جواب سؤال: تسريبات وثائق بنما والدوافع من ورائها!
May 05, 2016

جواب سؤال: تسريبات وثائق بنما والدوافع من ورائها!

 جواب سؤال

تسريبات وثائق بنما والدوافع من ورائها!

السؤال: لا زالت تسريبات وثائق بنما مدار حديث عند الإعلاميين والسياسيين وبخاصة الذين وردت أسماؤهم في الوثائق... وقد اطلعتُ على مقال في جريدة الراية في العدد "73" وخلاصته أن أمريكا هي وراء تلك التسريبات... وسؤالي هو: هل صحيح أن أمريكا هي وراء تلك التسريبات؟ ثم إن ما كتب عن التسريبات يتضمن أنها لضرب الملاذات الضريبية وهذا يعني أن هناك ناحية اقتصادية ولكني لم أجدها في المقال، فما مدى الغرض الاقتصادي في هذه التسريبات؟ وبعبارة أخرى هل الدافع لهذه التسريبات هو دافع سياسي كما جاء في المقال أو أن هناك دافعاً اقتصادياً كذلك؟ أرجو توضيح هذا الأمر، ولك الشكر.


الجواب: أما ما ورد في المقال من أن أمريكا هي وراء هذه التسريبات، فهذا صحيح، وأما السؤال عن وجود دافع اقتصادي وراء التسريبات بالإضافة إلى الدافع السياسي الذي ورد في المقال، فنعم هناك دافع اقتصادي، ولكن المقال ركز الكلام على الناحية السياسية في هذه التسريبات، ولم يتوسع في النواحي الأخرى... على كل، سنلقي مزيداً من الضوء على موضوع التسريبات ونتناول فيه بإذن الله الدوافع السياسية والاقتصادية لتتضح الصورة من جميع جوانبها، والله ولي التوفيق:


أولاً: واقع المسألة:


1- مع بداية نيسان 2016 اشتعلت الصحافة العالمية بأخبار ثروة وفساد سياسيين من الوزن الثقيل عبر العالم كشفت عنها صحيفة "سودويتشه تسيتونغ Süddeutsche Zeitung " الألمانية بعد أن تسربت إليها 11.5 مليون وثيقة تغطي الأعمال اليومية لشركة "موساك فونسيكا Mossack Fonseca" منذ تأسيسها في بنما عام 1977. ومن الجدير بالذكر أن هذا التسريب للصحيفة الألمانية قد حصل قبل عام من مصدر سمته الصحيفة بالمجهول، ووصفه أحد مؤسسي الشركة رامون فونسيكا بأنه الجرم الوحيد في هذه الوثائق غير المخالفة للقانون والمتمثل في عملية قرصنة الحواسيب نفسها. وأما تحليل المعلومات الواردة في هذا الكم الهائل من الوثائق فقد أوكلته الصحيفة الألمانية للاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين الذي أشرك معه 370 صحفياً حول العالم في عملية تحليل المعلومات على مدار عام قبل أن تخرج وثائق بنما بصورتها المدوية... هذا مع أن ما نشر لا يتجاوز 149 وثيقة! من أصل 11.5 مليون (قناة الغد العربي 2016/04/04م)، وهي تكشف الصفقات المالية التي تمت في مناطق الملاذات الضريبية لرؤساء دول حاليين وسابقين وشخصيات سياسية ورجال أعمال... لقد أثارت التسريبات ضجة عالمية حتى وصف المحللون "وثائق بنما" بأنها أضخم تحقيق صحفي وتسريب في تاريخ البشرية، وأخطر بدرجات وبمراحل كبيرة من تسريبات ويكليكس الشهيرة.


وكشف الاتحاد من جانبه "أن الوثائق حصلت عليها أولا صحيفة (زود دويتشه تسيتونغ) الألمانية قبل أن يتولى الاتحاد نفسه توزيعها على 370 صحفيا من أكثر من 70 بلدا من أجل التحقيق فيها، في عمل مضن استمر نحو عام كامل". الجزيرة 2016/04/04م. ولكن الصحيفة الألمانية تقول إنها "تلقت تلك المعلومات عبر قناة سرية من مصدر مجهول دون مقابل مالي نظير تلك الخدمة مكتفيا بطلب توفير إجراءات أمنية غير محددة..." المصدر نفسه. وتحتوي الوثائق على بيانات لأكثر من 214 ألف شركة في ما وراء البحار في أكثر من مئتي دولة في العالم. وأضاف الاتحاد أن "الوثائق أظهرت تورط عدد كبير من الشخصيات العالمية بينها 12 رئيس دولة و143 سياسياً في أعمال غير قانونية مثل التهرب الضريبي وتبييض الأموال عبر شركات عابرة للحدود" (الجزيرة 2016/04/04م). وأكد رامون فونسيكا أحد مؤسسي الشركة صحة الوثائق التي ورد ذكرها في التحقيقات التي نشرتها مئات الصحف، غير أنه "نفى ارتكاب شركته أية مخالفة"، واعترف "بحدوث اختراق ناجح لكنه محدود لقاعدة بيانات الشركة" المصدر نفسه. وأكد الصحفيان في صحيفة زود دويتشه تسيتونغ الألمانية اللذان حصلا على الوثائق "بالكاد وصلنا إلى نصف التسريبات المتوفرة وفي الأيام المقبلة سننشر مواضيع تعني الكثير من الدول وستتصدر العناوين"! قناة الجزيرة الفضائية 2016/04/08م.


2- كانت الارتدادات المصاحبة لهذا الزلزال الصحفي كبيرة فقد استقال رئيس وزراء آيسلندا، ووقف كاميرون رئيس وزراء بريطانيا موقفاً محرجاً، ورد الرئيس الروسي بوتين بعصبية، وفتحت دول كثيرة حول العالم تحقيقات مع مسؤولين فيها حول تلك الفضائح المالية الكبرى، وذكرت الصحيفة الألمانية واتحاد الصحفيين الاستقصائيين بأن الموجة التالية من هذه الوثائق ستكون أشد وقعاً. ومع كل هذا الزخم السياسي الكبير إلا أن حجم الأموال الخيالي المتداول بصورة سرية في شركات "الأفشور offshore " العابرة للحدود ربما يوحي بأن الأهداف الاقتصادية من وراء هذه التسريبات لا تقل أهمية عن أهدافها السياسية، فشركة "موساك-فونسيكا" هي واحدة من الشركات الرئيسية التي تقدم خدمات قانونية عبر العالم لإنشاء شركات الأفشور وإدارة ثروات هائلة لمسؤولين لا يرغبون بالإفصاح عن هويتهم أثناء التعاملات المالية عبر دفنها في مخابئ بنكية بعيدة عن الأنظار تسمى "ملاذات ضريبية"، وكذلك الأمر بالنسبة للشركات الحقيقية التي ترغب بهذه التسهيلات القانونية التي تقدمها شركات أمثال موساك فونسيكا فتكون وكأنها تعمل بين حدود الدول "المنطقة الحرة" دون الدخول إلى أي نطاق ضريبي داخل الدول اللهم باستثناء المبلغ المقطوع المتفق عليه مع بلد "الملاذ الضريبي" عند تأسيس شركة الأفشور، ووثائق بنما هي مراسلات لـ 214 ألف شركة أوفشور أسستها شركة موساك-فونسيكا كملاذات ضريبية متعددة. لذلك فإن الحكم على وثائق بنما سيتم ببعديه السياسي والاقتصادي...


ثانياً: البعد السياسي للتسريبات:


إن تسريبات خطرة لثروات وأملاك مسؤولين في عشرات الدول يستحيل أن يكون عملاً عفوياً، ولأن هذه التسريبات تطال الكبار كرئيس روسيا فهي ليست من أعمال الدول الصغيرة. ومن تتبع خيوط هذه التسريبات وتصريحات السياسيين بخصوصها يتبين أن أمريكا هي التي تقف وراء هذا العمل، وذلك على النحو التالي:


1- صحيفة "سودويتشه تسيتونغ" الألمانية وهي التي نقل إليها المصدر المجهول تلك الوثائق هي مختصة بالشؤون الأمنية وكثيراً ما يسرب إليها جهاز الاستخبارات الألماني المعلومات التي يريد أن ينشرها، فهي أول من كشف سنة 2010 أن غرفة عمليات الموساد في اغتيال المبحوح في دبي كانت في النمسا، وهي التي نشرت تسريبات من تقرير جهاز المخابرات الألماني الداخلي أن وكالة الاستخبارات الوطنية الألمانية تجسست على دول أوروبية لسنوات عدة بالنيابة عن وكالة الأمن القومي الأمريكي (بي بي سي 2015/04/30م) وأدت هذه الفضيحة إلى إحراج المستشارة ميركل أمام الدول الأوروبية، وأكدت الصحيفة أن أهداف التجسس الألماني لصالح أمريكا شملت قصر الرئاسة ووزارة الخارجية الفرنسيتين والمفوضية الأوروبية بالإضافة إلى أهداف صناعية واقتصادية في أوروبا. ومن الجدير بالذكر أن هذا الكشف كان لتخفيف التوتر في ألمانيا والناشئ عن تسريبات العميل سنودن بأن أمريكا تتجسس بشكل واسع النطاق في ألمانيا ويشمل ذلك هاتف المستشارة ميركل. أي أن ذلك كان لأغراض أمريكية لإطفاء التوتر في ألمانيا على اعتبار أن هناك تجسساً من ألمانيا كذلك! وواضح أن هذه الأهداف الأمريكية قد تم تحقيقها عبر جهاز المخابرات الألمانية بواسطة صحيفة "سود دويتشه تسيتونغ"، أي أن الخيوط الأمنية الأمريكية على صلة بهذه الصحيفة عبر أحداث سابقة لوثائق بنما. وكانت صحيفة زود دويتشه تسايتونغ أول صحيفة حصلت على ترخيص من الإدارة العسكرية الأمريكية في بافاريا، في 6 تشرين الأول/أكتوبر 1945، بعد خمسة أشهر من نهاية الحرب العالمية الثانية في ألمانيا، [Wikipedia] وأن رئيس الصحيفة هانس لينديكير وهو أحد الصحافيين الألمان المعروفين، قد كان عميل وكالة المخابرات المركزية منذ وقت طويل جداً. [http://whitetv.se/ 2016/04/03].


وكان "بيركنفيلد"، وهو مواطن أمريكي كان قد كشف أسرار المصارف السويسرية إلى السلطات الأمريكية، قال عن تسريبات بنما: "إذا كانت وكالة الأمن القومي، ووكالة الاستخبارات المركزية، تتجسس على الحكومات الأجنبية، ألا يمكنها التجسس على مكتب محاماة من هذا القبيل؟! إنهم يقدمون المعلومات بشكل انتقائي إلى الرأي العام، وهو ما لا يؤذي الولايات المتحدة بأي شكل من الأشكال... هناك أمر شرير وراء هذه التسريبات"

(http://www.cnbc.com/2016/04/12/swiss-banker-whistleblower-cia-behind-panama-papers.html).


وقد ذكر موقع ويكيليكس في تغريدة على حسابه في "تويتر" بأن تسريب وثائق شركة "Mossack Fonseca" جاء بتمويل مباشر من الحكومة الأمريكية والملياردير الأمريكي جورج سوروس (الوفد 2016/04/09)... ثم إن الألماني الأصل مورغن موساك وهو المؤسس الأول لشركة "موساك- فونسيكا" تحوم حوله شبهات الارتباط بـ C.I.A الأمريكية... وبحسب "ملفات سابقة للاستخبارات "فإن موساك عرض التجسس لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي ايه"" (موقع إيلاف المصري 2016/04/04). وقد رفض موساك التعليق على فضيحة الوثائق (موقع إيلاف 2016/04/08) والتعليقات التي تُسمع من الشركة هي من شريكه فونسيكا وهو مستشار رئيس بنما... وللعلم فإن شركة موساك لها سابقة في التعامل مع الاستخبارات الأمريكية فقد كانت هذه الشركة طريق عملاء "سي آي ايه" فيما عرف بفضيحة إيران – كونترا في الثمانينات (روسيا اليوم 2016/04/12).


2- انتقلت هذه الوثائق من الصحيفة الألمانية إلى الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين ومقره واشنطن قبل عام، وهناك أي في واشنطن تم ضبط عمليات التحليل لبيانات وثائق بنما التي تقارب 11.5 مليون وثيقة، واستمر على مدار عام! وهي عملية مكلفة وقد عمل بها 370 صحفياً... (والاتحاد الدولي معروف بأعمال ليست على سواء فهو الذي نشر سنة 2013 ما مقداره 2.5 مليون من الملفات المعلوماتية المسروقة من 120000 شركة أوفشور، ثم هو أيضاً من كشف عام 2014 عن العقود الموقعة بين شركات متعددة الجنسية ولوكسمبورغ، للاستفادة من امتيازات ضريبية. وهو أيضا الذي كشف عام 2015 عن حسابات المصرف البريطاني إتش إس بي سي، في سويسرا. كما أن الاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين، تموله، بلا أدنى شك، منظمات عدة مرتبطة بوكالة الاستخبارات المركزية، كمؤسسة فورد، ومؤسسات جورج سوروس... شبكة فولتير2016/04/08).


3- هناك كثير من المحللين والمراقبين الغربيين والشرقيين يرون أن أمريكا تقف وراء فضيحة أوراق بنما، ودليلهم على ذلك غياب أسماء الأمريكيين وشركاتهم من أوراق بنما، لقد لاحظوا أن هناك وثائق قليلة نسبيا عن سياسيين ورجال أعمال أمريكيين ومؤسسات أمريكية. كما أن مجموعة صحف McClatchy، هي المؤسسة الإخبارية الأمريكية الوحيدة التي شاركت في تحليل الوثائق، ولم تشارك أي من الصحف الرئيسية والكبيرة أو المؤسسات الإعلامية الأمريكية. لقد وجدت تلك الصحف التي شاركت في تحليل الوثائق فقط أربعة أمريكيين في الوثائق، وقد كانوا جميعاً قد اتهموا أو أدينوا من قبل بجرائم مالية كالاحتيال والتهرّب من الضّريبة أي أن الأربعة كانوا من المجرمين المعروفين من قبل! وقد أكدت هذه الملاحظة صحيفة "فان مينوت"، الفرنسية حيث أشارت ("إلى أن عدم ذكر الولايات المتحدة في وثائق بنما غذَّت الشكوك لدى الجميع بأن المخابرات الأمريكية هي من تقف وراء تسريب وثائق بنما من أجل زعزعة الاستقرار في بعض الدول وخاصة روسيا. وتابعت الصحيفة أنه من الصين إلى روسيا مروراً بالمملكة البريطانية، فإن الكشف عن وثائق بنما أوضح تورط العديد من المسئولين البارزين حول العالم دون أن تشير حتى الآن إلى اللاعب الرئيسي في التمويل العالمي وهي الولايات المتحدة الأمريكية. واختتمت الصحيفة قائلة إنه "على الرغم من التبريرات التي تقدمها الولايات المتحدة حول عدم علاقتها بهذه التسريبات، إلا أن كل الشكوك تحوم حولها في ظل انتهاجها لسياسة قديمة تقوم على الكشف عن تسريبات قذرة من أجل التأثير على الخصم وإحداث حالة من القلق وعدم الاستقرار على مستوى العالم في وقت تحدده هي وفقاً لمجريات الأمور بما يخدم مصالحها". أخبار اليوم الجزائرية 2016/04/09م).


4- شملت هذه التسريبات شخصيات سياسية يهم أمريكا إزعاجها وإضعافها وكشف فسادها! وأبرزها:


أ- بوتين، فقد كانت الموجة الأولى من التسريبات تركز على رجال بوتين، وهذا يعتبر جزءاً من كلٍّ في السياسة الأمريكية التي تثير المشاكل لروسيا في القفقاز وآسيا الوسطى وأوكرانيا ولم يكن آخرها إبعاد روسيا عن المشاركة في إعداد القمة النووية الأخيرة في واشنطن. وكان رد الكرملين مباشراً حين اتهم الناطق باسمه بيسكوف واشنطن بالوقوف وراء هذه التسريبات قائلا ("إن معظم العاملين في الاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين ليسوا صحفيين، بل منهم العديد من الموظفين الحاليين والسابقين في وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية وهيئات الاستخبارات الأمريكية الأخرى. وشدد قائلا: "إننا نعرف من يمول هذه المؤسسة" روسيا اليوم 2016/04/04)... وقال بوتين، في إطار أسئلة وأجوبة مع الروس عبر التلفزيون عن وثائق بنما: ("مهما كانت غرابة الأمر، فإن هذه المعلومات ذات مصداقية. لكن لدينا انطباع أنها لا تأتي من صحفيين بل من رجال قانون". وتساءل بوتين: "من يمارس هذه الاستفزازات؟ نحن نعرف أنهم موظفون في منظمات رسمية أمريكية". وأكد أن الصحيفة الألمانية «سودويتشي تسايتونج»، التي كشفت الفضيحة "هي ملك مجموعة إعلامية تعود إلى المؤسسة الأمريكية المالية جولدمان ساكس" وتوقع مزيداً من هذه الاستفزازات مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية الروسية في أيلول/سبتمبر) الشروق:2016/04/14م.


ب- التسريبات شملت كذلك رئيس الوزراء البريطاني نفسه، والذي ظهر مرتبكاً في التعامل مع هذه المسألة، وفعلاً انخفضت شعبيته 8 نقاط خلال أسبوع من التسريبات على الرغم من كشفه بياناته الضريبية وأن المسألة المتعلقة به في الوثائق هي فقط بحجم 30 ألف جنيه إسترليني! ولكن هذا التوقيت حرج لرئيس وزراء بريطانيا الذي يريد أن يلقي بثقله لدفع البريطانيين على التصويت لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. (وواجه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون تساؤلات وانتقادات ومطالبات بكشف إقراراته الضريبية بعد ورود اسم والده في وثائق بنما... وأظهرت الوثائق أن والد كاميرون آيان كان أحد عملاء شركة الخدمات القانونية موساك فونسيكا واستعمل تدابير سرية على الرغم من قانونيتها للاستثمار في شركة غير مقيمة في بريطانيا... وأكد كاميرون في مقابلة أجراها مع قناة "إي تي في" الإخبارية البريطانية أنه سدد جميع الضرائب المستحقة على الفوائد التي جناها جراء بيع تلك الأسهم، مشيراً إلى أن الهدف من إنشاء والده لتلك الشركة لم يكن التجنب الضريبي. عربي 21: 2016/04/16م).


ج- شملت التسريبات كذلك الصين، فقد كشفت الوثائق عن ("ثماني حالات على الأقل تتعلق بأفراد ينتمون لعائلات أعضاء المكتب السياسي ممن تعاملوا مع مكتب محاماة موساك فونسيكا. وكذلك تشمل أفراداً من عائلة الرئيس جينبنغ Jinping، منهم صهرهDeng Jiagui " واشنطن بوست 2016/04/04) ولا شك أن هذا يساهم في إرباك الرئيس الصيني ويؤثر إلى حد ما في تحركات الصين السياسية حتى وإن كان النظام الشيوعي في الصين لا يعبأ كثيراً بذلك...!


د- كما أن هذه التسريبات قد شملت عدداً من حكام المسلمين حاليين وسابقين... لكن ليس لها دلالة لأمرين: الأول أنهم عملاء لأمريكا وبريطانيا، فقد شملت عملاء لأمريكا كأبناء مخلوف حول الأسد في سوريا، والملك سلمان في السعودية وأبناء المخلوع مبارك في مصر وغيرهم كثير، وكذلك عملاء بريطانيا كأمراء قطر والإمارات ويلحق بهم رئيس وزراء الأردن السابق أبو الراغب، وآخرين غيرهم، والثاني أن رائحة هؤلاء الحكام قد أزكمت الأنوف ولا تزيد تسريبات هذه الوثائق تلك الرائحة شيئاً يلفت النظر ولا يعبأون بها... فإذا كانت التسريبات قد أطاحت برئيس وزراء آيسلندا فإنها لا تلاقي اهتماماً بمستوى تهديد عروش هؤلاء الحكام، فحال هؤلاء الحكام غارق في الفساد، وهذه الوثائق لا تمثل إلا إضافة يسيرة لحالهم، ومن المحتمل أن التسريبات بشأنهم كانت للتمويه بالنسبة للمدبر الحقيقي لهذه التسريبات فيقول قائل: المدبر هو أمريكا فهي تكشف عملاء بريطانيا... ويقول آخر: بل بريطانيا فهي تكشف عملاء أمريكا!! وواضح أن هذا الاستدلال لا تقوم به حجة ذات شأن...


وهكذا فإن تدبر البعد السياسي يدل على أن أمريكا هي وراء تلك التسريبات.

ثالثاً: البعد الاقتصادي للتسريبات:


إن أمريكا أرادت بهذه التسريبات من الناحية الاقتصادية تحقيق أمرين أساسيين، وهما: القضاء على التهرب الضريبي وخاصة للشركات الأمريكية ذات الأموال الهائلة حيث الضرائب على أموالها تنقذ الوضع المالي الأمريكي المأزوم... والثاني كشف "فضح" الملاذات الضريبية وخاصة البريطانية لعمل هزة في الاقتصاد البريطاني وجذب الرساميل في تلك الملاذات لإنعاش الاقتصاد الأمريكي... وبيان ذلك على النحو التالي:


1- أدت سياسة العولمة التي اتبعتها أمريكا إبان حكم الرئيس كلينتون إلى خروج الكثير من الرساميل الأمريكية خارج الحدود، وكانت أمريكا تريد كسر الحواجز للدول واستعمارها اقتصادياً، وكانت صناديق المال الأمريكي تبحث عن فرائسها في البورصات الضعيفة وكانت الصناعات الأمريكية كذلك تبحث عن الأيدي العاملة الرخيصة. لقد نجحت أمريكا في السيطرة المالية عبر العولمة، ولكن من وجه آخر فقد وجد الرأسماليون الأمريكان أيضاً ضالتهم في التملص من الضرائب الأمريكية الثقيلة ولم يودوا العودة إلى حدود نظام بلادهم الضريبي. ومن أجل إكمال نظام العولمة وتسهيل حركة الرساميل تم استحداث نوع جديد من الشركات العابرة للحدود المسماة "أوفشور" والتي تسجل في بلد، وتنشط في بلد آخر، وتودع أموالها في بلد ثالث، وقد تديرها شركة أخرى من بلد رابع وغالباً ما تسمي هذه "الأوفشور" ممثلين عنها مثل شركة "موساك-فونسيكا" أو أشخاص آخرين غير مالكيها الحقيقيين. لقد أدت هذه العمليات غير المخالفة للقوانين عندهم إلى تمويه المالك الحقيقي لرأس المال، وأصبح هؤلاء الرأسماليون الأمريكان في وضع يمكنهم من التملص الكبير من ضرائب بلادهم بما تمكنهم هذه الشركات الوهمية من إخفاء الأسماء والمالكين الأصليين، وبما أنها مسجلة في بلدان وجزر ذات نظام ضريبي ضعيف، بل إن معظم شركات الأوفشور تدفع مبالغ مقطوعة سنوياً للبلد الذي استضافها عند التأسيس "بلدان الملاذات الضريبية" فإن هذه الرساميل قد أصبحت تعمل وتربح دون أن تدفع ضرائب فعلية وذات قيمة.


2- هذا من ناحية التهرب الضريبي، وأما من زاوية الفساد لا سيما بالنسبة لسياسيين من أصحاب رؤوس الأموال الهائلة فقد كانت بنوك سويسرا مخبأً لتلك الثروات الهائلة القذرة، لكن مع الانفتاح العالمي وفق العولمة وبروز نظام شركات الأوفشور فقد انفتحت آفاق جديدة لهؤلاء السياسيين لدفن ثرواتهم الباطلة. وأمام ذلك سارعت بريطانيا إلى تخفيف الأنظمة الضريبية للكثير من الجزر الخاضعة للتاج البريطاني في الكاريبي مثل جزر العذراء، وجيرسي، وجيرنسي، وجزر مان، وكذلك فعلت مع بعض البلدان التابعة لها كقبرص ودبي وجزيرة ستشل في المحيط الهندي، وبذلك أصبحت هذه الجزر الصغيرة ملاذات ضريبية كبيرة تستضيف رساميل فلكية من ثروات المسؤولين الفاسدين ومن شركات التجارة الحقيقية الهاربة من ضرائب بلدانها. وما فعلته بريطانيا فعلته كذلك أمريكا في بعض ولاياتها كولاية وايومنغ، وديلاوير، ونيفادا وفي بعض البلدان الخاضعة لها كبنما. ومن الجدير ذكره أن هذه العمليات الخدماتية والمالية التي تقوم بها شركة موساك-فونسيكا ومثيلاتها هي عمليات قانونية عندهم ولكن بابها مفتوح للتهرب الضريبي وإخفاء الثروة. وإذا كانت شركات التهرب الضريبي يقوم أصحابها بعمليات تجارية فعلية في البورصات وغير ذلك، إلا أن أموال المسؤولين الفاسدين لا يقوم أصحابها بأعمال فعلية ويستخدمون نظام شركات الأوفشور كطريقة لتخبئة ودفن تلك الكنوز في الجزر المخفية. ومن أجل ذلك فهم أو ممثلوهم يوكلون الشركات القانونية مثل موساك-فونسيكا بإدارة ثرواتهم، وهكذا تمكنت هذه الشركات من تأسيس صناديق مالية برساميل ضخمة تعبر عن حجم الثروة الهائلة المتجمعة عبر الفساد الحكومي في كثير من الدول، وتستخدم هذه الصناديق المالية لغزو البورصات الضعيفة لنهبها وبتسهيل من المسؤولين في ذلك البلد "أصحاب المال المودع" وعبر شبكة فساد ودفع رشىً كبيرة لتسهيل عملها في ذلك البلد لمصِّ أموال الناس وجرفها ثم الهروب والعودة إلى تلك الجزر التي لا يكاد يعلم بها أحد من الناس الذين يفقدون أموالهم...!


3- وبعد أن خاضت أمريكا حروبها المكلفة في العراق وأفغانستان فإنها قد أصبحت في حاجة أشد للمال، وبخاصة عندما انفجرت الأزمة المالية الاقتصادية العالمية في 2008 وما تلاها من حرب اقتصادية شرسة بين أمريكا وأوروبا، واعتمدت كل من أوروبا وأمريكا سياسة حماية أسواقهما. ثم جاء دور معارك قطاع البنوك ومعارك العملة، والتي لا تزال مستمرة بلا هوادة لغاية اليوم. والبنوك الأوروبية الشهيرة، مثل (باركليز) و(كريدي سويس) و(دويتشه بنك) و(ستاندرد تشارترد)... الخ، تعرضت للعقوبات الشديدة من قبل (المؤسسة الأمريكية لمراقبة البنوك (Bank US regulators، والآن تحول الاهتمام من هذه الحرب الاقتصادية نحو التهرب من دفع الضرائب، بقصد فضح الملاذات الضريبية، وجلب الأموال إلى النظام المصرفي الأمريكي. ومن نواحٍ كثيرة، فإن هذه الحرب لم تنتهِ بعد، وهو ما جعل أمريكا تخطو خطوات كبيرة في كشف النقاب عن السرية المصرفية السويسرية

(ttp://www.wsj.com/articles/inside-swiss-banks-tax-cheating-machinery-1445506381 )

وهذه المرة، يبدو أن الملاذات الضريبية البريطانية هي الهدف. وقد نقلت الصحف أن جزيرة بنما الأكثر شعبية للملاذات الضريبية البريطانية، وأن عدد الشركات البريطانية المسجلة التي تعرضت للتسريبات هي 113,000 من أصل 215,000.

(http://www.wsj.com/articles/panama-papers-raise-pressure-on-u-k-to-rein-in-offshore-tax-havens-1459966548)

وقال نيكولاس شاكسون، مؤلف كتاب «الملاذات الضريبية»، إن "لندن هي مركز لجزء كبير من الأعمال المثيرة للشبهات التي تجري في العالم." ويشبه هذا الخبير العاصمة البريطانية "بشبكة عنكبوت" تمتد إلى مناطق بعيدة وراء البحار هي بقايا الإمبراطورية الشاسعة مثل الجزر العذراء. [الشروق 2016/04/06]


4- ومع ضعف التحصيل الضريبي لديها ارتفعت المديونية الأمريكية بشكل غير مسبوق واستمرت في الارتفاع على هيئة تهدد مستقبل أمريكا كقوة عظمى (وبلغ مجموع الديون الاتحادية عندما تولى الرئيس أوباما منصب الرئاسة في الـ 20 من شهر كانون الثاني/يناير عام 2009 مقدار 10.6 تريليون دولار، وبحسب أحدث البيانات الإحصائية فإن الدين أصبح أكثر من 19 ترليون دولار. وقد تضمنت خطة ميزانية 2016 التي وقعها أوباما، تضمنت رفع سقف الدين من 18.5 تريليون دولار إلى 19.6 تريليون دولار، وفي ظل ديناميكية نمو الدين يبدو أن الحكومة الأمريكية ستضطر لرفع السقف مجدداً. روسيا اليوم: 2016/02/02م)، وعليه فقد أخذت أمريكا تفتش عن المال الوفير عبر العالم لمنع إفلاس الدولة الأمريكية. لقد بدأت أمريكا سياستها هذه عبر حملة لكسر قيود سرية الودائع في البنوك السويسرية، وقد نجحت أخيراً في تحطيم حصون الخصوصية المعمول بها في تلك البنوك وأصبحت بنوك سويسرا ملزمة بفتح ملفاتها الخاصة بالمواطنين الأمريكيين أمام الحكومة الأمريكية. بل إن أمريكا أصبحت تهاجم قطاعات الاقتصاد العالمية البعيدة عن نفوذها كهجومها خلال 2015 على الاتحاد العالمي لكرة القدم "الفيفا" بذرائع الفساد لإيجاد موطئ قدم لها في هذا القطاع الاقتصادي الكبير...

وإذا كانت أمريكا تشدد في تحصيل الضرائب داخل أمريكا فإن ما ذكرته مؤسسة أوكسفام (اليوم السابع المصرية 2016/04/15) بأن 50 شركة أمريكية عملاقة تخبئ 1400 مليار دولار في ملاذات ضريبية، هو عين ما تبحث عنه أمريكا من عملية التسريب لوثائق بنما. وهنا يمكن القول بثقة بأن أمريكا ومن خلال تسريب وثائق بنما إنما تهدف أيضاً لإنعاش اقتصادها وليس فقط توجيه ضربات لرئيس روسيا والصين ورئيس وزراء بريطانيا، وهذه النظرة تتعزز إذا عرفنا أن حجم المال المخبوء في تلك الجزر المخفية يقدر بـ 30-40 ترليون دولار (روسيا اليوم 2016/04/05)، فهذه ثروات فلكية وحقيقية لا عهد للعالم بها، وهي ناتجة عن عمليات نهب لشعوب كثيرة وخلال قرن من الزمان. ولوعي هذا الرقم فإنه بقيمة مليون طن من الذهب، وهو رقم كبير... أي أن هذه هي الثروات التي يمكنها إنقاذ الاقتصاد والدولة في أمريكا، ولا شك أن هذا مكسب كبير لها إذا استطاعت جذب هذه الأموال إلى أبواب الضريبة في أمريكا.


5- وأمريكا تريد الهدفين الاقتصاديين أي منع عمليات التهرب الضريبي وجلب ثروات الفساد الكبيرة إليها، وكان هذا واضحاً أيضاً في التعليق الأول للرئيس أوباما على مسألة "وثائق بنما" حين قال: "في الأخبار خلال اليومين الماضيين والمعلومات الكبيرة التي تم تسريبها من بنما، شاهدنا أمراً جديداً يذكرنا بأن التهرب الضريبي هو مشكلة كبيرة وعالمية، هذه ليست مشكلة فريدة بدول أخرى لأنه وبصراحة هناك أشخاص هنا في الولايات المتحدة الأمريكية يستغلون الأمور والنظام ذاته." وتابع قائلا: "الكثير من هذه الأعمال قانونية ولكن هذا بالضبط ما يخلق المشكلة، حيث إن القوانين مصممة بصورة ضعيفة وتسمح للأشخاص ممن لديهم محامون ومحاسبون كثر بالتخلص من الالتزامات التي تفرض على المواطنين العاديين، وهنا في الولايات المتحدة هناك فجوات لولبية يمكن فقط للأغنياء استغلالها والوصول إليها ويتلاعبون بالأنظمة عبرها." (خبر ايجنسي اليمنية 2016/04/06)


وهكذا فمرة أخرى فإن تدبر البعد الاقتصادي يؤكد أن أمريكا هي وراء هذه التسريبات.


وأخيراً فليس من المستغرب أن توجد مثل هذه الوثائق التي تكشف فساد المبدأ الرأسمالي، وانعدام القيم فيه إلا القيمة المادية، فيتكالب أهله على جمع المال بكل الطرق القذرة... إن هذا المبدأ شر كله، ولن يزول هذا الشر ما دام هذا المبدأ متحكماً في العالم. إن صلاح العالم هو في زوال الرأسمالية الشيطانية المتحكمة فيه وأن يزول معها كل نظام وضعي يُشرِّع من دون الله... ومن ثم يسود مبدأ الإسلام العظيم متجسدا في دولة الخلافة الراشدة فتنشر الخير حيث تكون، وينال العالم من هذا الخير... وحينها تشرق الأرض بهذا الخير ويصدع في جنباتها قول الحق ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ وما ذلك على الله بعزيز.

الثامن والعشرون من رجب 1437هـ
2016/05/05م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م