جواب سؤال: واقع إيران بالنسبة للسياسة الأمريكية؟
August 23, 2013

جواب سؤال: واقع إيران بالنسبة للسياسة الأمريكية؟

جواب سؤال: واقع إيران بالنسبة للسياسة الأمريكية؟

السؤال:

ما هو واقع إيران بالنسبة للسياسة الأمريكية؟ وبعبارة أخرى هل لإيران مشروع في أحداث المنطقة مستقل عن أمريكا ثم هل نستطيع القول إن لإيران رسالة في المنطقة وهي المذهب الجعفري؟ وأخيراً ما هو موقف أمريكا الحقيقي من السلاح النووي الإيراني؟


الجواب:

للإجابة على ذلك علينا أن نستعرض باختصار واقع النظام الإيراني وسير سياسته منذ اندلاع الثورة وإعلان الجمهورية وعلاقة كل ذلك بأمريكا:


1- إن دور أمريكا في الثورة الإيرانية كان واضحاً منذ بداياتها، فخلال وجود الخميني في فرنسا في "توغل لوشاتو" زاره موفدون من البيت الأبيض وتم الاتفاق على تعاون الخميني مع أمريكا، وقد تحدثت يومئذ الصحف الأمريكية عن ذلك وعن الاجتماعات التي حصلت هناك... وقد كشف ذلك مؤخراً أول رئيس للجمهورية الإيرانية أبو الحسن بنو صدر في تاريخ متأخر وبالضبط في 1\12\2000 مع قناة الجزيرة بأن موفدين من البيت الابيض جاءوا إلى "توغل لوشاتو" في فرنسا حيث يقيم الخميني واستقبلهم يزدي وبازركان وموسوي وأرديبيلي... وكانت هناك لقاءات كثيرة بين الطرفين وأشهرها لقاء أكتوبر الذي جرى في ضواحي باريس ووقعت فيه اتفاقات بين جماعة ريغان وبوش وجماعة الخميني. حيث صرح الخميني بأنه على استعداد أن يتعاون مع أمريكا بشرط ألا تتدخل في شؤون إيران الداخلية". بعد ذلك عاد الخميني في 1\2\1979 على متن طائرة فرنسية ليحط في طهران، فضغطت أمريكا على شاهبور باختيار ليسلم الحكم للخميني وهددت قادة الجيش الإيراني إذا اعترضوا سبيل الخميني، ومن ثم أصبح الخميني هو المرشد وهو الحاكم، وتم إعداد دستور مثل الدساتير الموجودة في البلاد الإسلامية الأخرى وفق الأنظمة الغربية الرأسمالية، فدستور إيران فيه محاكاة للدساتير الغربية، فنظام الحكم جمهوري والتقسيم الوزاري وعمل البرلمان وموضوع فصل السلطات وموضوع الصلاحيات فيها، كله وفق الأنظمة الرأسمالية. أما ما ورد فيه عن أن "الدين الرسمي لإيران الإسلام والمذهب الجعفري الاثنا عشر"، فهو كالموجود في أغلب الدساتير في البلاد الإسلامية وهي لا تعني أن الدولة قائمة على أساس الإسلام أو رسالتها حمل الإسلام، بل تتعلق بالمراسيم والأعياد وما يتعلق بما يقتضي العمل به تجاه الناس بخصوص اعتقاداتهم وعباداتهم وما يتعلق ببعض أمور حياتهم. ولم ينص الدستور الإيراني على أن هذا الدين أو هذا المذهب هو رسالة للدولة أو هدف للسياسة الخارجية التي هي وطنية وقومية، وتسير حسب المنظومة الدولية الحالية من انتساب إلى المنظمات الدولية والإقليمية القائمة على أساس النظام الرأسمالي مثل عضويتها في الأمم المتحدة وفي منظمة التعاون الإسلامي، وكافة العلاقات الدولية لديها لم تقم على أساس الإسلام. ومن هنا فإنه لا يلاحظ على أن للدولة في إيران رسالة خاصة أو مشروعا معينا منبثقاً عن الإسلام، بل يلاحظ على واقع النظام الإيراني صبغته القومية والوطنية، وهي تنعكس على سياسته التي تكمن في الحفاظ على النظام القائم وعلى كيان الدولة وأراضيها. ولقد اتصلنا في بدايات الثورة بالخميني ونصحناه بعدم التعاون مع أمريكا، وبإعلان دستور إسلامي وبيّناه له، ووثَّقناه في كتاب أرسلناه إليه نفصل فيه نقض الدستور الإيراني، ولكنه لم يأخذ بالنصح واستمر بدستور يخالف الإسلام، وفي نظام جمهوري على النسق الغربي الرأسمالي.


2- وأما مسألة المذهب الذي حددته كمذهب رسمي للنظام فلم تحدده كرسالة ومشروع تحمله، وهي لم تؤسس نظامها على هذا المذهب، ولم تضع دستورها على أساسه، وليست مواده مأخوذة منه، بل إن المواد الأساسية التي تتعلق بنظام الحكم والسياسة الخارجية وما يتعلق بالجيش والأمن مأخوذة من النظام الرأسمالي، فهي تشبه النظام السعودي الذي يستغل المذهب المنتشر في بلاد الحجاز "المذهب الحنبلي" ونجد لتحقيق مصالح النظام. غير أن إيران تستغل الناحية المذهبية لكسب الأتباع والمؤيدين لها أو المستعدين للعمل معها، وتثار لديهم النعرة العصبية المذهبية وبذلك يسهل استخدامهم لمصالحها الوطنية وليس لخدمة المذهب الجعفري أو خدمة الشيعة بدليل أنها لا تنصر الشيعة أو المذهب الجعفري إلا حيث المصالح الوطنية الإيرانية، وإذا كانت العلمانية تخدمها فتضع الإسلام والشيعة والمذهب وراء ظهرها، فهي تدعم النظام العراقي والنظام السوري وهي أنظمة علمانية وتابعة لأمريكا، وبما أن الشيعة يتواجدون بشكل رئيسي في المحافظات الشرقية في المملكة العربية السعودية، ولكون تلك المناطق تحتوي أيضاً على حقول النفط السعودية، فقد دعمت إيران في عدد من المناسبات انتفاضات هناك من أجل إضعاف السعودية. واستخدمت سياسة مماثلة في البحرين ما دعا السعودية لإرسال قواتها إلى البحرين...


ولا تهتم إيران بالناحية المذهبية إذا تعارض ذلك مع مصالحها الوطنية، فأذربيجان منذ أرادت أن تتحرر من قبضة الاتحاد السوفياتي في نهاية عام 1989 وقام الناس بكسر الحدود مع إيران للوحدة معها، وجرت لهم مذابح في بداية عام 1990 من قبل المهاجمين الروس الذين دخلوا باكو لمنع إقامة نظام غير تابع لهم هناك والإتيان بعملائهم من الشيوعيين القدامى إلى الحكم، ومع ذلك فلم تقم إيران بمساعدة أهل أذربيجان في وجه هذه الهجمة الروسية التي تنتهك حقوق المسلمين الذين أرادوا التحرر من النير الروسي ومن براثن الشيوعيين، مع العلم أن أغلبية سكان أذربيجان مسلمون من أتباع المذهب الرسمي لإيران. ولم تساعد أذربيجان في وجه الأرمن الذين ساندهم الروس في احتلال حوالي 20% من أذربيجان عام 1994 وهجروا أكثر من مليون أذاري من أراضيهم وما زال هذا الوضع المأساوي قائما هناك. بل إن إيران طورت علاقاتها مع أرمينا على حساب أذربيجان! ولم تكتف إيران بذلك بل دعمت تيارات ليست لها علاقة بالإسلام مثل تيار ميشيل عون أو حركات علمانية كحركة نبيه بري وغيرهما في لبنان من السائرين في ركاب أمريكا.


3- جميع الأعمال السياسية في المنطقة التي قامت بها إيران كلها واقعة بتوافق وانسجام مع المشاريع الأمريكية:


أ- ففي لبنان أسست حزبا لها من أتباع مذهبها وسلحته فأصبح جيشا خاصا هناك منفصلا عن الجيش اللبناني، واعترف النظام اللبناني به وبسلاحه، مع العلم أن النظام اللبناني نظام علماني يتبع السياسة الأمريكية. ولم يسمح النظام اللبناني لغيره من الأحزاب بحمل السلاح أو لم يعترف بسلاح الأحزاب الأخرى. وقام حزب إيران في لبنان بدعم النظام السوري المرتبط بأمريكا كما فعلت إيران، ولم تمنع أمريكا النظام اللبناني من السماح لحزب إيران بالتدخل في سوريا لإسناد نظام بشار أسد العلماني فيها، بل هناك موافقة أمريكية ضمنية على تدخل هذا الحزب في سوريا دون أن يعترضه الجيش اللبناني.


ب- وعندما احتلت أمريكا العراق لاقت مقاومة لم تتوقعها فأدخلت إيران إلى العراق لتساعدها بالتأثير على المنتمين لمذهبها لتؤثر عليهم وتحول دون تحركهم ضد الاحتلال، بل تجعلهم يقفون ضد المقاومة، ويتصدون لها ويعطون مشروعية للاحتلال وللنظام الذي أقامته هناك، وخاصة بعد عام 2005 عندما سمحت أمريكا بوصول ائتلاف الأحزاب المؤيدة لإيران للوصول إلى الحكم برئاسة إبراهيم الجعفري ومن ثم المالكي، وهذه الحكومات مؤسسة من قبل أمريكا ومرتبطة بها، وقد وقعت حكومة المالكي التي تساندها إيران الاتفاقيات الأمنية والاستراتيجية مع أمريكا للحفاظ على نفوذها بعد انتهاء احتلالها للعراق بصورة رسمية، ما يدل على الرضى الأمريكي عن الدور الإيراني الذي اعترف مسؤولوه بالتعاون مع أمريكا في احتلال العراق وفي العمل على تأمين الاستقرار للنفوذ الأمريكي في العراق. وقد فتحت إيران لها سفارة في العراق مباشرة بعد الاحتلال، وما أن انتخب الجعفري حتى قام وزير خارجية إيران حينئذ كمال خرازي بزيارة بغداد عام 2005 وهي في ذروة الاحتلال. وأدان الجانبان أعمال المقاومة للاحتلال تحت مسمى إدانة الإرهاب في العراق. وزيارة الجعفري لإيران وتوقيع اتفاقيات عديدة منها اتفاقية تعاون في المجال الاستخباراتي بينهما لإرساء الأمن ومراقبة المعابر والحدود وربط البصرة بشبكة الكهرباء الإيرانية وإنشاء خط أنابيب نفط بين البصرة وعبدان. وقام الرئيس الإيراني نجاد بزيارة للعراق في بداية عام 2008 وهي تحت حراب الاحتلال المباشر. وكثيرا ما كان أحمد نجاد يثير زوبعة بتصريحاته ضد أمريكا وضد كيان يهود، ولكنها لم تتجاوز مجرد القول الذي لا يتبعه الفعل. وفي ذات الوقت كان نجاد من أكثر الرؤساء الإيرانيين تقاربا في السير في الخط الأمريكي من زياراته للعراق وهي تحت الاحتلال الأمريكي وقبل أن يغادر الحكم بأسبوعين جدد زيارته للعراق لتجديد الدعم لنظام المالكي التابع لأمريكا والذي يحافظ على النفوذ الأمريكي فيها. وكذلك قام نجاد بزيارة أفغانستان عام 2010 وهي في ظل الاحتلال الأمريكي وقدم الدعم لنظام كرزاي خادم الاحتلال الأمريكي.


ج- وفعلت ذلك في اليمن حيث كسبت جماعة الحوثي وسلحتهم وقاموا ضد نظام علي صالح عميل الإنجليز، وتدعم القائمين على الحراك الجنوبي العلماني في اليمن من دعاة الانفصال وهم من عملاء أمريكا أيضا لإيجاد نظام علماني في جنوب اليمن موال لأمريكا.


د- أما علاقة إيران بالنظام السوري فهي قديمة منذ اندلاع الانتفاضة الأولى في بداية الثمانينات من القرن الماضي، حيث أيدت النظام السوري في قمعه لأهل سوريا المسلمين في تلك الحقبة، وذلك للمحافظة عليه ضمن المشروع الأمريكي الداعم للنظام بقيادة عملائها آل الاسد، وهي تعلم أنه نظام علماني بعثي قومي صنو نظام صدام الذي كانت تحاربه وليس له علاقة بالإسلام، بل يحارب الإسلام وأهله، وهي تدرك أنه مرتبط بأمريكا، فلم تتول الدفاع عن حقوق المسلمين، بل فعلت العكس فحاربتهم ونصرت نظام كفر إجراميّاً وما زالت تفعل ذلك. والنظام الإيراني يحافظ على علاقات وثيقة مع القيادة السورية، وشملت هذه العلاقات العسكرية والاقتصادية والسياسية. وقد نقلت إيران أسلحة كثيرة لدعم نظام الأسد وقدمت له النفط والغاز بأسعار مخفضة نظرا لعدم وجود احتياطيات للطاقة في سوريا، ويمكن ملاحظة العلاقات السياسية بشكل خاص في التدخل الإيراني في الانتفاضة السورية عندما كان نظام الأسد على وشك الانهيار، ولولا التدخل الإيراني من خلال إرسال قوات من الحرس الثوري، وقوات حزب إيران ومليشيات المالكي التابعة لإيران، لولا ذلك لانهار بشار ونظامه، ومجازر القصير وحمص واليوم مجازر الغوطة الكيماوية وغيرها شهود على ذلك التدخل.


هـ- وفي أفغانستان دعمت إيران الاحتلال الأمريكي ودعمت الدستور الذي وضعته والحكومة التي شكلتها برئاسة كرزاي وذلك خدمة لأمريكا، وقد قامت إيران بتأمين شمال البلاد عندما فشلت أمريكا في هزيمة طالبان. وقد ذكر رئيس الجمهورية الإيرانية السابق رفسنجاني "لو لم تساعد قواتنا في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني". (جريدة الشرق الأوسط 9\2\2002). وذكر محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني السابق خاتمي للشؤون القانونية والبرلمانية في مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل الذي عقد في إمارة أبو ظبي مساء يوم 13\1\2004 قال: "لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة. لكننا حصلنا على مكافأة وأصبحنا ضمن محور الشر"! (إسلام أون لاين نت 13\1\2004). وكان الرئيس أحمد نجاد قد كرر مثل ذلك وهو في زيارته لنيويورك لحضور اجتماعات الأمم المتحدة في لقاء له مع صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 26\9\2008 حيث قال: "إن إيران قدمت يد العون للولايات المتحدة فيما يتعلق بأفغانستان وكانت نتيجة هذه المساعدات توجيه الرئيس الأمريكي تهديدات مباشرة لشن هجوم عسكري ضدنا. كما أن بلادنا قدمت مساعدات لأمريكا في إعادة الهدوء والاستقرار إلى العراق".


4- وأما مسألة البرنامج النووي فهي تراوح مكانها منذ سنين رغم أن كيان يهود بدعم وتشجيع أوروبي هدد أكثر من مرة عبر هذه السنين بضرب هذا البرنامج، إلا أن أمريكا وقفت في وجه كيان يهود ومنعته من تحقيق ذلك. وما زالت حتى اليوم تمنع هذا الكيان... فقد قام رئيس الأركان الأمريكي الجنرال مارتن ديمبسي في 12\8\2013 بزيارة لكيان يهود لهذا الغرض، فنقلت وكالة كونا الكويتية في 12\8\2013 عن إذاعة جيش كيان يهود قولها بأن: "زيارة ديمسي تأتي بعد أيام من زيارة مماثلة سرية استمرت أسبوعا كاملا قام بها قائد سلاح الجو الأمريكي مارك ويلتش "لإسرائيل" والتي امتنع الطرفان عن الحديث تماما عن طبيعة ما دار فيها من مباحثات. وظلت زيارة ويلتش طي الكتمان بطلب من الجانب الأمريكي وذلك وسط التوتر في المنطقة وعلى خلفية التهديدات الإسرائيلية بضرب إيران". وأضافت وكالة كونا: "ويعتقد محللون أن قائد الجيش الأمريكي سيحاول إقناع مضيفيه بالامتناع عن اتخاذ قرارات دراماتيكية في المستقبل القريب ضد إيران لإعطاء الديبلوماسية فرصة بعد تنصيب حسن روحاني رئيسا لإيران". فأمريكا سمحت لكيان يهود بضرب المفاعلات النووية العراقية التي كانت قيد الإنشاء على عهد صدام عام 1981، ولكنها تمنع هذا الكيان من ضرب مفاعلات إيران النووية التي بدأت بتخصيب اليورانيوم حتى وصلت نسبة التخصيب 20%، ما يدل على أن من مصلحتها الحفاظ على النظام الإيراني الذي يعمل لصالحها في المنطقة، وتريده أن يبقى بُعبعا يخيف دول الخليج حتى تركز نفوذها في هذه الدول، وتعمل على استخدامه للحفاظ على نفوذها في منطقة العالم الإسلامي.


وبالرجوع إلى الخلف قليلاً نجد أن واقع المحادثات النووية منذ بدايتها في عام 2003م هو أنّ أمريكا كانت تركز على العقوبات دون اتخاذ أي إجراء فعلي ضد المنشآت النووية، وأحبطت الاتحاد الأوروبي وأغضبت دولة يهود، وفي كل مرة يتم إجراء المحادثات تعرض أمريكا العقوبات الإضافية كحل للمسألة دون أي إجراء عسكري. وقد تدخلت أمريكا مراراً لتهدئة المخاوف "الإسرائيلية"، فأمريكا تريد النظام الإيراني قائماً، وأن تبقى القضية النووية مثارة بحيث لا تصل إلى القنبلة النووية وفي الوقت نفسه لا تحسم نهائياً، بل تبقى كما قلنا بُعبعاً يخيف دول الخليج توطئة لاستمرار قوات أمريكا العسكرية في الخليج، بالإضافة إلى استغلال أمريكا لها في نصب الدرع الصاروخي في تركيا، وفي أوروبا الوسطى بحجة ردع السلاح النووي الإيراني والحماية منه! هذا فضلاً عن تبرير زيادة ميزانية وزارة الدفاع.


5- أما بالنسبة لما يظهر من عداء على السطح بين أمريكا وإيران فيمكن أن يفهم كما يلي:


أ- كانت الأجواء مشحونة، والرأي العام محشوداً ضد أمريكا قبل الثورة وبعدها، واعتبرت هي المسؤولة عن مآسي الشعب واتهمت بدعمها للشاه ولمظالمه ووصفت بأنها الشيطان الأكبر، ولذلك لم يستطع حكام إيران أن يعلنوا عن استئناف المحادثات بين الطرفين بشكل مباشر ومن ثم استئناف العلاقات الدبلوماسية، وبخاصة وأن اتصالات أمريكا بالخميني في باريس، وضغط أمريكا على الجيش الإيراني لكي لا يتدخل ضد ثورة الخميني... كل ذلك لم يكن سراً، ولهذا كان النظام الإيراني بحاجة إلى أحداث ساخنة مع أمريكا لإيجاد مبررات الجلوس معهم، فكانت حادثة الرهائن في السفارة الأمريكية في 4\10\1979 ما ترتب عليها قطع العلاقات الديبلوماسية بين إيران وأمريكا لتقوي من موقف الخميني وتضرب معارضيه وتغطي على حقيقة العلاقات بين الطرفين، وقد ذكرت فيما بعد مصادر أمريكية بأنها كانت مسرحية أمريكية مرتبة، وكذلك ذكر الحسن بنو صدر في مقابلته مع الجزيرة المشار إليها أعلاه بأن "ذلك كان اتفاقا مع الأمريكيين ومن تخطيطهم وأنه قَبِل ذلك بعدما أقنعه الخميني به". وقد وقع الطرفان على ما عرف باتفاق الجزائر في 20\1\1981 وأفرج بموجبه عن الرهائن، وحصل ذلك في اليوم الذي تولى فيه الرئيس الأمريكي ريغان مقاليد الحكم في أمريكا، وقد اعترفت أمريكا ضمنيا بالنظام الجديد بقيادة الخميني عندما نص هذا الاتفاق على إلزام الطرفين بالاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون كل طرف والحفاظ على مصالح البلدين من خلال تعيين وتوكيل طرف ثالث ومن ثم إعادة 12 مليار من الدولارات التي طالب بها النظام الجديد من الأرصدة المجمدة لإيران..


ب- وقد عمل الحكام في إيران منذ زمن على تهيئة الأجواء لاستئناف هذه العلاقات، مع أن الاتصالات السرية جارية بينهما والتعاون جار بينهما كما كشف المسئولون الإيرانيون أنفسهم، واستمروا على ذلك... وكأنَّ الإبقاء على هذا الوضع بين البلدين يفيدهما؛ حيث تظهر إيران كأنها معادية لأمريكا فتغطي على تعاملها وعلى سيرها معها ضمن مشاريعها الاستعمارية، وتكون عاملا مساعدا لتنفيذ تلك المشاريع، وتظهر أمريكا كأنها معادية لإيران وتعمل ضدها فتضبط الأوروبيين ويهود، وتخدع الرأي العام المعادي لإيران في أمريكا والغرب لتحقيق مصالحها في المنطقة. وقد اتُّهِم بعض الحكام الذين تولوا المناصب على أثر إعلان الجمهورية من قبل الإيرانيين بالعمالة لأمريكا مثل رئيس الجمهورية بني صدر فأُسقِط بسبب وجود تيار قوي معارض يومئذ للعلاقة مع أمريكا فعمل على إسقاطه. ولكن رئيس الجمهورية رفسنجاني وقد تكشفت حقائق عن علاقته بأمريكا مثل إيران غيت وإيران كونترا، ولكنه لم يسقط لأنه لم يعد مثل هذا التيار آنئذ موجودا. وقد تعاقب رؤساء جمهورية عديدون يوصفون أحيانا بالإصلاحيين والمعتدلين، وأحيانا بالمحافظين والمتشددين ولكن لم يشاهد تغير في السياسة الإيرانية رغم تشدد الخطاب أحيانا ولينه أحيانا أخرى، ويبقى عبارة عن أقوال لا تتبعها أفعال ولا تنطبق على الوقائع. وكذلك الموقف الأمريكي تجاه إيران لم يتبدل رغم تشدد الخطاب أحيانا من قبل الجمهوريين ووضعها في قائمة دول محور الشر أو لينها من قبل الديمقراطيين، ولكن لم تتخذ أمريكا تجاه إيران أية خطوات حاسمة وجادة. وعندما شكّل الرئيس الإيراني الجديد روحاني الحكومة قال: "إن حكومته ستتبنى في سياستها الخارجية منع التهديد والقضاء على التوترات" (رويترز 12\8\2013). واختار "محمد جواد ظريف لمنصب وزير الخارجية وهو سفير سابق بالأمم المتحدة تلقى تعليمه في الولايات المتحدة وكان مشاركا بشكل أساسي في جولات عدة من المفاوضات السرية لمحاولة التغلب على تدني العلاقات بين واشنطن وطهران" (رويترز 12\8\2013). وقد صرح روحاني بعد انتخابه بشكل أكثر صراحة عندما قال: "نحن لا نريد رؤية المزيد من التوتر بين إيران والولايات المتحدة. تخبرنا الحكمة أن كلا البلدين يحتاج لأن يفكر أكثر في المستقبل وأن يحاول الجلوس لإيجاد حلول لقضايا سابقة واعادة تصحيح الأمر" (رويترز 17\6\2013). فرد عليه الرئيس الأمريكي أوباما قائلا: "تبقى الولايات المتحدة مستعدة للانخراط في محادثات مباشرة مع الحكومة الإيرانية بهدف التوصل إلى حل دبلوماسي يتعامل بشكل كامل مع قلق المجتمع الدولي حول برنامج إيران النووي" (المصدر نفسه)، ما يعني أن إيران تريد أن تنهي مرحلة سيرها السري مع أمريكا، وتبدأ بمرحلة السير العلني معها، ولكن بأشكال مختلفة حيث تظهر كأنها دولة مؤثرة إقليميا يجب إشراكها في قضايا المنطقة.


6- وبناء على ما ذكرناه أعلاه فإننا نخلص إلى ما يلي:


إن مسألة المذهب الذي حددته إيران كمذهب رسمي للنظام فلم تحدده كرسالة ومشروع تحمله، وهي لم تؤسس نظامها على هذا المذهب، ولم تضع دستورها على أساسه، وليست مواده مأخوذة منه، بل إن المواد الأساسية التي تتعلق بنظام الحكم والسياسة الخارجية وما يتعلق بالجيش والأمن مأخوذة من النظام الرأسمالي، فهي تشبه النظام السعودي الذي يستغل المذهب المنتشر في بلاد الحجاز "المذهب الحنبلي" ونجد لتحقيق مصالح النظام. وأما السياسة الخارجية لإيران فهي منسجمة مع المصالح الأمريكية في المنطقة، وكذلك في الشرق الأوسط الكبير والبلدان الإسلامية، فمثلاً قامت طهران بمساعدة واشنطن في تحقيق الاستقرار للاحتلال الأمريكي في العراق وأفغانستان على مدار العقد الماضي أو نحو ذلك، وقامت أيضاً عن طريق حزبها في لبنان لرسم المشهد السياسي في لبنان، وفي الآونة الأخيرة تعاونت للحفاظ على الهيمنة الأمريكية في سوريا من خلال دعم الأسد. وبالتالي، فإنّ إيران تعمل في أفغانستان وسوريا ولبنان والعراق لخدمة المصالح الأمريكية. أما خارج المنطقة فيمكن القول بأنّ أمريكا نجحت في استغلال سلوك إيران في الترويج لبرنامج الدرع الصاروخي الخاص بها وربط دول مجلس التعاون الخليجي في اتفاقات أمنية غير متوازنة، وكذلك بيع دول الخليج أسلحة بمليارات من الدولارات خوفا من إيران!


فإيران تسير مع أمريكا وهي تدرك معنى سيرها هذا وتعرف حدودها، فلا تتجاوزها ولو رفعت من نبرة الخطاب للتضليل أو للتغطية على الحقيقة كما حصل في فترة نجاد التي شهدت خدمة كبيرة لأمريكا في أفغانستان والعراق وسوريا، ولذلك فإن أمريكا ترى النظام في إيران خادماً لمصالحها بدرجة كبيرة حتى إن دوائر صناعة القرار في أمريكا لا ترى من داع للعمل على تغيير النظام، وهذا ما صرح به في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2008م، روبرت غيتس في مؤتمر أمني دولي في البحرين حول العلاقات بين أمريكا وإيران وما يجب أن تكون عليه، وقال: "لا أحد يسعى إلى تغيير النظام في إيران... وما نحن بصدده هو إحداث تغيير في السياسات والسلوك، بحيث تصبح إيران جارة جيدة للدول في المنطقة، بدلاً من أن تكون مصدراً لعدم الاستقرار والعنف."

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م