خطبة جمعة (التمييز العنصري)
خطبة جمعة (التمييز العنصري)

الحمد لله الذي أخبر ملائكته أن خالقٌ بشراً من طين. الحمد لله الذي أقسم أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم. الحمد لله القائل ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً. الحمد لله القائل: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.

0:00 0:00
السرعة:
June 04, 2020

خطبة جمعة (التمييز العنصري)

خطبة جمعة (التمييز العنصري)


الحمد لله الذي أخبر ملائكته أنا خالقٌ بشراً من طين.


الحمد لله الذي أقسم أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم.


الحمد لله القائل ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً.


الحمد لله القائل: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.


الحمد لله الذي خلق الناس كلهم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، وهو الأعلم بالناس كلهم إذ هم أجِنَّةٌ في بطونِ أمهاتهم.


وأشهد ألا إله إلا الله، ربَّ العالمين، ربَّ الناسِ أجمعين، ملكَ الناس، إلهَ الناس، وهو على كل شيء قدير.


ونشهدُ أن سيدَنا محمداً عبدُه ورسولُه، أخرج به الناسَ من الظلمات إلى النور، ومن الظلمِ إلى العدل، ومن الشقاءِ إلى السعادة، وأتمُّ الصلاةِ وأكملُ التسليم على المبعوث رحمة للعالمين أجمعين، أبيضِهم وأسودِهم وأحمرِهم، شريفِهم ووضيعِهم، ذكرِهم وأنثاهُم، عربيِّهم وعجميِّهم، صلوات ربي وسلامه على من بلّغ رسالةَ ربه، وطبّقها تطبيقاً عملياً، بقولِه وفعلِه وتشريعِه، فقال عليه الصلاةُ والسلامُ: الناسُ لآدمَ، وأدمُ من تراب، عليه صلوات ربي وسلامه الذي جمع بين أبي بكرٍ شريفِ قومِه، وبلالٍ الحبشيِّ الذي كان عبدا رقيقاً، وصهيبٍ الرومي، وسلمانَ الفارسيِّ، فجعل منهم بالإسلامِ سادةً شرفاء، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


أما بعد، أوصيكم عبادَ الله بتقوى الله، فهي مقياسُ التفاضلِ بين البشر، فقد قال الحقُ سبحانه وتعالى: (إن أكرمَكم عندَ اللهِ أتقاكم)، فاتقوا الله عبادَ الله، وتقربوا إليه بتقواه وخشيته في السرّ والعلن، وبتحكيم شرعِ الله سبحانه وتعالى في حياتكم، واجعلوا مفاهيمَ الإسلام هي مقياسَ نظرتِكم في الحياة وفي كل شيء في الحياة، فهي الهدى، (قل إن هدى الله هو الهدى) ولا هدى سواه، (فماذا بعدَ الحقِّ إلا الضلالُ؟)، (فبأيِّ حديثٍ بعدَ اللهِ وآياتِه يؤمنون؟).


عبادَ الله


إنها فتنٌ كالليل المظلم، وكموجِ البحرِ العاتي، تمرُّ بالبشريةِ منذ غيابِ حكمِ الإسلامِ عن الأرضِ، لقد كانَ المسلمونَ حملةَ نبراسِ الهدايةِ والسعادةِ للبشريةِ جمعاء قروناً عديدة، وأزماناً مديدة، عندَما كانت لهم دولةٌ تحكمهم بالإسلامِ، وتحملُ الإسلامِ إلى الناسِ كافةً، وتنشرُ العدلَ بينهم، ولكنّ العالمَ الإسلامي بخاصةٍ، والعالمَ كلَّه بعامة غرقَ في مستنقعات الضلال، ودخلَ نفقَ الشقاء منذ هدمتْ دولةُ الخلافةِ التي تحكمُ بالإسلامِ.


مرّت بالعالمِ جائحةُ كورونا ولم تنته بعد، ولم تستطع الأنظمةُ البشريةُ كلُّها التصرفَ حِيالَها، ولا معالجتَها ولا معالجةَ تبعاتِها، واليوم تمرّ بالعالمِ الغربيِّ جائحةُ التمييزِ العنصريِّ، فتنةٌ تموجُ بالناسِ في الغرب موجاً، يتيهُ فيه الحليمُ ويصبحُ حيرانَ، كل ذلك بسببِ غيابِ الإسلامِ عن الحياةِ، وغيابِ حكمِ الإسلامِ عن الحياةِ.


أيها الناس


لقد عجزت كلُّ الأنظمةِ والمبادئِ عن حلِّ مشكلةِ التمييزِ العنصريِّ، ولم يحلَّها الحلَّ الحقيقيَّ العمليَّ الصحيحَ إلا الإسلامُ، لقد عاش الناسُ كلُّهم في ظلِّ حكمِ الإسلامِ الوارفِ لا يخافُ أحدُهم من ظلمِ قويٍّ، أو تمييزٍ بسببِ عرقِه أو لونِه أو أصلِه، أو عشيرتِه أو قومِه، أو بلدِه أو موطنِه، أو جنسِه، أو غير ذلك، لقد عاشوا معززين مكرّمين، ولا اعتبارَ لأيِّ فرقٍ بين الناس.


إنه الإسلامَ الذي أعلنَ وَحْدَةَ الخالق، وأنّ كلَّ المخلوقاتِ وكلَّ الناس ربُّهم واحدٌ، فقال سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربَّكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها زوجَها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً)، وقال عزّ من قائل: (يا أيها الناسُ إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارَفوا إن أكرمكم عندَ الله أتقاكم)، ولذلك كانت النظرة إلى الإنسان مستندةً إلى هذا الأساسِ المتينِ، فنظرَ الإسلامُ إلى الإنسانِ حين معالجةِ مشاكلِه على أنه إنسانٌ، لديه حاجاتٌ عضويةٌ وغرائزُ، مشكلة إنسانٍ تحتاجُ إلى حلّ، لم ينظرْ إليها على أنها مشكلةٌ اقتصاديةٌ مثلاً، أو صحية، أو تعليمية، أو سياسية، ولم ينظر إليها على أنها مشكلةُ أسودَ أو أبيضَ أو أحمرَ، ولم ينظر إليها على أنها مشكلة رجلٍ أو امرأةٍ، أو مشكلة صغير أو كبير، أو مشكلةُ مواطن أو مقيمٍ أو وافدٍ، بل نظر لمشاكل الناسِ نظرةً واحدةً، مشكلة إنسانٍ تحتاج إلى حلّ، ووضع الحلَّ على هذا الأساس، فعاش الناسُ في ظلِّ الإسلامِ كما قلنا معززين مكرّمين حتى لو خالفوا المسلمين في الدين.


لقد طبّق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المساواةَ بين البشر عملياً، فنزع من نفوسِ الناسِ نظرةَ التفريقِ بين الناس على أساسِ العرق أو اللون أو غيره، فكانت النظرةُ إلى أبي بكرٍ الشريفِ كالنظرةِ إلى بلالٍ الحبشيِّ ذي البشرة السوداء، فهذا عمرُ رضي الله عنه، خليفةُ المسلمين، كان يقولُ عن أبي بكرٍ وبلالٍ: سيدُنا أعتقَ سيدَنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله قد أبعدَ عنكم نخوةَ الجاهليةِ وتعاظمَها بالآباء، الناسُ لآدمَ وآدمُ من ترابٍ)، عن المعرور بن سويد، قال: رأيت أبا ذر وعليه حُلَّة، وعلى غلامِه مثلُها، فسألته عن ذلك، قال: فذكر أنه سابَّ رجلاً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعيَّره بأمِه، قال: فأتى الرجلُ النبيَ - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ذلك له، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنك امرُؤٌ فيك جاهلية، إخوانُكم وخَوَلُكُم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه، فَلْيُطْعِمْهُ مما يأكل، وَلْيُلْبِسْهُ مما يَلْبِسُ، ولا تكلّفوهم ما يَغْلِبُهُم، فإنْ كَلَّفتموهم فأعينوهم عليه". ومما يروَى أن أبا ذرٍ رضي الله عنه قال للغلامِ (أي العبدِ): يا ابن السوداء، والحُلّةُ لباسٌ فاخر يختلفُ عن الثوبِ المعتادِ الذي كان يلبِسُه الناس. لقد أصبح أبو ذرٍ رضي الله عنه يُلبِسُ عبدَه مما يلبِس، ويطعِمُه مما يأكل، إنه الإسلام العظيم الذي قرّرَ وَحْدَةَ النوعِ الإنسانيّ، وجعل هذه التقريرَ أساساً من أسس التعاملِ والمعاملةِ بين الناس.


عبادَ الله


إن مشكلةَ التمييز العنصري مشكلة حضارة، وليست مشكلة قوانينَ أو أنظمة، لا يستأصلُ هذه النظرةَ العنصريةَ من نفوسِ الناس إلا مبدأ قويمٌ صحيحٌ منزلٌ من عندِ ربّ العالمين، أما المبدأ الرأسماليّ وغيرُه من المبادئ البشريةِ الوضعيةِ فإنها عاجزةٌ عن حلّ أبسط مشكلات الإنسان، فضلاً عن أعقدِها، إنّها الرأسمالية التي فصلت الدينَ عن الحياة، وأعطت عقلَ الإنسانِ الناقصَ المحدودَ حقّ التشريع والتنظيم والتقنين، عقلَ الإنسانِ المتصفَ بالاختلاف والتفاوتِ والتناقضِ والتأثرِ بالبيئة، هذا هو المبدأ الرأسمالي الذي جعل الناسَ يعيشونَ في شقاءٍ دائم، وكدٍّ لا نهايةَ له جرياً وراء رغيف الخبز، المبدأ الذي مسخَ فطرةَ الإنسانِ التي خلقه الله عليها، وقتل فيه كلَّ قيمةٍ إلا القيمةَ الماديّةَ، جعلَ الناسَ طبقاتٍ، رأسماليين، وفقراء، بيضاً وسوداً، فرّق الناسَ وفضّل بعضَهم على بعضٍ بما لا فضلَ لهم فيه، بل مما هو من القضاء والقدر، ومما لا يملك الإنسان له تغييراً، ووضع مقاييسَ خاطئةً للتفاضلِ تمزّق الناسَ وتجعلُهم شيعاً فلا حول ولا قوة إلا بالله، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه عباد الله.


الخطبة الثانية:


الحمد لله الذي أكرمنا بنعمة الإسلام، ومنّ علينا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم سيدِ الإنبياء، وشرعَ لنا شرائعَ دينِه، بها تستقيم شؤون الحياة، وبها يسعَدُ الناس، يعبدون رباً واحداً، ويتبعون رسولاً واحداً، وديناً واحداً، ويتجهون لقِبلةٍ واحدةٍ، ويحكمون بنظام ربانيٍّ واحد، صراطِ الله الذي له ما في السموات والأرض، صراطِه المستقيم، فالحمدُ لله ربِ العالمين.


عبادَ الله


كلما مرَّ على الناس يومٌ جديدٌ بأحداثٍ جديدةٍ أدرك العالمُ والمسلمون أهميةَ رسالةِ الإسلامِ، وشريعةِ ربِ العباد، واتّباعِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، تبيّنَ للجميعِ أنه بغياب حكمِ الإسلامِ تتراكمُ المشكلاتُ دونما حلّ، ويزدادُ شقاءُ الناسِ، ويزدادُ الظلمُ، وأنه باستمرارِ سيادةِ المبدأ الرأسمالي يزدادُ غضبُ الله تعالى على الناسِ، وعلى المسلمين المقصّرين في العمل لتحكيم الإسلام، فعلى المسلمين أن يدركوا أنهم أصحاب رسالة، وحَمَلَةُ المبدأِ الصحيح، وأنهم أحوجُ ما يكونونَ لتطبيق شرعِ الله تعالى، وأنَّ البشريةَ جمعاء بحاجةٍ إليهم، لينقذوهم من براثنِ الرأسماليةِ العفنةِ، وما نتجَ عنها من قومياتٍ نتنةٍ، ووطنياتٍ مَقيتةٍ، وتمييزٍ عرقيِّ وعنصريّ ما أنزل الله بها من سلطان. لقد آن لكم أيها المسلمون أن تدركوا عِظَمَ الواجبِ الذي كلفكم الله عز وجل به، وجعلكم به خيرَ أمةٍ للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله، وإن أعظمَ منكرٍ هو الاستمرار في الحكم بالأنظمة الرأسمالية البشرية، وإن أعظمَ معروف هو الحكمُ بما أنزل الله في دولة خلافة على منهاج النبوة، التي هي وعدُ الله تعالى، وبشرى رسوله صلى الله عليه وسلم، (ثم تكونُ خلافة على منهاج النبوة)، فشمّروا عن سواعدكم أيها المسلمون وأقيموا دولةَ الإسلام، واعملوا على تحكيم شرع الله، واحملوا الإسلام وحضارته إلى الناس، تفوزوا في الدارين وتسعدوا في الدنيا والآخرة.


اللهم أقمْ دولةَ الإسلام، دولةَ الخلافة على منهاجِ النبوة


اللهم أعزّ الإسلامَ والمسلمين


اللهم ارحم المؤمنين والمؤمنات، الأحياءَ منهم والأموات، الله ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا اللهم في ما جرت به المقادير.


الله أبرِمْ للمسلمين وللناسِ أجمعين أمرَ رُشدٍ يعزُّ به أهلُ طاعتِك، ويَذِلُّ به أهلُ معصيتِك.


اللهم غيّر حالَ المسلمين إلى أحسنِ حال، اللهم ارفعِ البلاءَ والوباءَ والغلاءَ عن المسلمين، اللهم أعزَّنا بالإسلامِ، وأعزَّ الإسلامَ بنا، واهدنا، واهدِ بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.


اللهم مكّن للمسلمين وحَمَلَةِ دعوةِ الإسلامِ في الأرض، وانصرنا على القومِ الكافرين.


عبادَ الله


إن الله يأمرُ بالعدلِ والإحسان، وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكّرون، اذكروا الله العظيم يذكرْكم، واستغفروه يغفرْ لكم، واسألوه يعطِكم، وأقم الصلاة.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.