March 12, 2010

كيف نبني وكيف نهدم - إصبر صبر أيوب

في سلسلةِ الهدمِ والبناءِ لا يفوتَنا التحدثُ عن خُلُقٍ عظيمٍ يمثلُ اللبنةَ الأساسيةَ للتفكرِ والتدبرِ وتقصّي الحقائقِ ، ولا تخلو شخصيةٌ إسلاميةٌ مستقيمةٌ وسويةٌ منه بمفهومِه العقائدي من توكلٍ على اللهِ تعالى ونتيجته المؤثرة الظاهرة على النفسية فتجعلها نفسيةٍ راقيةٍ هذا الخلق هو الصبرُ. فالصبر لغةً: الحبسُ والكف، والصبر في أَسماء الله تعالى الصَّبُور - أي هو جل وعلا الذي لا يُعاجِل العُصاة بالانْتقامِ منهم. واصطلاحاً: هو حبسُ النفسِ على فعلِ شيءٍ أو تركِه ابتغاءَ وجهِ الله تعالى.

وأنواعُ الصبرِ ثلاثةٌ وهي - النوع الأول:صبرٌ على طاعةِ اللهِ وهو القيام بكل الفروض بإيمان وإحتساب مهما كانت شاقة ومهما احتاجت من تضحيات.
والنوع الثاني من الصبر: هو صبرٌ عن معصية الله. وهو كف النفس عن اتباع الهوى والتقيد بحكم الله تعالى في كل الأفعال وترك المحرمات والابتعاد عن كل الإغراءات في الدنيا وكبح الشهوات صبراً عليها.

اما النوع الثالث: صبر على الإبتلاءات والفتن، والرضاء بقضاءِ اللهِ تعالى وقدرِه. فهذا من عزم الأمور وإستقامة الحياة. وقد ضربَ سيدُنا أيوبُ عليه الصلاة والسلام أروعَ الأمثالِ في الصبر. فقد كان من الأغنياءِ، صاحبَ ثروةٍ ومالٍ وبنين، وكان يملكُ أراضٍ واسعةً وحقولاً وبساتينَ، وقد رزقه الله النعمةَ والرخاءَ فآتاه الغنى والصحةَ وكثرةَ الأهلِ والولد، فكان عبداً تقياً ذاكراً شاكراً ولم تَفتنه الدنيا ولم تخدعه، ثم ابتلاه اللهُ بسلبِ تلك النعمة، ففقد المالَ والأهلَ والولدَ ونشبت به الأمراضُ المضنيةُ الكثيرةُ لمدةِ ثَمانِيَ عشرةَ عاماً، فصبر على البلاءِ وحمدَ اللهَ وأثنى عليه، وصبر صبراً شديداً وما زال ثابتاً على حاله تقياً عابداً راضياً عنْ ربِّهِ جلَّ وعَلا، فكانَ بذلك عليه الصلاة والسلام فِي حالتَيِّ الرخاءِ والبلاءِ، شاكراً وصابراً ومثالا لعبادِ الله الصالحينَ في إرضاءِ الرحمنِ. والصبرُ أبرزُ الأخلاقِ الواردِ ذكرُها في القرآنِ الكريم، ومَا ذلكَ إلا لدَوَرانِ كلُّ الأخلاقِ عليهِ وصدورِها منهُ، فكلَّما قلبتَ خُلُقاً أو فضيلةً وجدْتَ أساسَها وركيزتَها الصَّبرَ، فالقناعةُ صبرٌ عَلى القَدرِ الكافِي منَ الدُّنيا، والحِلْمُ صبرٌ عنْ إجابةِ دواعِي الغضب، والوقارُ صبرٌ عنِ العجلةِ والطيشِ، والشجاعةُ صبرٌ عنِ الفرارِ والهربِ.

فإذا كانَ هذَا شأنُ الصبرِ معَ كلِّ الناسِ، فأهلُ الإيمانِ أشدُّ الناسِ حاجةً إليهِ؛ لأنَّهُم يتعرضونَ للبلاءِ والأذَى والفتنِ، ورُسُلُ اللهِ - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِم- أشدُّ أهلِ الإيمانِ حاجةً إلى الصبرِ، لأنَّهُم الذينَ يقومونَ أساساً بالدعوةِ ويجابهونَ الأممَ بالتغييرِ، و يقولُ رسولُ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم: أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ثُمَّ الأمثلُ فالأمثل" (رواه احمد والترمذي). ومن يتبع هذه الخطوات المباركة من حملة الدعوة يلاقون ما لاقاه الأنبياء من عقبات وابتلاءات، فعلى حامل الدعوة أن يكون دائماً صابراً صبر المحتسب والمتوكل على الله تعالى، حتى يمن الله تعالى على الأمة بالنصر.

فحُكْمُ الصبرِ أنَّه واجبٌ في حقِّ المؤمنِ، فما بالكم بحامل الدعوة الذي يأخذ بيد هذه الأمة ليخرجها من الظلمات إلى النور، ويدلُّ عَلى أن الصبر فرض على المؤمن قولُه تعالَى:"وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ " (البقرة 45). ويقولُ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليهِ وسلَّم: "إنَّ عِظمَ الجزاءِ معَ عِظَمِ البلاءِ وإنَّ الله تعالَى إذا أحبَّ قوماً ابتلاهُم فمَنْ رضيَ فلهُ الرِضَا ومنْ سَخِطَ فلهُ السُّخط" (الترمذي).

وهكذا ايها المسلمون فالصبر نعمةٌ عظيمة نجد أن الله تعالَى قرنَهُ بأركانِ الإسلامِ وقِيَمِه ومُثُلِهِ العُليَا، فمثلاً قرنَهُ الله تعالى بالصلاةِ وأمر المؤمنين بالإستعانة به،وقرنَهُ سبحانه بالأعمالِ الصالحةِ عموماً وكما جعلَه عز وجل قرينَ التَّقوى وجعله قرينَ الشكرِ، وأيضاً جعله قرينَ الحقِّ وأيضاً جعله قرينَ اليقين وأيضاً جعله قرينَ التَّوكلِ وكما جعله سبحانه قرينَ التسبيحِ والاستغفارِ، جعله أيضا قرين الجهادِ. ومنْ فضائِلِه الكثيرةِ أنْ علَّقَ الله الفلاح به وحدِه. وفيهِ جاءَ الإخبارُ عنْ مضاعفةِ أجرِ الصَّابرينَ عَلَى غيرِهم، وعُلِّقَتِ الإمامةُ في الدينِ بهِ فقد ربط الله تعالى النصرَ بالصبرِ والتقوى، وجعلَهم جل وعلا جنةً عظيمةً منْ كيدِ العدو ومكره. وايضا فيه أنَّ سبحانَه قد جعلَ محبَّتَه للصابرينَ ، وكما رتَّبَ المغفرةَ والأجرَ الكبيرَ عَلى الصَّبرِ والعملِ الصالحِ أيضاً حكمَ بالخسرانِ التامِّ عَلى كلِّ منْ لَم يؤمنْ ولم يعملِ الصالحاتِ، ولم يكنْ منْ أهلِ الحقِّ وأهل الصبر:"وَالْعَصْرِإِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" سورة العصر.صدق الله العظيم. يقولُ الإمامُ الشافعيُّ رحِمه الله عن هذه الآيات المباركات :"لو فكرَ الناسُ كلُهم في هذهِ الآيةِ لوسِعَتْهُم، وذلكَ أنَّ العبدَ كمالُه في تكميلِ قوَّتَيهِ: قوةُ العلمِ، وقوةُ العملِ، وهُما: الإيمانُ والعملُ الصالِحُ، وكما هوَ محتاجٌ لتكميلِ نفسِه، فهوَ محتاجٌ لتكميلِ غيرِه، وهوَ التواصِي بالحقِّ، وقاعدةُ ذلكَ وساقُه إنَّما يقومُ بالصبرِ". ورحِمَ الله تعالى شيخنَا ابنَ القيمِ الذي وصفَ الإيمانَ بأنَّه نصفانِ: صبرٌ وشكرٌ.

فأمرُ المؤمنِ في هذهِ الدنيا كلُّهُ خيرٌ ولا يسوؤُه ما فاتَه فيهَا، ولا يفرحُ بِما آتاهُ الله تعالى فرحاً يلهيه عن العبادة.

ولأنَّ حالَ الناسِ متقلبٌ فسنة الحياة أن تتغير الأحوال والظروف، فكان لا بدَّ للمسلمِ أن يتسلَّحَ بالإسلامِ وأحكامه الشرعية ويعيشَ بهِا كأسلوبٍ كاملٍ للحياةِ. ومنْ الأسلحةِ العقيدة الراسخة وأقواها سلاحُ التوكلِ عَلى الله تعالى في كل الأحوال، ثم إتخاذُ الأسبابِ والقيامُ بالمطلوبِ منَ الأعمالِ المفروضة عليه ثُمَّ الصبر وجهادُ النفسِ بالثبات على الحق. فالصبرِ يؤدي للتحصل على أعظمِ النتائجِ ألا وهِيَ الفوزُ برضَى المولَى عزَّ وجلَّ والجنانِ في الآخرةِ. حينها فقط تتحقَّقُ الأهدافُ العظيمة والتي كانت اول الأمر شبه مستحيلة وغير ممكنة، وتُنجَزُ الأعمالُ الجليلةُ مِنْ قِبَلِ الأفرادِ والمجتمعاتِ والدولِ.

وكمَا قالَ رسولُ الله عليهِ الصلاةُ والسلامُ " اللهمَّ اجعلْنَا منَ الصابرينَ والصالحينَ " اللهمَ آمينَ آمينَ وإلى لقاء آخر قريب أترككم في طاعة الله عز وجل والسلامُ عليكُم ورحمةُ الله تعالَى وبركاتُه.

المزيد من القسم null

    الخلافة العباسية

لا بد قبل ذكر إضاءات عن الخلافة العباسية، أن نذكر نبذة عنها، لقد حكمت الخلافة العباسية بعد قضاء العباسيين على الخلافة الأموية، ولقد بلغت الخلافة العباسية في بداية عهدها مبلغا عظيما من القوة والاتساع، والهيبة، ومرت بعدها عصور من القوة والضعف، فعصرها الأول كان العصر الأعظم، تعاقب على الحكم أثناؤه خلفاء عظام كالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، والمهم فلقد حكمت الخلافة العباسية خمسمائة وأربعة وعشرين عاما، وتعاقب على حكمها سبعة وثلاثون خليفة، وقد ضمت وهي في عنفوانها أربعة عشر إقليما تحت سلطانها، من الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي والأندلس غرباً، ومن جنوب سيبيريا وبلاد القفقاس شمالاً إلى المحيط الهندي وأواسط السودان جنوباً، وبمساحة تزيد عن اثنين وعشرين مليون كيلو متراً مربعاً، كما انضوى تحت سلطانها أيضاً الملايين والملايين من البشر يستظلون جميعا بظلال راية الإسلام، ينصهرون جميعا في بوتقة الإسلام، فالعربي والفارسي والكردي والإفريقي والبربري والهندي والصيني أحمرهم وأسودهم كلهم أو جلهم مسلمون حقا لقد كانت خلافة عظيمة، حق لأحد خلفائها أن يقول وهو مستلق على ظهره لسحابة مارة فوقه: أيتها السحابة أمطري حيث قدر لك فسيأتينني خراجك. دولة ملكت ناصية المجد في كل شيء، ملكت ناصية المجد في قوة الفكر، واتساع السلطان واتساع المساحة ووفرة المال وحسن العمران، دولة هابها أعداؤها وارتجف منها البيزنطيون، ونافقها الأوروبيون، وعلى رأسهم إمبراطورهم شارلمان.

والآن تعالوا معنا نعرج عن عدد من الإضاءات على تاريخ هذه الدولة وأول إضاءة هي تركز مفهوم الخلافة والإجماع على احترامها في عصور قوتها بل وحتى في عصور ضعفها وانه وان عارض بعض أمراء الأقاليم بعض الخلفاء، إلا أنهم كانوا يدركون أن الخلافة أجل من أن تمتهن أو تحتقر بل إن هؤلاء الأمراء والسلاطين كانوا يدركون أن لا شرعية لهم إلا بالاعتراف بالخلافة وطلب رضى الخليفة فكان هؤلاء مجمعين على احترام الخلافة وجلهم لم يجرؤ على التفكير في القضاء على الخلافة أو مجابهة الخلافة رغم أنه كان لديهم من الجيوش والقوى ما يتفوقون به على ما بيدي الخليفة, صحيح إنه بويع عبد الرحمن الناصر وعدد من أولاده وأقاربه بالخلافة في الأندلس إلا أن خلافتهم لم تطل أكثر من قرن اوسرعان ما قضي عليها وفرقها ملوك الطوائف وكذلك ما سمي بالخلافة الفاطمية في المغرب الأدنى ومصر وبعض مناطق الشام إلا أنها أيضا لم تعمر طويلا فسرعان ما انقض عليها وزراؤها وسرعان ما أزالها من الوجود صلاح الدين الأيوبي بأمر من نور الدين زنكي الذي كان حريصا على جمع الكلمة ورص الصفوف للقضاء على الخطر الصليبي تحت سلطان الخلافة العباسية.

أما الإضاءة الأخرى فهي المحافظة على عقيدة الأمة من التحريف وإيجاد التربة المناسبة والبيئة المناسبة لنبوغ عدد كبير من العلماء والأفذاذ فالأوزاعي والليث بن سعد وأبو حنيفة النعمان وتلميذه أبو يوسف ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل إلى جانب جهابذة علماء الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وغيرهم، إلى جانب علوم اللغةالعربية، فظهرت علوم عديدة وكتب قيمة كالبلاغة والعروض وازدهار علم النحو وظهور كتب كما قلت كموطأ مالك والأم للشافعي وكتاب المبسوط والمدونة الكبرى كل هذا ظهر في العهد العباسي ومدارس كالمدارس النظامية والجامع الأزهر بعد أن دعمه صلاح الدين والبيرمانستانات أو المستشفيات والمساجد الكبرى وما كان بها من حلقات للعلم كل هذا يعتبر مفخرة من مفاخر الخلافة العباسية في وقت كانت أوروبا تغط في سبات عميق وتخلف رهيب. حقا كانت حال أمتنا تسر الصديق وتغيظ العدو، يوم أن كان يحكمنا خليفة من جنسنا، أي خليفة مسلم يحكم بشرع الله، لا كما نحن عليه اليوم من الرويبضات، الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة تنفيذا وانصياعا وتسابقا لخدمة أسيادهم المستعمرين، قبحهم الله وقاتلهم أنى يؤفكون، ولن ننسى في العصر الحاضر ما يزينه مشايخ السوء مشايخ السلاطين والمنافقين لأسيادهم رويبضات هذه الأمة. ألا يتقي الله هؤلاء مشايخ السلطان في دينهم وفي أمتهم، الم يقرأوا موقف الإمام أحمد بن حنبل أمام المأمون والمعتصم وكيف كان صموده، إذ لم يأبه بتعذيب ولم يخفه السجن، فكان موقفه في منتهى الصراحة والجرأة، بل لم يقبل تورية في قوله، وإنما رفض إجابة المأمون والمعتصم لبدعة المعتزلة في خلق القرآن، فلقد خاف إذا قال تورية عن رأيه في هذه البدعة أن يُضل سائر الناس وقد علم القاصي والداني كم كان لموقفه من أثر عظيم في انهيار بدع خصومه, وبعد انهيارهم، لم تقم لفكرهم قائمة حتى الآن، هكذا يكون الثبات بل وهذه ثمار الثبات، هزيمة للفكر الضعيف إلى الأبد.

أيها السادة: ما ذكرت سابقاً اضاءات في ميادين الفكر والعلم والثبات على الحق وليست هذه الأمور ذات شأن بسيط وإنما قد يكون شأنها لا يقل عظمة عن حماية الثغور، وفتح البلدان لإعلاء كلمة الله، فإلى إضاءة أخرى في ميدان الجهاد ففي عهد هارون الرشيد، الذي كان يحج عاما ويغزو عاما، والذي عين على الثغور قادة عظاما كالمعتصم وسوس الشيطان لإمبراطور الروم أن يرسل رسالة يهدد ويتوعد المسلمين، طالباً من خليفة المسلمين أن يعيد الأموال التي أخذتها الدولة الإسلامية كجزية من دولة الروم، أخذ الخليفة الرسالة من رسول إمبراطور الروم، وقرأها فاستشاط غضبا، وتناول قلماً، وكتب على ظهر رسالة الإمبراطور: من أمير المؤمنين هارون الرشيد، إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه دون أن تسمعه، وأرسل جيوش من ساعته، فوصلت الجيوش أرض الروم، فغزت وانتصرت ولم تتوقف عن الغزو إلا بعد أن تعهد إمبراطور الروم بدفع جزية مضاعفة. أما المعتصم وما أدراك ما المعتصم، فلقد ضرب مثلاً رائعاً للنخوة، وحماية الثغور لا يزال رحمه الله يعتبر مثالاً للنخوة والمروءة وعلو الهمة، فلقد اعتدى الروم على الثغور، وسفكوا الدماء وسبوا النساء وأهلكوا بعض الحرث والنسل، وبخاصة في مدينة زبطرة الحدودية، فصرخت امرأة مسلمة في وجه علج رومي قائلة وامعتصماه، مستنجدة بالمعتصم أمير المؤمنين فهزئ بها العلج الرومي، وقال سيغزونا المعتصم بخيله البُلُق وبلغت الاستغاثة الخليفة في سامراء وكان عل مائدة الطعام فأمر برفع المائدة في الحال وأمر بإرسال جيش سريع لنجدة الثغور وبخاصة زبطرة ثم دقت طبول الحرب في مختلف أنحاء الدولة وتجمع جيش لجب، يقوده الخليفة المعتصم، تتقدمه الخيل البلق، سار حتى وصل أرض العدو، فقاتل وانتصر، وأمعن في غزو الروم، حتى وصل إلى عمورية جنوب أنقرة، وكانت مدينة حصينة، فحاصرها حتى تم فتحها، فعاقب الأعداء وأعاد الأسرى وشحن الثغور بالجنود لكي لا يتمكن الروم من الاعتداء على الثغور مرة أخرى وقد خلدت انتصارات المعتصم في يوم عمورية خلدها أبو تمام بقصيدته الرائعة والتي مطلعها:

السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

إلى أن قال:

تسعون ألفا كآساد الشري نضجـت جلودهم قبل نضج التين والعنب

هذا تاريخكم أيها الشباب، هذا تاريخكم يا شباب الإسلام.

قارنوا ما فعله هارون الرشيد والمعتصم، عندما هبا لسحق الكفر ورد العدوان وإغاثة المستغيث ونجدة الملهوف، قارنوا بين الرشيد والمعتصم، وبين حكامنا في العصر الحاضر كم أزهق اليهود من أرواح طاهرة بريئة عزلاء من السلاح، كم أهلك الأمريكان في العراق وأفغانستان من الحرث والنسل، كم أهلك الروس والصرب وكم أهانوا وأهانوا إخوانكم وأخواتكم المسلمات كم امرأة استصرخت ولا تزال تستصرخ كم أرملة فقدت زوجها، كم أما فقدت أطفالها، كم شيخا فقد من يعيله ويعينه، كم وكم....... ولا من مجيب!! إن حكامكم أيها السادة ليسوا أهلا للمجد ليسوا أهلاً للعز، ليسوا أهلاً للمكرمات إنهم أذلة صاغرون خاسئون لم يكتفوا بعدم حماية البلاد والعباد وإنما كانوا عونا للكفار المستعمرين، طاردوا ويطاردون حملة الدعوة إرضاء لأسيادهم المستعمرين وفتحوا بلاد المسلمين براً وبحراً وجواً فتحوا خزائن المسلمين يرفدون بها الكفار المستعمرين سهلوا تحقيق كل ما يطلبه وما يتوقعه الكفار المستعمرين فسحقاً لهم، ولله در الشاعر القائل:

رُبَّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

ولله در الشاعر القائل أيضا:

لقد أسمعت من ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي

يا شباب الإسلام: الصبرَ الصبرَ والثبات الثبات فسيمحو نور الفجر فحمة الدجى وسيمحق الباطل وأهله والله غالب على أمره وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

قال تعالى:

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:32-33)

فالله نسأل أن يجعلنا ممن يحملون رايته لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة التزاماً بأمره وطمعاً في ثوابه ومغفرته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

حياكم الله من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وأهلاً بكم معنا مجدداً في برنامجنا هذا من أقوالهن عبر ودروس سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ويغفر لنا ويرحمنا وهو نعم المولى ونعم النصير .

مستمعينا الكرام :
من منا لم يسمع بقصة ذات الشكال ولم يتخذها مثلاُ عندما يذكر اسم الصحابيات أو التابعيات أو المسلمات المؤمنات الصابرات القانتات؟ هذه المرأة التي بعثت بوحيدها إلى ساحة الجهاد هدية وأوصته بأن يكون من المقبلين لا المدبرين ، ولنسمع قولها عند عودة قائد الجيش أبو قدامة وسؤالها له قائلة :
"أمبشراً جئت أم مُعَزّياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: تَقَبّلَها. قلت: نعم فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة ".


وكذلك لا ننسى الخنساء وهي تقول حين سماعها نبأ استشهاد أولادها الأربعة " الحمد لله الذي شرفتي بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " ، وليس ببعيد نرى في غزة هاشم أم نضال فرحات( مع اختلافي معها في الطريقة ) والتي استشهد ثلاثة من أولادها في غزة والتي كانت تعلم عن نية ولدها القيام بعملية استشهادية وظهرت معه في شريط وداع وهي تقول " تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أُقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة".

صور وأقوال ومواقف رائعة نعجز عن وصفها بالكلمات ، مواقف تنم عن إيمان وصبر وثبات وثقة بالله ووعده ، لم يجزعن على أولادهن ويثبطن عزيمتهم ، بل بالعكس دفعنهم إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، هي مواقف تشعرنا بالفخر وعزة الإسلام وقوته ، وكذلك تُشعر الكثيرين بالخجل حين يقفون أمامهن، أمهات حنونات معطاءات قمن بعمل عجزت عنه أعتى الرجال من الذين أبعدوا أبناءهم عن ساحة الجهاد والفوز بالجنة ليستمتعوا بصحبتهم وبهذه الدنيا الفانية ، أعطين دروساً في التضحية والثبات وقوة الإيمان بأن الآجال مقدرة من عند الله وأن الفوز بالشهادة هي النصر والمنتظر .


هؤلاء وأمثالهن هن مصنع الرجال ،، صانعات الأمة ، ربوا أولادهن على الإيمان الراسخ وطاعة الله ورسوله ليكونوا خير خليفة لله سبحانه على الأرض،بالعمل على إحياء كلمته ودينه وأن أسمى غاياتهم هي نيل رضى الله تعالى ، يرضعونهم هذه المفاهيم والسلوكيات حتى إذا شبوا كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم .


فأين أنت يا أمَة الله من هؤلاء في تربية أبنائك ؟ هل تربينهم على ما أنشأَتْ عليه هؤلاء المؤمنات الصابرات المجاهدات أبناءهن ، أم تربينهم على أسس الحضارة الغربية الفاسدة والمفاهيم الرأسمالية العفنة ؟! هل تربينهم على طاعة الله وعلى تلاوة القرآن والتفكر به والعمل بأحكامه أم تربينهم على أفلام الكرتون والأغاني الماجنة والمسلسلات الساقطة وعلى أفلام الفسق والعنف ، والذهاب إلى أماكن التبرج والاختلاط ، وإذا لبسوا أو قصوا شعورهم فهم يقلدون الغرب في صيحاته وشذوذه وفساده ويعتبرون هذا تقدماً وحضارة فتتفاخرين وتتباهين بهم ، وبئست المباهاة وبئست الحضارة .

ما هي الأحاديث التي تدور بينك وبين أبنائك ،، حول أمور الأمة وأحوالها وهمومها ومصائبها وطريقة التخلص من هذا كله أم ينصب الحديث على توافه الدنيا وملهياتها ؟! هل تخططين معهم كي يعملوا لنهضة أمتهم والرقي بها لتعود خير أمة أخرجت للناس أم فقط تخططين معهم لمستقبلهم الدنيوي من شهادة وبيت وزواج ومنصب وجاه ؟! هل يُذكر الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله في كلامكم أو تبتعدوا حتى عن ذكر الموت والآخرة فهذا كلام لا داعي له وهو يثير الخوف والتشاؤم ؟! فلا أريدك أخيتي أن تربيهم للدنيا وليس للآخرة عندك نصيب في هذا . حتى لا يصيبهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت .

ننظر حولنا فنرى بعض الناس يبعدون أبناءهم بل ويمنعونهم عن حمل الدعوة بحجة الخوف والإشفاق عليهم ، فيريدون منعهم للحفاظ عليهم حتى لا يصيبهم مكروه أو تلاحقهم السلطات أو يتعرضوا للسجن والتعذيب ، وإنه والله إشفاق في غير محله , فأي شفقة هذه التي تؤدي إلى التقصير في أداء فروض الله عز وجل , وتكون نتيجته غضبٌ من الله وخسران مبين . هل ستننفعهم هذه الشفقة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، يوم توفَّى كل نفس ما قدمت وهم لا يظلمون !


وبدل أن يدفعوهم ويحثوهم على حمل الدعوة والتقيد بأحكام الله تعالى والقيام بفرائضه ويحاسبونهم إذا رأوا تقصيراً بهذا ، تراهم يؤنبونهم على حمل الدعوة نفسها ولا يحاسبونهم على التقصير في تأدية فرائض الله تعالى .

وسأعقد هنا مقارنة بسيطة بين وضعين : غلام أو فتاة أو شاب لا يستيقظ لصلاة الفجر رغم أن أمه أو أبيه أيقظاه لذلك مرة أو مرتين فيذهبان عنه يائسين مالَّين منه ، ولكن عندما يأتي وقت المدرسة أو العمل وهو نائم تراهما يذهبان ويعودان ولا يكلّان حتى يستيقظ خوف أن يتأخر عن مدرسته أو عمله ، فبالله عليكم إخوتي وأخواتي أين حب الوالدين لأبنائهم هنا ؟؟ أين حُسن رعايتهم والإشفاق عليهم ؟ يخافون عليهم من العقاب للتأخير في الدوام ولا يخافون عليهم من عقاب الله لعدم تأدية فرض صلاة الفجر في وقته ، وقيسوا على هذا أعمالاُ وسلوكياتٍ ومفاهيم كثيرة وعديدة في حياتنا نرى فيها التناقض وحب الدنيا على العمل للآخرة.

وأعود لأختي الأم المربية الحنون الرؤوم وأقول لها إن اللهَ سبحانَه وتعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وأدعوها لإعادة التفكير في أسلوب تربيتها ونهجها في الحياة نحو أبنائها ، وليكن لها في ذات الشكال والخنساء وغيرهما قدوة حسنة وسراج ينير لهن الطريق ، وليكنَّ نِعم الأمهات المؤمنات الصابرات المجاهدات اللواتي يزرعن روح الجهاد والعمل لإحياء دين الله وإعادة حكم الإسلام على الأرض ،، كوني أختي مصنع الرجال وصانعة الأمة لتنالي خير الدنيا وعز الآخرة بإذن الله تعالى .


وأسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياك إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مسلمة