جواب سؤال:   واقع ميانمار
June 27, 2012

جواب سؤال: واقع ميانمار

جواب سؤال:

واقع ميانمار 

السؤال:

نرجو إعطاءنا نبذة عن واقع ميانمار (بورما) السياسي، وأسباب هذا الاضطهاد الفظيع للمسلمين في ذلك البلد، والمواقف الإقليمية والدولية تجاهها، ولكم الشكر والتقدير.

الجواب:

فيما يلي استعراض لما يلزم في هذا الأمر:

1- إن أهل هذا البلد البالغ تعداده أكثر من 50 مليوناً، يوجد بينهم حوالي 20% مسلمون ويتركزون في العاصمة رانجون ومدينة ماندلاي وفي إقليم اراكان. و70% من أهله بوذيون والباقون يدينون بالهندوسية والنصرانية وديانات أخرى. ولكن بورما لا تعترف إلا بعدد قليل منهم نسبته 4% والباقي تعتبره أجانب، وتعمل على طردهم ولا تمنحهم جنسية البلد، ولا تعترف بأي حق لهم. ولذلك يتعرضون لهجمات البوذيين بدعم النظام حتى يتم قتلهم وتهجيرهم.

2- يذكر المؤرخون أنَّ الإسلام دخل هذا البلد عام 788م على عهد الخليفة هارون الرشيد عندما كانت دولة الخلافة الإسلامية أعظم دولة في العالم لقرون عديدة، وبدأ ينتشر الإسلام في ربوع بورما عندما رأوا عظمته وصحته وعدله. لقد حكم المسلمون إقليم اراكان لأكثر من ثلاثة قرون ونصف ما بين عامي 1430م و1784م، ففي هذا العام تكاتف الكفار على الإقليم، واحتله البوذيون، وعاثوا في الإقليم فساداً، يقتلون المسلمين ويسفكون دماءهم، وبخاصة علماؤهم ودعاتهم، ونهباً لخيراتهم، وتدميراً للعمارة الإسلامية من مساجد ومدارس، وذلك لحقدهم وتعصبهم لجاهليتهم البوذية.

3-كان هناك في المنطقة تنافس وتقاسم استعماري بين بريطانيا وفرنسا، فقام البريطانيون في عام 1824م باحتلال بورما وفرضوا عليها استعمارهم، بينما قام الفرنسيون باحتلال لاوس المجاورة لها وفرضوا عليها استعمارهم. وفي 1937 فصلت بريطانيا مستعمرتها بورما عن "حكومة الهند البريطانية" فأصبحت مستعمرة بريطانية منفصلة في الإدارة عن هذه الحكومة تحت اسم "حكومة بورما البريطانية". وجعلت إقليم اراكان تابعاً لهذه الحكومة تحت تسلط البوذيين.

4-أثناء الحرب العالمية الثانية وفي عام 1940م قامت في هذه المستعمرة حركة عرفت باسم (ميليشيا الرفاق الثلاثين - جيش الاستقلال البورمي) شكلها ثلاثون شخصاً من بورما حصلوا على تدريبهم في اليابان تعهدوا بطرد المحتلين البريطانيين. ودخلوا إلى بلادهم مع المحتلين اليابانيين عام 1941م. وكانت بورما إحدى خطوط المواجهة بين بريطانيا واليابان حتى هزيمة اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م. وعندئذ استطاعت بريطانيا أن تبسط استعمارها من جديد على بورما. وقد تعرض المسلمون عام 1942م لمذابح على يد البوذيين راح ضحيتها حوالي 100 ألف مسلم، وشرد مئات الآلاف منهم إلى خارج البلاد. وفي عام 1948م منحت بريطانيا بورما الاستقلال الشكلي، وقبل ذلك بسنة أي في عام 1947م عقدت مؤتمراً للتحضير للاستقلال ودعت كافة الفئات والعرقيات في البلد واستبعدت المسلمين عنه. وفي هذا المؤتمر وضعت بريطانيا بنداً ينص على أن يُـمنح الحق لأية فئة أو عرق بالاستقلال ولكن بعد عشر سنوات، إلا أن الحكومة البورمية لم تنفذ ذلك، واستمرت في اضطهاد المسلمين.

5- في عام 1962م حصل انقلاب عسكري في بورما بقيادة الجنرال العسكري نيو وين وقد أسس مجلساً عسكرياً باسم مجلس الدولة لاستعادة القانون والنظام. وحكم البلاد مباشرة حتى عام 1988م وبقي المجلس حتى عام 1997م وبقي نيو وين مسيطراً عليه. في عام 1990م جرت انتخابات حصل حزب الوطني الديمقراطي المعارض على أغلبية المقاعد غير أن الحكومة العسكرية لم تعترف بانتقال السلطة حتى يتم وضع دستور. وبدأت اجتماعات متواصلة منذ عام 1993م لوضع دستور جديد. وعقب هذا الانقلاب تعرض المسلمون لاضطهاد من الحكم العسكري المتعصب بوذياً وقام هذا الحكم بتهجير أكثر من 300 ألف مسلم إلى بنغلادش. وكان قد طرد أكثر من نصف مليون مسلم إلى الخارج عام 1978م، مات منهم أكثر من 40 ألفاً من الشيوخ والنساء والأطفال بسبب الظروف القاسية التي فرضت عليهم وذلك حسب إحصائيات وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. وفي عام 1988م هجر من المسلمين إلى الخارج أكثر من 150 ألفاً. وقد تعرض أكثر من نصف مليون مسلم للتهجير والطرد من البلاد انتقاماً منهم لتأييدهم حزب المعارضة الذي فاز بأغلبية المقاعد في المجلس عام 1990م. وأصبحت حكومة البلاد تعتبر المسلمين غرباء وليسوا من أهل البلد، ويحرمون أبناءهم من التعليم ومن الزواج قبل الثلاثين، بل فرضوا عليهم عدم الزواج لمدة 3 سنوات، وذلك ليقل عددهم، وقد مورس عليهم أبشع الممارسات من قبل الحكومة. وفي عام 1989م غيرت الحكومة اسمها من بورما بالانجليزية إلى ميانمار. فهناك دول تعترف بالاسم الثاني وهناك دول لا تعترف به فتستعمل الاسم الأول.

6-استمر العسكر يحكمون بورما، ويدعمهم الإنكليز مباشرة أحياناً، وعن طريق عميلتهم الهند أحياناً أخرى وجعلت نظام بورما/ميانمار يتقرب ظاهرياً من الشيوعيين حتى يكسب دعماً روسياً وصينياً ويغطي على حقيقته فكان ذلك. مثلما كان كثير من الأنظمة في العالم العربي تغطي على عمالتها لأمريكا أو لبريطانيا بالتقرب إلى الشيوعيين وإلى روسيا والصين. وقد احتجت أمريكا سابقاً على مواقف الهند من دعمها للنظام العسكري وتعاونها الوثيق معه. فقد ذكرت وكالة فرانس برس في 28/5/2012م وهي تنقل خبر زيارة رئيس وزراء الهند مانموهان سينغ في هذا التاريخ إلى بورما وعقده سلسلة من الاتفاقيات مع رئيس بورما فذكرت: "الهند تقربت من المجلس العسكري خلال التسعينات من القرن الماضي ولا سيما في مجال الأمن والطاقة. في 2010م نددت واشنطن بصمت الهند على انتهاكات حقوق الإنسان في بورما حتى ان سو تشي التي أنجزت قسماً من دراستها في الهند وحيث كانت أمها سفيرة أعربت عن حزنها من دعم الهند للحكم العسكري في بلادها". وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2007م نقلت وكالات الأنباء مناشدة واشنطن كلاً من الهند والصين للتوقف عن تزويد النظام العسكري في بورما بالسلاح. وقد منح النظام العسكري في بورما الصين تسهيلات عسكرية في موانئه في خليج البنغال وفي المحيط الهندي، وذلك ليكسب دعم الصين له في ظل الحملة الأمريكية عليه، كما أنه من مصلحة الصين أن تجد لها منفذاً في بورما نحو المحيط الهندي وهي تحدها من الشمال الشرقي في حدود برية يبلغ طولها ألفي كيلو متر. وتشترك الهند مع بورما في حدود برية من الشمال الغربي أيضاً، وكانت تتبع حكومة الهند البريطانية مباشرة وبعد خروج بريطانيا شكلياً من هناك أصبحت الهند كالوصي على بورما وتحت حمايتها وتصمد بدعمها.

7-لقد أثارت أمريكا الرأي العام ضد حكم العسكر، وركّزت أنظار الرأي العام حول رئيسة المعارضة (أونج سان سوتشي) إلى أن تم الإفراج عنها في تشرين ثاني 2010م، ثم زادت الضغوط على المجلس العسكري، وأثارت الرأي العام حوله لكي يحل المجلس نفسه ويسلم الحكم للمدنيين، ولكن الإنكليز وحكومة الهند معهم عالجوا المسألة بدهاء الإنكليز فجعلوا المجلس يدعو لانتخابات عامة، وبأساليب يتقنونها... فجرت الانتخابات في عام 2010م فاز فيها حزب التضامن وتنمية الوحدة وهو حزب العسكر بحوالي 80% من المقاعد. وحل المجلس العسكري نفسه وسلم الحكم لمدنيين وهم عبارة عن جنرالات متقاعدين وعلى رأسهم الجنرال المتقاعد ثين سين الذي استلم الحكم في آذار / مارس 2011م.

8-إن أمريكا ما زالت تضغط على النظام في بورما حتى تبعد رجال النظام العسكري من جنرلات متقاعدين وتأتي بزعيمة المعارضة حيث تبدي الدعم الكامل لها ولحزبها الوطني الديمقراطي، ولذلك ينشرون التحليلات المستقبلية باحتمال فوز زعيمة المعارضة في انتخابات 2015م.  وقد قامت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بزيارة لبورما في الأول من كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي 2011م. وأعلنت أن بلادها ستعين سفيراً لها لأول مرة منذ عشرين عاماً وأنها ستخفف العقوبات تماشياً مع التقدم في إجراء الإصلاحات الديمقراطية هناك. وقد جرت انتخابات جزئية هناك على 45 مقعداً في 1/4/2012م فحصل الحزب الوطني الديمقراطي برئاسة زعيمة المعارضة أونج سو تشي على 43 مقعداً منها. ومع ذلك صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية قائلة: "ما زال الوقت مبكراً للحكم على مدى التقدم الذي تحقق في الأشهر الأخيرة (في بورما) وما إذا كان سيتواصل"، (أ.ف.ب 2/4/2012). فبهذا الشكل أرادت مسؤولة الخارجية الأمريكية أن تمارس ضغوط بلادها على النظام في بورما فتشكك في مصداقية التقدم بالعملية الديمقراطية، لأن العسكر بشكلهم المدني هم الذين يحكمون البلاد ويحكمون سيطرتهم على المشهد السياسي فيها. فبموجب الدستور الذي وضعه العسكر في التسعينات من القرن الماضي فإن ربع مقاعد البرلمان يجب أن تكون للعسكريين بالتعيين وليس بالانتخابات!.

وهكذا فإن أمريكا غير راضية عن الوضع السياسي في بورما وإن أحرزوا تقدماً بالإفراج عن زعيمة المعارضة وممارسة حزبها النشاط السياسي إلا أنهم مستمرون في ممارسة الضغوط على هذا النظام، ويظهرون التشكيك في مصداقيته طمعاً في المزيد من الضغوط حتى يتمكنوا من إبعاد العسكر الذين يوالون الإنكليز عن الحكم.

9- ولكن موقف بريطانيا كان مؤيداً، فقد علّق وزير خارجيتها وليم هيغ بإيجابية على ما يجري في بورما فقال: "إن المملكة المتحدة التي تعد أكبر مقدم للمساعدات الثنائية للشعب في بورما تقف على استعداد لدعم العملية السياسية في بورما" (أسوشيتد برس 3/4/2012م)، وقد قام رئيس وزرائها ديفيد كاميرون عقب هذه الانتخابات بزيارة بورما فيعتبر أول رئيس غربي يزور بورما منذ انقلاب 1962م فأشاد بالنظام في بورما قائلاً: "هناك الآن حكومة تقول إنها عازمة على إجراء إصلاحات وقد اتخذت تدابير وأعتقد أن هذا الوقت مناسب كي آتي إلى هنا وأشجع هذه التدابير". ( أ.ف.ب 13/4/2012م). واجتمع مع رئيسها ثين سين الذي قال: "نحن سعداء بإقراركم بالجهود التي نبذلها لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في بورما".

وهكذا فإن بريطانيا راضية عن الوضع السياسي في ميانمار وتدعمه.

10-في 3/6/2012م قام بوذيون بمهاجمة حافلة تقل مسلمين فقتلوا 9 منهم، وعلى إثر ذلك اندلعت الأحداث بين البوذيين والمسلمين من قتل وحرق للبيوت وتهجير حتى شمل مناطق عدة حيثما يوجد المسلمون الذين بدأ عشرات الآلاف منهم بالنزوح من بيوتهم. وقد رفضت بنغلادش مساعدة الفارين إليها بل أرجعتهم وأغلقت الحدود في وجههم. وفي مثل هذا التاريخ من العام الماضي تعرض المسلمون لهجمات مشابهة وإجبار على الفرار من البلاد، وفي كل عام على مدى عشرات السنين وهم يتعرضون لمثل ذلك من قتل وتشريد وطرد من ديارهم وهدم لبيوتهم على يد البوذيين الحاقدين بدعم من النظام هناك. والغربيون وعلى رأسهم أمريكا يباركون النظام الجديد بإطلاقه سراح زعيمة المعارضة وبالتحول الديمقراطي من دون أي اكتراث يذكر بما يتعرض له المسلمون. فقد أصدرت السفارة الأمريكية في بورما بياناً ذكرت فيه أن القائم بأعمال السفارة مايكل ثورستون قد اجتمع بشكل منفصل في يانغون مع المنظمات الإسلامية المحلية ومع الحزب الوطني للتنمية في اراكان حيث قال ثورستون : "إن أهم شيئ الآن هو أن على جميع الأطراف التزام الهدوء. هناك حاجة إلى مزيد من الحوار. والحوار يمكن أن يحدث فقط عندما يكون هناك هدوء. وقال: إن السفارة تشجع حكومة مينمار على التحقيق بطريقة تحترم الإجراءات القانونية وسيادة القانون". (وكالة أسوشيتد برس الأمريكية 14/6/2012م)، أي أن أمريكا تقول للناس الذين يتعرضون للقتل والتشريد إن عليكم أن تلتزموا الهدوء وأن تلتزموا الحوار وأن تحترموا الإجراءات القانونية! هذا لأن الذين يُقتلون ويُشرّدون هم مسلمون، أمّا عندما قام الرهبان البوذيون في 20/9/2007م بمسيرة، وقمعها النظام العسكري في بورما، فقد أقامت أمريكا الدنيا ولم تقعدها وفرضت عقوبات مشددة على بورما وتبعتها دول الغرب بذلك، ما يدل على أن أمريكا لا يهمها ما يتعرض له المسلمون ولا تكترث بذلك ولا يهمها إلا تحقيق مصالحها وبسط نفوذها. وهذا بشكل عام هو موقف الغرب كله الذي يعادي الإسلام والمسلمين.

11-والخلاصة؛ فإن النظام في بورما الذي كان يسيطر عليه الجنرالات مباشرة بلباس عسكري وأصبح يسيطر عليه حالياً الجنرالات المتقاعدون بلباس مدني ما زال يوالي الإنكليز، وقد دعمه الإنكليز سراً وعلناً، مباشرة وغير مباشرة عن طريق عملاء بريطانيا في الهند، كما أن الإنكليز قد دعموا البوذيين في قتل المسلمين والتنكيل بهم، ليس هذه الأيام فحسب، بل منذ أن انتهى الحكم الإسلامي في تلك البلاد.

وعلى طريقة الإنكليز في الدهاء السياسي، فقد جعلوا نظام العسكر في بورما يتقرب من الشيوعيين ومن روسيا والصين حتى ينال دعمهم في ظل الحملة الأمريكية التي تشنها ضد هذا النظام.

أما أمريكا فتدعم الحزب الوطني الديمقراطي بزعامة أونج تسو تشي التي جعلتها تنال جائزة نوبل للسلام عام 1991م وكان والدها أونج سانج يعارض البريطانيين فقتل عام 1947م، وقد اتهم زعيم المعارضة بقتله وقد اعتبر والدها بطل الاستقلال.

وعلى الرغم من الصراع السياسي بين أمريكا وبريطانيا في بورما إلا أنهما متفقان في دعم البوذيين في التنكيل بالمسلمين دون أن تهتز للغرب أية مشاعر إنسانية مزعومة سوى تصريحات عامة جوفاء... ولكن يحتجون إذا تعرض الرهبان لقمع مسيرتهم أو لسجن أي بوذي معارض.

وأما الصين فتدعم النظام هناك لتحقيق مصالح اقتصادية واستراتيجية فيه من دون أن تحصل على نفوذ في البلد.

وأما الحكام في بلاد المسلمين فهم تبعٌ لأمريكا والغرب، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، فلم يحرّكوا ساكناً، حتى إن بنغلادش المجاورة لبورما لا تنصر إخوانها المسلمين الذين يتعرضون للتصفية وللاضطهاد الشديد منذ مئات السنين، بل هي ليس فقط لا تنصره بل تضيق الخناق على من يلجأ إليها وتغلق في وجهه الحدود. إن هؤلاء الحكام بدل أن يستجيبوا لأمر الله (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) فإنهم يستجيبون لأمريكا ولغيرها من دول الغرب فيرسلوا جنوداً إلى مناطق صراع أخرى وعلى رؤوسهم وأكتافهم علامات قوات الأمم المتحدة!

إن هؤلاء الحكام لا يرجى منهم الخير بل الشر منهم أسبق، ولن يعود الأمن للمسلمين في تلك البلاد إلا إذا عادت الخلافة التي استظلوا بها منذ عهد الخليفة هارون الرشيد لأكثر من ثلاثة قرون ونصف... فالخلافة هي فقط التي توفر لهم الأمن وتنشر الخير في ربوع العالم، ولعلها قريباً تكون بإذن الله.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م