوف الصين وقلقها" من الحرب في أوكرانيا، و(قال بوتين - في أول لقاء مع نظيره الصيني منذ بدء الحرب الروسية في أوكرانيا - إن روسيا تقدر موقف الصين "المتوازن" بشأن الأزمة الأوكرانية. الجزيرة نت، 2022/9/15)، وهكذا تبين لروسيا بأن الصين التي وقعت معها اتفاقية تعاون "لأبعد الحدود" قبيل الحرب في أوكرانيا قد صار موقفها "متوازنا"، أي لا هي مع روسيا ولا هي مع أوكرانيا والغرب، وفعلاً امتنعت الصين عن مجرد ذكر اسم "أوكرانيا" في بياناتها المشتركة مع روسيا في قمة شنغهاي وفي تصريحات رئيسها، بل كانت تلمح لذلك تلميحاً. ولا يشك عاقل بأن أمريكا تبين للصين خطورة قيامها بأي مساندة لروسيا في حربها في أوكرانيا، وهو أمر لا شك بأن الصين تستجيب له خشيةً على تجارتها الدولية... ولذلك فهي لم تؤيد روسيا ضد قرار مجلس الأمن الذي استنكر ضم المناطق الأربع في أوكرانيا، فقد نشرت فرانس 24 في 2022/10/1 ما يلي (استخدمت روسيا الجمعة حق النقض "الفيتو" لمنع تبني مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي يدين إقدامها على ضم أربع مناطق أوكرانية... ومشروع القرار الذي أعدته الولايات المتحدة وألبانيا أيدته عشر دول أعضاء في مقابل امتناع أربع دول عن التصويت هي الصين والهند والبرازيل والغابون...).

7- وفي ضوء كل ما ذكر فإن الهجوم الروسي على أوكرانيا الذي لم ينجح في استسلام أوكرانيا لشروط روسيا يكشف عن ضعف عسكري خطير لروسيا، ويكشف عن دعم عسكري نوعي وكبير من أمريكا والغرب لأوكرانيا، بعضه معلن وبعضه الآخر خفي، ولأن روسيا قد رأت هذه الحقائق الجديدة والتي لم تتوقعها قبل الحرب فقد ذكّر لافروف في 2022/9/12 بأن روسيا لا ترفض المفاوضات مع أوكرانيا (قناة الجزيرة، 2022/9/12) ولكنه يدرك بأن شروط الاستسلام الروسية التي وضعت على طاولة أوكرانيا في أيام الحرب الأولى قد تبخرت، وليس هناك أمل بإعادة تلك الشروط الروسية إلا باستخدام روسيا للأسلحة النووية، وهي ربما آخر أوراق روسيا على الإطلاق، ولكنها تعلم كذلك بأن استخدام الأسلحة النووية سيجر أمريكا للحرب بشكل أو بآخر، وهي تعجز عن تحقيق النصر في حربها مع الجيش الأوكراني الذي يتلقى مساعدات أمريكية فكيف يمكنها تحقيقه إذا شارك الجيش الأمريكي في الحرب، لذلك فإن روسيا بعد الهجوم الأوكراني في وضع "حيص بيص".

8- أدركت روسيا كل تلك المخاطر، وأظهر رئيسها رفضه للهزيمة فـ(أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التعبئة الجزئية للجيش، مشيرا إلى تعرض بلاده لتهديدات نووية. الجزيرة نت، 2022/9/21)، وكذلك (أعلن ممثلو مقاطعات لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزاباروجيا المدعومون من روسيا، عزمهم تنظيم استفتاءات للانضمام إلى روسيا في الفترة من 23 إلى 27 سبتمبر/أيلول الجاري. وكالة الأناضول التركية، 2022/9/21)... وفعلاً تم الاستفتاء وكان الضم... نشرت الجزيرة نت في 2022/9/30 ما يلي: (أعلن الرئيس الروسي بوتين أن مناطق لوغانسك ودونيتسك وزاباروجيا وخيرسون الأوكرانية باتت روسية كما ندد في خطاب مطول بما سماه سيطرة الغرب على النظام العالمي بينما أكد الرئيس الأوكراني زيلينسكي اتخاذ بلاده "خطوة حاسمة" ردا على الإجراء الروسي). ومع ذلك فقد استمر الجيش الأوكراني في الأعمال العسكرية داخل هذه المناطق الأربع... جاء في موقع فرانس24 بتاريخ 2022/10/01: (أعلن متحدث باسم الجيش الأوكراني دخول قواته إلى بلدة ليمان شرق البلاد بعد محاصرة القوات الروسية حول معقل شديد الأهمية لموسكو فيما أكدت روسيا أن آلافا انسحبوا من البلدة وسط استمرار القتال ويأتي ذلك فيما تواصل موسكو التصعيد سياسيا بعد أن صادق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجمعة على ضم أربع مناطق أوكرانية... وكتبت وزارة الدفاع الأوكرانية على تويتر (قوات الهجوم الجوي الأوكرانية تدخل ليمان بمنطقة دونيتسك) وقبل ذلك بقليل قال الجيش الأوكراني إنه يحاصر آلافاً من الجنود الروس في هذه البلدة الواقعة في منطقة دونيتسك التي ضمتها روسيا الجمعة).

9- وبتدقيق النظر في هذه المواقف الروسية بعد كل ما حدث يتبين ما يلي:

أ- كما هي عقلية الروس عبر التاريخ فإن روسيا تنظر إلى المكاسب الأرضية وتريد الحفاظ عليها بأي ثمن، لذلك تقوم بإجراء استفتاءات في المناطق التي سيطرت عليها كلياً أو جزئياً لضمها إلى روسيا، وجعل ذلك أمراً واقعاً. بمعنى أن روسيا تريد أن تقول بأن هذه المناطق الجديدة (لوغانسك ودونيتسك وزاباروجيا وخيرسون) قد أصبحت أراضي روسية وأن الهجوم عليها هجوم على روسيا، وأن هذا قد يقتضي الدفاع عنها باستخدام أسلحة نووية بحسب مقتضيات ما تسميه روسيا "عقيدتها العسكرية-النووية"، أي أنها تريد إرهاب أمريكا والدول الأوروبية بخطورة دعم الجيش الأوكراني بمهاجمة أراضٍ روسية وترهيب الجيش الأوكراني نفسه. إن هذا كله يدل على ضعف الجيش الروسي وأنه يلجأ إلى التلويح بالأسلحة النووية بعد عجزه عن النصر في أوكرانيا رغم ما يشبه الاتفاق الدولي على تحريم استخدامها في الحروب...

ب- إن إعلان التعبئة العامة جزئياً لتجنيد 300 ألف جندي من الاحتياط، وقد يتم تجنيد رقم أكبر بكثير، كل ذلك يدل بشكل غير مباشر على ضعف الجيش الروسي وأنه عاجز عن تحقيق أهداف روسيا في أوكرانيا وأن ثقل الخسائر البشرية التي لحقت به جعلته بحاجة للاحتياط، ومع ذلك لا تزال روسيا تتبجح بأنها لا تخوض حرباً وإنما عملية عسكرية خاصة.

10- إن الراجح هو أن الحرب في أوكرانيا قد دخلت طوراً تصعيدياً تكتنفه خطورة كبيرة، فإذا ما أرادت روسيا أن ترد الاعتبار لنفسها فإنها ستقوم بحرق الأخضر واليابس في أوكرانيا في قادم الأيام، هذا إذا كانت تمتلك القدرة والإرادة لفعل ذلك، والكثير من المؤشرات تدل على تناقص قدرتها ووهن إرادتها، فروسيا قد أدركت بعد فوات الأوان أنها بشكل أو بآخر في مواجهة أمريكا والدول الأوروبية على الساحة الأوكرانية، وإذا كانت الدول الأوروبية تبقي فتحة صغيرة من بابها مواربةً لروسيا، بعكس أمريكا التي أدارت لروسيا ظهر المجن، فإن خطط أوروبا للتخلي عن النفط الروسي نهاية هذا العام وبعده الغاز، كل ذلك يجعل من دول أوروبا أكثر شراسة في التصدي لروسيا، وهذا ظاهر من تصاعد نبرة الألمان ضد روسيا وتصاعد تسلح ألمانيا. فروسيا أرادت من استفتاءات المناطق الأوكرانية للانضمام إلى روسيا أن تجعل المكاسب الروسية في هذه المناطق أمراً واقعاً يسلم بها الجميع، وأبقت على غموض استخدام الأسلحة النووية للدفاع عن هذه المناطق، ولكن الغرب رفض هذه الاستفتاءات وأعلن بأنه مستمر في دعم أوكرانيا عسكرياً، بل وقدم منظومات دفاع جوي أكثر تطوراً لأوكرانيا، وهنا زاد المأزق الروسي تعقيداً.

11- أما موضوع إعلان التعبئة، فوفق خبراء عسكريين فإن مسألة التعبئة وجلب جنود الاحتياط غير المدربين لن يفيد الجيش الروسي كثيراً، فمسألة ضعف الجيش الروسي أعمق بكثير من أن يجبرها زيادة في العديد، فهي مشكلة قيادة ومشكلة معدات غير متوفرة اليوم في روسيا، وعلى الرغم من أن روسيا تشغل مصانعها العسكرية ومصانع الإنتاج المزدوج لصالح الجيش بأقصى طاقة وكأنها في حرب عالمية إلا أن ذلك لن يكون حاسماً لأن أمريكا ودول أوروبا تقوم بتزويد أوكرانيا بما يلزم جيشها أيضاً، وإذا ما استمرت الخسائر الثقيلة للجيش الروسي في أوكرانيا فإن ضغطاً كبيراً سيتعرض له الكرملين من داخل روسيا لوقف الحرب. وسيزيد من هذا الضغط ما حصل من تفجيرات لخطوط نورد ستريم الروسية في بحر البلطيق وما ينتج عنها من انقطاع آمال أوروبا بالغاز الطبيعي الروسي الرخيص، وكل هذا يجعل روسيا في مواجهة عداء أوروبي أكبر يتمثل في زيادة دعم الجيش الأوكراني وضعف الأصوات الأوروبية المنادية بالتصالح مع روسيا للحصول على الغاز الرخيص. هذا بالإضافة إلى تراجع المواقف الصينية ومن ثم يزداد شعور روسيا بأنها وحدها في ميدان المواجهة مع أمريكا والغرب، بمعنى أن الصين تخلت عنها بشكل كبير، وهذا كله يثير انتقادات داخلية واسعة لقادة الكرملين بأن حساباتهم كانت خاطئة، أي تحميلهم الورطة الروسية الجديدة.

12- وأما التهديدات النووية الروسية، فهي أولاً تفتقد الإرادة الفعلية إذ لم تلاحظ الاستخبارات الغربية أي تحركات جديدة لقوات روسيا النووية ما يزيد اعتقاد الغرب بأن تهديدات بوتين هذه أقرب إلى التخويف منها إلى الاستخدام الفعلي للأسلحة النووية. ولأن أمريكا والدول الأوروبية لم تظهر رعبها من أسلحة روسيا النووية رغم أنها قالت بأنها تأخذ هذه التهديدات على محمل الجد، لا سيما وأن المقصود هو غالباً الساحة الأوكرانية وليس الغرب نفسه، ورغم أن أمريكا أعلنت بأنها سترد على أي استخدام روسي للأسلحة النووية في أوكرانيا، حتى لو ردت بأسلحة تقليدية لمنع حرب نووية بين روسيا وأمريكا، فإن كل ذلك قد يفقد روسيا القوة الرادعة لآخر سلاح تمتلكه وقد يجر على سلاحها هذا الويلات في تسويات ما بعد الحرب.

13- أما عن تراجع روسيا عن الضم كما ورد في السؤال فهو يعني حذف روسيا من الموقف الدولي وانتهاء تأثيرها فيه وهذا أمر ثقيل على القيادة الروسية، ولذلك فإن المتوقع أن تقف روسيا عند هذه المناطق الأربع، أي عند حدود الأقاليم التي أجرت فيها استفتاءات الضم، وربما تزيد عن ذلك قليلاً بمحاولة استعادة المناطق التي خسرتها في خاركوف، فيظهر الرئيس الروسي "قوياً" أمام شعبه وقد جلب مكاسب أرضية جديدة لروسيا بعد جلبه لجزيرة القرم سنة 2014، وهذا لو تحقق فإنه هدف صغير لدولة كانت تظهر بمظهر الدول العظمى التي تهدد بابتلاع أوكرانيا بكاملها في غضون فترة وجيزة. لكن على الجانب المقابل فإن أمريكا والدول الغربية تقوم بتشجيع أوكرانيا ودعم جيشها لتحرير هذه المناطق التي احتلتها روسيا، وبين زيادة الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا وبين تعبئة روسيا لجنود الاحتياط فإن ساحة الحرب في أوكرانيا ستشهد على الأرجح معارك طاحنة، وأنها ستدوم لفترة أطول، وفيما تضعف ضمانة روسيا بكسب الحرب إلا باستخدام الأسلحة النووية فإن الحرب في أوكرانيا تبقى مفتوحة على مزيد من المخاطر الدولية... وإذا كان وزير الخارجية الروسي لافروف يذكّر بأن روسيا لا ترفض المفاوضات، فإن أمريكا ومعها بريطانيا خاصة تظهران عزماً على جعل أوكرانيا الساحة التي يتم فيها شطب روسيا من قائمة الدول الكبرى. وبين صراع الإرادات هذا فإن ساحة أوكرانيا تبقى حبلى بالمفاجآت التي يمكن أن تقلب الأمور رأساً على عقب.

14- وأخيرا فإن الدول الكبرى في عالم اليوم تتصارع فيما بينها لتحقيق أطماعها الوحشية دون أن تعبأ بأية قيم إنسانية أو خلقية، فالظلم عندها ينقلب عدلا إن كان يحقق لها ما تريد حتى وإن كان ضاراً بالآخرين، حتى وإن كان شراً كله. لقد أكثرت هذه الدول في الأرض الفساد، ولن يصلح العالم إلا بزوالها، ومن ثم تعود الخلافة على منهاج النبوة بعمل العاملين وعون رب العالمين ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

السادس من ربيع الأول 1444هـ

2022/10/2م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م