لباس التقوى
February 13, 2010

لباس التقوى

«يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر» (الأعراف:26)

جاء في كتاب (دمّروا الإسلام أبيدوا أهلهُ) للكاتب محمد العالم: «أثناء إحتلال فـرنـسا للجزائر - من أجل القضاء على الإسلام في نفوس شباب الجزائر -قامت الحكومة الفرنسية سنة 1962م بتجربة عملية لاختبار قدرتها في التأثير على أهل الجزائر؛ فـقامت بانـتـقاء عـشـرة فـتـيات مسلمات جزائريات، لا تتجاوز أعمارهن العشر سنوات وأدخلتهن في المدارس الفرنسية، ولقنتهن الثـقـافة الفرنسية، وعلمتهن اللغة الفرنسية، وطريقة الحياة الفرنسية في اللباس والطعام والشراب فأصبحن كالفرنسيات تماماً. وبـعـد أحـد عـشـر عـاماً مـن الجهود، قدمت الحكومة حفل تخرج رائع دعي إليه الوزراء والمفكرون والصحفيون وعلى رأس الحفل وزير المستعمرات الفرنسي «لاكوست» والذي كان متحمساً جداً لتلك الفكرة وداعماً لها من البداية، وبعد الإنتهاء من تقديم الكلمات والخطب جاء وقت تقديم أولئك الفتيات، وفي مشهد مهيب مؤثر، ولحظة تاقت لها العيون والأبصار، يفاجأ الجميع بالفتيات الجزائريات يدخلن بلباسهن الإسلامي... بكل فخر وعزة.. ودون خوف من أحد على وجه الأرض إلا الله الذي خلقهن وأمرهن بالستر والعفة.. فكان مشهداً عظيماً مؤثراً، إهتزت له فرنسا وثارت ثائرة الصحف والمجلات الفرنسية، وتساءلت: «ماذا فعلت فرنسا في الجزائر إذاً بعد مرور مائة وثمانية وعشرين عاما؟! فماذا كان جواب وزير المستعمرات بعد أن أُسقِطَ في يده..!! لقد أجاب جواباً سيبقى محفوراً في ذاكرة الغرب والشرق.. فقال قولته الشهيرة: وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟».
لقد أدرك الغرب أن المسلمين لديهم كتاب أقوى من كل البشر- وهو القرآن الكريم- وأن إيمان المسلمين به لا تزعزعه قوة على وجه الأرض، فلا الإستعمار ولا الإحتلال ولا التعذيب ولا القتل ينفع لإبعاد المسلمين عن كتاب ربهم أو صرفهم عن عقيدتهم. لذلك قرروا أن يحاربوا الإسلام من الداخل، ومن أخبث أساليبهم في ذلك أنهم وظفوا بعض العلماء العملاء ممن يحملون شهادات عليا في الشريعة والفقه، وغايتهم صرف المسلمين عن دينهم بدعوى إعادة صياغة الإسلام ليواكب الغرب ويُظهرَ المسلمين بمظهر حسن وكأن الإسلام لا يكون صالحاً إلا إذا رضي عنه الغرب.
أما المرأة المسلمة والتي هي حجر الأساس في المجتمع الإسلامي، فقد كادوا لها بكل السبل وحاولوا أن يفتنوها ويخرجوها من ثوبها الطاهر ليجعلوها تظهر كالمرأة الغربية، ولكنهم وجدوا فيها صلابة وقوة وثباتاً عظيماً، وإنها تُفَضِلُ الجوع والقهر والحرمان على أن تخلع ثوب عزتها وكرامتها، الثوب الذي إختاره لها ربُها ليكون لها وقاراً وصونا وحفظاً، فانظر صمود المسلمة في فرنسا بعد الحرب الشرسة التي شنتها على حجاب المسلمات في السنوات القليلة الماضية، فهل استطاعوا منع المسلمة من لبس حجابها؟ وماذا فعلت تركيا الدولة التي يفترض أنها تدين بالإسلام، عندما حاربت حجاب المسلمات وحاولت منعهن من ارتدائه، كذلك النظام الإجرامي في تونس ماذا صنع بالمحجبات، هل استطاعت كل تلك القوى أن تجبر المرأة المسلمة على خلع حجابها؟ والجواب أن هذه المرأة المسلمة -العزيزة بدينها- كانت كالرواسي الشامخات لم يستطع أحد أن ينال من عزيمتها أو يحرفها عن أمر ربها. ولذلك قرر الغرب أن يتخذ شكلاً جديداً لحربه على اللباس الشرعي وأن يدخل مدخلاً شيطانياً إلى عقول النساء المؤمنات حتى يصرفهن شيئاً فشيئاً عن لباسهن الشرعي كما وَسْوَسَ الشيطان لآدم عليه السلام في الجَنة.
فبدل أن يدعوا إلى خلع اللباس الشرعي قرروا أن يدعوها إلى إرتداء اللباس (الشرعي) فبدأوا بالترويج للألبسة (الشرعية) في بلاد المسلمين وذلك باستخدام الفضائيات والمجلات والصحف، و بدؤوا بالتسويق «لألبسة شرعية» واختراع «موديلات» جديدة تتناسب و«الموضة» العصرية حسب وصفهم وقالوا للمسلمة: من قال أن المحجبة لا تستطيع أن تكون جميلة وانها لا تستطيع أن تواكب تطورات الأزياء العالمية، فاخترعوا لها ألبسة مزركشة ألوانها فاقعة تسر الناظرين، وأثواباً مفصِّلة تظهر محاسن جسدها وجماله، وأخرى ضيقة، وأخرى شفافة، ولا مانع إذا لبست بنطالا جميلاً وإن كان مُفصّلا ولكنه يستر، وغطاء رأس يتماشى مع تسريحة شعرها الجميلة ولا ضير من إظهار قليل من الشعر فهو يعطي لمظهرها رونقاً وجمالاً خاصاً. وهكذا استطاعوا أن يحرفوها كلياً عن المعنى الحقيقي للِّباس الشرعي، حتى أصبحتَ ترى في بعض الحالات المرأة المسلمة تلبس تماماً كما تلبس المرأة الغربية مع فارق بسيط هو أن الأولى تضع على رأسها قطعة قماش جميلة تسمى «منديلاً» أو «إشارب» لا يكاد يستر شعرها والثانية كاشفة الرأس، كل ذلك تحت مسمى اللباس (الشرعي)، وللأسف أنهم نجحوا في ذلك نجاحاً عظيماً، حتى أن تلك الظاهرة انتشرت في أغلب بلاد العالم بين المسلمات وأصبح الأمر مستساغاً تراه في المدرسة والعمل والشارع وعلى جميع محطات الإعلام والصحف والمجلات وحتى في المساجد، وكأنه اللباس الذي أمر به سبحانه وتعالى، وما زاد الطين بِله، أن بعضاً ممن يدعون للإسلام يُرَوجون لهذا النوع من اللباس اللاشرعي ويُضفون عليه الصبغة الشرعية فكان لا بد من وقفة سريعة مع معنى اللباس الشرعي وأدلته مع أن هذا الأمر مما نقلته الأمة تواتراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معلوم من الدين بالضرورة ولكن لا ضير من التذكير فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
أما أدلة الكتاب، فيقول الحق سبحانه: «يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ» (الأحزاب:59) أي أن إظهار الزينة لغير المحارم فيه أذىً للمرأة والمجتمع. وقال سبحانه: «وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ» (النور:31) وهذا دليل على وجوب ستر كامل جسمها وعدم إظهار الزينة إلا للمحارم.
أما أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا فهي كثيرة، ففي حديث عائشة (رضي الله عنها): «كان النساء يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينصرفن متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس» (متفق عليه)، والغلس ظلمة الليل. وهذا دليل على أن الحجاب والتستر كان هو حال نساء الصحابة رضي الله عنهم، وفي حديث أم عطية قالت: «أَمَرَنَا رَسُولُ أللهِ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى،‏ الْعَوَاتِقَ ‏وَالْحُيَّضَ وَذَوَاتِ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ، قَالَ: ‏لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» (رواه مسلم). والجلباب عند نساء الصحابة ما كان يستر جميع بدنها ورأسها ولا تخرج إلا به. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «‏مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ ‏خُيَلَاءَ ‏ ‏لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ ‏ ‏بِذُيُولِهِنَّ ‏ ‏قَالَ يُرْخِينَ شِبْرًا فَقَالَتْ إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» (رواه الترمذي). وهذا دليل على أن ثوب المرأة يكون ساتراً جميع الجسد مُسدلاً حتى أسفل القدمين.
وهناك الكثير من الأدلة المستفيضة التي تصف اللباس الشرعي للمرأة وتفصّل فيه وقد لخصنا منها ما اتفق عليه علماء الأمة وهي كما يلي:
أولا: أن يكون اللباس ساتراً جميع بدن المرأة ما عدا الوجه والكفين وقد أوردنا الأدلة على وجوب ذلك سابقاً.
ثانياً: أن لا يكون اللباس مُظهراً لمواضع الزينة. قال تعالى: «ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو أبائهن....الأية» (النور:31) فلا يظهرن مما هو محل الزينة كالأذنين والذراعين والساقين.والقدمين والرقبة.
ثالثاً: أن يكون الحجاب صَفيقاً ثخيناً لا يشف. لقوله عليه السلام: «إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يُرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» (رواه أبو داوود) وهذا دليل على أنه لا يجوز أن يُرى من جسم المرأة إلا الوجه والكفين، لذلك لا يصح أن يكون الثوب شفافاً بحيث يُظهر الجلد أو لون الجلد من تحته.
رابعاً: أن يكون فضفاضاً واسعاً غير ضيق ولا مفصلاً لجسمها. لقوله عليه السلام لزيد: «مُرها أن تجعل تحتها غِلالة فإني أخاف إن تصف حجم عظامها»(رواه أحمد).
أما غطاء الرأس فيجب أن تلبس خماراً أو ما يقوم مقامه من لباس يغطي جميع الرأس وجميع الرقبة وفتحة الثوب على الصدر، ودليل ذلك قوله تعلى «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ» قال ابن كثير» وَلْيُلْقِينَ خُمُرهنَّ , وَهِيَ جَمْع خِمَار , عَلَى جُيُوبهنَّ , لِيَسْتُرْنَ بِذَلِكَ شُعُورهنَّ وَأَعْنَاقهنَّ وَقُرْطهنَّ» أي يلوين أغطية رؤوسهن على أعناقهن وصدورهن ليخفين ما ظهر من العنق والصدر.
أما من يقول بأنه يجوز للمرأة المسلمة أن تلبس البنطال وتخرج به دون جلباب فوقه فقد استند بذلك إلى الحديث الذي يُروى عن مجاهد في قوله «أن امرأة كانت تركب دابة فسقطت من عليها فغض رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره فقال له الصحابة يا رسول الله إنها متسرولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :رحم الله المتسرولات»، نقول إن هذا الحديث هو حديث موضوع فقد ذكره الإمام ابن الجوزي رحمه الله في الموضوعات، وقال: حديث منكر لا أصل له، وذكره الإمام ابن عراق رحمه الله في «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة» ص272، وذكره العلامة الشوكاني رحمه الله في «الفوائد المجموعة ص 189»، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة الموضوعة. فالحديث إذاً موضوع لا أصل له. ولو فرضنا أن الحديث كان صحيحاً وأراد بعضهم أن يأخذ به، فالحديث لا يفيد بجواز خروج المرأة في الحياة العامة بالبنطال بل إنه مدح تلك المرأة التي كانت ترتدي السروال تحت جلبابها، وهذا فيه تأكيد على الستر حتى تحت جلبابها، ولذلك لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها ولا بحال من الأحوال إلا بجلباب تلبسه فوق ثيابها فلا يجوز لها مطلقاً أن تخرج بالبنطال وحده وإن كان ساتراً للعورة لأنه يظهر محاسنها ومفاتنها وفي ذلك منكرٌ عظيم.
هذا من باب الأدلة الشرعية التي بينت معنى اللباس الشرعي عند المسلمات وتميزه واختلافه عن لباس غير المسلمات، أما عن أثره في المجتمع فإن لباس المسلمة أشبه ما يكون بالدرع الحصين الذي يحمي المرأة من الأذى والتعدي ويحمي المجتمع من الفتن والضلال فيصرف عن الشباب مصدر الفتن والهوى ويحفظ الأسرة من الإنحلال والتفكك. وهنا نورد بعضاً من مقال بعنوان « البرقع مقابل البكيني» للكاتب الكندي د. هنري ماكاو -باحث وأستاذ جامعي يعنى بالشؤون الإجتماعية- وقد استخدم كلمة (برقع) بدل (الجلباب) حيث يقول: «على حائط مكتبي يوجد صورتان، الأولى صورة إمرأة مسلمة تلبس الجلباب (البرقع) وبجانبها صورة متسابقة جمال أمريكية لا تلبس سوى «البكيني»، المرأة الأولى تغطت تماماً عن العامة والأخرى مكشوفة تماماً» ويقول: «لست أدافع عن الجلباب ولكني أدافع عن بعض القيم التي يمثلها الجلباب لي، فهو يمثل تكريس المرأة نفسها لزوجها وعائلتها حيث تركيز المسلمة منصب على بيتها والعيش مع أطفالها وتربيتهم، فهي الصانعة المحلية، وهي الجذر الذي يُبقي على الحياة الروح العائلية، هي التي تربي وتعلم أطفالها وتمدُ يدَ العون لزوجها وتكون الملجأ له، وعلى النقيض تماماً الصورة الثانية، ملكة الجمال الأمريكية وهي ترتدي «البكيني» تختال شبه عاريةٍ أمام الملايين على شاشات التلفزة، وهي ملك للعامة تعرض جسمها للمزايدة بأعلى الأسعار...إنها تبيع نفسها بالمزاد العلني كل يوم» ويقول: «إن مقياس المرأة الأمريكية هو جاذبيتها للرجل، فهي تعرف العشراتِ من الذكور قبل زواجها حتى تفقد براءتها التي هي جزء من جاذبيتها فتصبح جامدة ماكرة غير قادرة على الحب مما يجعلها امرأة عدوانية مضطربة لا تصلح أن تكون زوجة أو أماً وإنما هي للإستمتاع الجسدي فقط... لا أدافع عن الحجاب، ولكن إلى حدٍ ما بعض القيم التي يمثلها خاصة عندما تهب المرأة نفسها لزوجها وعائلتها، هذا التواضع والوقار يستلزم مني هذه الوقفة»
نعم، هذا ما قاله شاهد القوم فينا، أفلا تفخر إذاً بنت الإسلام بما حباها الله من شرف وعز في الدنيا والأخرة! ألم يكن هذا اللباس كالمنارة يحتذى بها في سالف الأيام ؟ ألم يكن هو «الموضة» و»الموديل» التي كانت نساء أوروبا والعالم تقلده؟ وآثاره لا تزال شاهدة حتى اليوم، فمن ذهب إلى اليونان أو بلغاريا أو المجر اليوم فسوف يرى نساءً ولا سيما كبار السن ما زلن يلبسن غطاء الرأس ويسترن أجسامهن مع أنهن لسنَ مسلمات، فقد كانت هذه الدول تنظر للمسلمين أيام عزهم نظرة المثل الأعلى وكانت نساء العالم يقلدن نساء المسلمين في لباسهن وطريقة عيشهن، حتى أن بعضهم كان يفخر على قومه إذا تحدث بلغة المسلمين ألا وهي اللغة العربية، وقد كان موضوع اللباس في تلك البلاد سائداً حتى أصبح أشبه بالعادة أو التقليد الشعبي عند نساء تلك البلاد.
بقي أن نقول أنه في عالم الأزياء اليوم يُقال أن هذا «الفستان» صممه أحد أشهر مصممي الأزياء في العالم كالمصمم الإيطالي أو الفرنسي «فلان» ولبسته أشهر الممثلات أو عارضات الأزياء في العالم مما يجعل ثمن هذا الثوب يرتفع إلى آلاف الدولارات أو مئات الآلاف، أما في عالم الأزياء الإسلامي واللباس الشرعي الحقيقي فإن المسلمة تفخر على العالم كله بأن الذي صمم ثوبها بهذا الوصف هو رب العزة جل في علاه، ولبسته أعظم وأطهر النساء على وجه الأرض، فقد لبسته أمهات المؤمنين وزوجات الصحابة رضوان الله عليهن أجمعين فأي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً ؟!!
فيا أخت الإسلام لا يغرنك كيد الحاقدين ولا تغرنك أساليبهم الخبيثة ليصرفوك عن شرع الله ولا تظني أن ما يفعلوه حباً لك بل هو مكر الليل والنهار حتى يُنزلوك من قمة الطُهر والعفاف إلى حضيض الفجور والفساد، ولكنك الأعلى والأعز والأغلى عند الله، بل أنت عند أخيك المسلم الجوهرة الثمينة التي ترخص من أجلها الأرواح كما قال عليه السلام: «ومن قُتل دون أهله فهو شهيد»، فالمسلم يقدم روحه ليحفظ أهله وعرضه.
فيا بنت خير أمة أخرجت للناس..! كوني مع الله ولا تبالي، واعلمي أن الله وعدك يوماً تكونين فيه من سادة أهل الأرض وتعودين المثل الأعلى والنبراس الذي يحتذى به في شتى بقاع الأرض كما كنت إلى عهد غير بعيد وما ذلك على الله بعزيز.

ابو زيد

المزيد من القسم اجتماع

الخلافة والذميين

إنه مما لاشك فيه أن ما يسمى بثورات الربيع العربي قد أثرت تأثيراً عميقاً على شعوب العالم الإسلامي وسيكون لها التأثير الكبير على العالم أجمع وستكون نقطة تحول في تاريخ الأمة الإسلامية.

فقد أظهرت هذه الثورات أن الشعوب قد كفرت بحكامها وأنظمة حكمهم وليس هذا فقط بل كفرت بكل السياسات الرأسمالية المطبقة في العالم بعد أن ظهر فسادها وهي تتطلع لبديل حضاري كفيل بمعالجة الأزمات المستعصية في بلادهم ليكون بديلاً عن النظام الرأسمالي الذي انتهت صلاحيته وظهر عجزه وفساد قيمه ومقاييسه المتناقضة.

وهذا البديل تراه الشعوب الإسلامية في مشروع الإسلام الحضاري عقيدة ونظاماً للحياة ترى فيه الهدى والرحمة للناس كافة، وليس أدل على ذلك من فوز الحركات الإسلامية التي جرت في انتخابات تونس والمغرب ومصر، وكذلك التأييد الكبير لهم في ثورة ليبيا وفي الجزائر من قبل، ومع هذا النجاح الكاسح للإسلام أخذ العلمانيون واليساريون وكل القوى السياسية التقليدية في البلاد الإسلامية والأقليات الغير إسلامية والظلاميين بإظهار معارضتهم لتطبيق الشريعة وإظهار مخاوفهم من الدولة الإسلامية وتشبيهها بالدولة الدينية وباستبداد الأكثرية، وأخذوا يثيرون الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي لا علاقة لها بالإسلام ودولته كمفهوم الدولة الدينية التي هي مفهوم غربي لا يعرفه الإسلام وأخذوا يطالبون بالدولة المدنية وبالتداول السلمي للسلطة ولا يريدون أن تَحكم الغالبية المسلمة برؤيتها الإسلامية بل يريدون أن نحكم برؤيتهم هم حتى أنهم أفرغوا الديمقراطية التي ينادون بها ويدعونها من مضمونها وأخذوا يشككون في صلاحية الإسلام للتطبيق مدعين عدم مناسبته للعصر ثم تدخّلوا في تفصيلات الشريعة واستنكروا أن تُطبق على غير المسلمين وكأنّهم اعتبروا المسلمين طائفة مثل بقية الطوائف الأخرى، ويستنكرون مصطلحات شرعية كمصطلح الجزية أو وصف غير المسلمين بالكفار.

وهنا يجب الإشارة إلى بعض المسلّمات عند المسلمين:

1- إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بشريعة الإسلام فيها حلول لكل المشاكل وللناس كافه، قال تعالى :
" ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين"

2- إنّ من لا يؤمن بالإسلام، لا يجوز له الخوض في التشريعات الإسلامية باجتهاد منه فهو ليس أهلاً لذلك ولا يُناقش في فروع الإسلام، وله الحق فقط أن يسأل عن حكم مسألة بعينها ليعرف حكمها من أهلها.

3- إن مشروعاً إسلامياً لا يقوده من كفر به و كذلك مشروعاً رأسمالياً لا يقوده شيوعي كفر بالرأسمالية، وكذلك المشروع الشيوعي لا يقوده رأسمالي كفر بالشيوعية، فلا تداوُل للسلطة بين الشيوعي والمسلم والرأسمالي في أي مكان في الدنيا، لا عند المسلمين ولا عند غيرهم، والأنظمة القائمة تشترط في المسلم الذي يريد أن يلج الحياة السياسية أن يتخلى عن إسلامه ويلتزم بالعلمانية ويصرح بالإيمان بها .

أمّا بعض المُصطلحات وخاصة وصف الكفر لمن لا يؤمن بالإسلام فهو وصف واقع مطابق لواقعه، فهم قد كفروا بالإسلام فهذا واقعهم ولا يقولون هم غير ذلك، فإن كانوا يرون ذلك مذمة فعليهم الرجوع عن كُفرهم بالإسلام والدخول فيه، وإلا فليفتخروا بكفرهم إن كانوا يرون ذلك حقاً.


وقد أخبر الله سبحانه تعالى بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام ومن معه قد كفروا بما عليه قومهم من عقيدة وافتخروا بذلك ولم يعتبر القرآن ذلك مذمة لهم بل اعتبرها مدحاً لهم حين أخبر بأنهم كفروا بما عليه قومهم، قال تعالى :

"قد كانت لكم أُسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرءاء منكُم وممّا تعبُدون من دون الله كفرنا بكم "

وأمّا موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين فسأتناوله بشيء من الإيجاز الميسّر لعلنا نقف على عظيم شرع الله وعدله وإنصافه، لكل رعايا دولته مما حفظ لهم دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأولادهم وعيشهم الكريم الذي لم توفره لهم دولهم التي قامت على أساس دينهم في الماضي والحاضر.

ونظرة سريعة في تاريخ الغرب في القديم والحديث يجد الباحث نفسهُ عاجزاً عن تسجيل جرائم دول الغرب في حق شعوبهم والشعوب التي ابتُليت بأنظمتهم ونفوذهم لكثرتها وبشاعتها ووحشيّتها.

مثال على ذلك الصراع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك الذي استمر لقرون طويلة بين الانجليز والايرلنديين ومحاكم التفتيش في أوروبا والحروب الاستعمارية الصليبية.

وعندما نأتي إلى التشريع الإسلامي نجد حقيقة مطلقة وقطعية مفادُها أنّ الإسلام شرّع الأحكام لمُعالجة أحوال الناس بصفتها تشريعات تُعالج واقع الإنسان بوصفه إنسان بغض النظر عن معتقده، فالرّبا والقمار والاحتكار والزنا جرائم، بوصفها فعل مدمّر للمُجتمع يعاقب فاعلهُ بغض النظر عن عقيدته، وكذلك سائر المعاملات في الصناعة والتجارة والزراعة والمعاملات المالية وغيرها الكثير، وشرّع عقوبات صارمة للمخالفات حسب نوع المخالفة سواءٌ أكان المُخالف مُسلما أم غير مُسلم أي أنه شرّع نظاماً راقياً للمُجتمع يُطهره من كل دنس يتساوى فيه جميع أفراد الرعية بغض النظر عن أديانهم وألزم الناس به بوصفه التشريع القانوني فقط.

وطُبق هذا النظام على النحو التالي :

1- في جانب العقائد والعبادات:

لم يقبل الإسلام من الناس إسلامهم إلا عن قناعة ذاتية ومرضاة لله، ولذلك لا يُكره أحد على الإسلام، قال تعالى : " لا إكراه في الدين " فأقر الإسلام أهل الأديان على عقائدهم وعباداتهم ولم يتدخل فيها، رغم أنه يرى فسادها.

2- في جانب مطعوماتهم ومشروباتهم:

لقد ترك الإسلام لأهل الأديان مطعوماتهم ومشروباتهم مادام دينهم يجيزها لهم دون انتهاك للحياة العامة، وجَعَل التعدي على خمر في ملك نصراني مخالفة يُعاقب من تعدّى عليه.

3- في جانب أحوالهم الشخصية: الزواج والطلاق والمواريث وكل ما يتعلق بذلك جعل لهم الحق في أن يُجروها وفق معتقداتهم لا يتدخل فيها أيضاً بل يُعين لهم منهم خبيراً ليقوم بفض نزاعاتهم وفق أديانهم.

4- ما تبقى من أحوال مثل حقوق الرعاية وأمور المعاملات والاقتصاد وحق الإنصاف والانتصاف، تطبّق التشريعات عليهم وعلى المسلمين سواء بسواء، لا فرق بينهم وبين المسلمين، ولم يميز بينهم حسب معتقداتهم، وعندما يطبقها على الرعية يطبقها باعتبار الناحية التشريعية القانونية، وليس باعتبار الناحية الروحية، أي لا يُلزمهم بها باعتبارها دين يؤمنون بها بل باعتبارها قوانين يُطالبون بالخضوع لها.

والمسلم يتقبلها باعتبارها جزءاً من دينه يتقرب إلى الله تعالى بها، وغير المسلم يتقبلها باعتبارها قوانين تعالج مشاكلهم معالجةً صحيحة.

وأما موضوع الجزية فإن جميع دول العالم فرضت نظاماً ضريبياً على شعوبها معللة ذلك بأنها ستقوم برعاية الشعوب وتقديم الخدمات لهم فكثرت الضرائب وتعددت وتنوعت حتى أثقلت كاهل الناس وأورثتهم الفقر والجوع والتشرد بخلاف دولة الإسلام التي لم تعرف نظاماً ضريبياً بل فرضت على المسلمين الزكاة باعتبارها عبادة وحكما شرعياً وحددت مقاديرها تحديداً دقيقاً وفرضت على غير المسلمين جزية تؤخذ من الذكور البالغين القادرين وترد هذه الزكاة وهذه الجزية على الرعية على شكل أموال لفقرائهم سواءٌ كانوا مسلمين أم ذميين أو على شكل خدمات عامة من تعليم وتطبيب وقضاء مصالح من غير تمييز بينهم على أساس العقائد. وعند النظر في الواقع نجد جميع دول العالم لديها تشريعات تطبقها على رعاياها باعتبارها قوانين ملزمة للجميع بغض النظر عن دينهم، وترى هذه الدول أن هذا حق لها ولا يقيم وزناً لملايين المسلمين فيها.

فلماذا ينكر على الإسلام ودولته ما يقرونه لهذه الدول رغم فساد التشريعات ورفض شعوبهم لها !؟

إنما هو التناقض وازدواجية المعايير والتخبط الذي تعيشه الأنظمة الوضعية.

نسأل الله أن يعجل لنا بالفرج، ويخلصنا منها ويكحل أعيننا بدولة الإسلام العظمية تنقذ البشرية من وحشية البشر وتشريعاتهم الجائرة، تخرجهم من الظلمات إلى النور ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام.

قال تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليُبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا "

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الشيخ سعيد رضوان- أبو عماد

الذمة وحق الرعاية في الدولة الاسلامية


برز الحديث في الآونة الأخيرة على ألسنة العلمانيين عن الأقباط في مصر لما أصبح الحديث عن تطبيق الشريعة في مصر هو حديث الناس, وكأني بهم يقولون لا يمكن تطبيق الإسلام طالما أن هناك غير مسلمين في الدولة، وتناسى هؤلاء تاريخا يناهز الثلاثة عشر قرنا كان الإسلام هو الحاكم لدولة امتدت من الصين شرقا إلى الأطلنطي غربا، ووقفت على أبواب فينا في زحفها نحو أوروبا. ضمت هذه الدولة بين جنباتها مختلف "الأقليات" العرقية واللغوية والدينية، ولم تبرز أية مشاكل لهذه الأقليات إلا مع تفتت الخلافة الإسلامية.

ومن المعلوم أن التراث الإسلامي لم يستخدم مصطلح " الأقليات" بالنسبة للتجمعات الدينية غير الإسلامية وإنما استخدم لفظ "أهل الذمة" الذي يحمل من الدلالات الأخلاقية ما لا يحمله لفظ "الأقليات". فلفظ الذمة يعني الأمان "ويسعى بذمتهم أدناهم"، وفي لسان العرب الذمة العهد والأمان والضمان والحرمة والحق.

ومما لا شك فيه أن وجود" الأقليات" في الدول، يترتب عليه مشكلات كثيرة من أهمها تفتيت المجتمع، ونشوء المصادمات ومحاولة " الأقلية" الانفصال والتعاون مع الأعداء، ومن المعلوم أن أميركا، والتي هي عبارة عن أقليات أصلا تطبق المبدأ الراسمالي، تستخدم ورقة " الأقليات" للسيطرة على العالم بحجة المحافظة على حقوق" الأقليات".

ولقد ضرب الإسلام أروع الأمثلة في التعامل مع "الأقليات الدينية" أهل الذمة - ناهيك عن أنه استطاع أن يصهر الأقليات اللغوية والعرقية في بوتقة الإسلام - وهناك أحكام قررتها الشريعة في التعامل مع أهل الذمة منها:

1- العدل: فالمسلم لا يمكن أن يحقق التقوى إذا كان بعيدا عن العدل قال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على آلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".

2- الوفاء بالعقود: قال تعالى "أوفوا بالعقود" وقال أيضا "إن الله لا يحب الخائنين" والذمة عقد يجب الوفاء به.

3- النهي عن الظلم والبغي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".

4- لا أكراه في الدين: والدليل على ذلك استمرار وجود تلك الأقليات إلى اليوم في بلاد المسلمين، فإنه في مقابل غدر الأوروبيين ونقضهم السريع لعهودهم وعقودهم التي كانوا يبرمونها مع الأقليات المسلمة الذين سقطت ولاياتهم تحت أيدي الأسبان بين يدي سقوط الأندلس، وفي مقابل إبادة أولئك المسلمين وإكراههم على تغيير دينهم أو تخييرهم بين ذلك أو الموت في محاكم التفتيش في غرناطة وغيرها .


في مقابل ذلك فإن دولة الخلافة في شيخوختها حيث كانت الأقليات غير المسلمة من الأرمن والروم واليهود في اسطنبول إبان الحكم العثماني تتصل مع أعداء الدولة المسلمة وتكيد لها المكائد وتثير القلاقل والمشاكل مما أغضب السلطان سليم الأول فأصدر قراراً بإجبار هذه الأقليات على اعتناق الدين الإسلامي، فهل رضي بذلك المسلمون وهل أقره عليه العلماء .. إن التاريخ يخبرنا أن العلماء أنكروا عليه ذلك أشد الإنكار، ومنهم شيخ الإسلام (زمبيلي علي جمال) الذي ساءه ذلك جداً وواجه السلطان بقوله: (أيها السلطان إن هذا مخالف للشّرع إذ لا إكراه في الدين، وإن جدكم محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول اتبع الشرع الإسلامي، فلم يكره أحداً على اعتناق الإسلام بل أمن الجميع على عقيدتهم، فعليك باتباع الشرع الحنيف وإتباع عهد جدكم محمد الفاتح) وهدد بخلع السلطان إن هو أصر على قراره .. ولكن السلطان الذي كان يحترم العلماء استجاب له وترك للأقليات غير المسلمة دينها وعقيدتها .

وقصة السلطان سليمان القانوني مع يهودي أبى أن يبيع كوخاً له في أرض أراد السلطان إقامة مسجد جامع عليها ، صورة مشرقة من ذلك ، فمع إصرار اليهودي على رفضه البيع، ذهب السلطان إلى كوخ اليهودي يرجوه ويسترضيه ويعرض عليه أضعافاً مضاعفة لثمن كوخه ، وذهل اليهودي لمشهد السلطان يرجوه ويسترضيه لأجل بيع الكوخ .. وهو القادر على طرده من الدولة كلها ، فوافق على البيع وقام مسجد السلطان سليمان القانوني على تلك البقعة بعد استرضاء وموافقة ذلك اليهودي!!


أقول: هذا حدث في شيخوخة الدولة الإسلامية وهرمها وتهلهلها ، وأمثاله والله كثير ولست هنا في صدد تتبعه واستقصائه . ومنه تعرف أن وتر الأقليات في الدولة المسلمة والذي يطنطن ً عليه أعداء الإسلام إنما يعزف عليه ويطرب له أصحاب المآرب الخبيثة الذين يسعون في الحقيقة إلى سيطرة تلك الأقليات التي توافقهم وتقاربهم في الدين على مقاليد الحكم في بلاد المسلمين .


فأنت ترى أن اليهود والنصارى كانوا ينعمون بالأمن والأمان على ممتلكاتهم وعباداتهم وكنائسهم وأنفسهم وذراريهم في ظل دولة الإسلام ، ولم يكونوا يكلفون بالدفاع عن الدولة أو يجندون تجنيداً إجبارياً بل تتحمل الدولة حمايتهم، وكانوا يدفعون جزية زهيدة تدفع مرة في السنة مقابل حمايتهم، وكان كثير من الخلفاء والولاة يسقطونها عمن كبر وعجز منهم ولا يستطيع دفعها، وإن لم تستطع الدولة حمايتهم أعادت لهم الجزية، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حيث قال "من أذى ذميا فقد أذاني وأنا خصمه يوم القيامة" وقال أيضا "من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما". ثم أليست غضبة عمر ومقالته التي ذهبت مثلاً: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) قيلت انتصاراً لقبطي من مصر ضربه ابن الوالي هناك؟ ولننظر في وصيته للخليفة من بعده" وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وان يقاتل من ورائهم وان لا يكلفوا فوق طاقتهم".

وفي النهاية فإن الأقباط أو غيرهم من غير المسلمين هم رعية الدولة الإسلامية كسائر الرعية لهم حق الرعوية وحق الحماية وحق ضمان العيش وحق المعاملة بالحسنى وحق الرفق واللين ولهم أن يشتركوا في جيش المسلمين ويقاتلوا معهم، ولكن ليس عليهم واجب القتال، ولهم ما للمسلمين من الإنصاف وعليهم ما عليهم من الانتصاف، وينظر إليهم أمام القاضي وعند رعاية الشئون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات كما ينظر للمسلمين دون أي تمييز، فواجب العدل لهم كما هو واجب للمسلمين.

شريف زايد

مصر