ما هدف ترامب من اللقاء ببوتين؟
August 17, 2025

ما هدف ترامب من اللقاء ببوتين؟

ما هدف ترامب من اللقاء ببوتين؟

في مؤتمر صحفي بتاريخ 2025/8/11 قال ترامب: (ستكون قمة تمهيدية في الغالب... سأقول لبوتين قبل الاجتماع عليك إنهاء هذه الحرب يجب أن توقفها، ولن يعبث معي بعد الآن)، وأضاف مشيرا إلى أنه قد ينسحب من الدبلوماسية بشأن أوكرانيا (وقد أخرج بعدها وأتمنى حظا سعيدا وتنتهي القضية)، (وأنه لا يمكن تسويتها). وأشار أنه سيعرف خلال الدقائق الأولى من اللقاء ما إذا كانت هناك إمكانية للتوصل إلى سلام مع روسيا، كما أنه أعرب عن استيائه من تصريحات زيلينسكي التي أكد فيها أنه سيحتاج إلى موافقة دستورية بشأن القضايا الإقليمية، وأعلن أن اللقاء سيكون في 2025/8/15 في ولاية ألاسكا الأمريكية.

وقال مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف (سيركز الطرفان على مناقشة سبل تسوية طويلة الأمد للنزاع في أوكرانيا)، وأضاف أوشاكوف في تعليقه على مكان المحادثات (إن مصالح البلدين الاقتصادية تلتقي في ألاسكا والمنطقة القطبية الشمالية حيث توجد فرص لتنفيذ مشاريع اقتصادية كبيرة)، وقال ترامب في البيت الأبيض في مؤتمره الصحفي (أنا أتعامل بشكل جيد مع زيلينسكي، لكني لا أوافق على ما فعله. أعارضه بشدة، لم يكن لهذه الحرب أن تقع، ما كان يجب أن تحدث)، وأضاف: (أقلقني بعض الشيء ما قاله زيلينسكي "أحتاج إلى موافقة دستورية" لم يكن يحتاج إلى موافقة لدخول الحرب وقتل الجميع، لكنه يحتاج إلى موافقة لتبادل الأراضي. لأنه ستكون هناك بعض عمليات تبادل أراض). وقال إنه سيتصل بزيلينسكي بعد لقائه مع بوتين مشيرا إلى عدم وجود خطط لدعوة زعيم نظام كييف إلى قمة ألاسكا، وقال (سأتصل برئيس أوكرانيا ومن ثم بقادة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو).

هذه تصريحات ترامب قبل قمة ألاسكا مع بوتين، ويتبين منها أن هناك هدفا معلنا وآخر مخفياً لا يدركه إلا السياسي المحنك، فهو اجتماع مهم بين زعيمي بلدين يتنافسان على المصالح والمنافع، على حساب شعوب ودول العالم بغض النظر عن المشاكل التي بينهما، فالمصلحة فوق كل اعتبار.

ماذا يريد ترامب من هذا الاجتماع؟ هل يريد فعلا وقف الحرب في أوكرانيا؟ أم أن هناك هدفا آخر يريد تحقيقه مع روسيا بعيدا عن حرب أوكرانيا؟ وما هو هذا الهدف غير المعلن عنه؟ للجواب على ذلك أقول:

أولا: مكان الاجتماع له دلالة سياسية عما سيبحث في هذا الاجتماع، فألاسكا اشترتها أمريكا من روسيا عام 1867 بعد خسارة ألكسندر الثاني إمبراطور روسيا حربه مع بريطانيا، والأمر الآخر أنها منطقة في بداية القطب الشمالي، وحينما جاء ترامب أمر باستغلال الموارد في هذه الولاية وأصدر أمراً بصناعة كاسحات الثلوج والتنقيب عن المعادن بكافة أشكالها، وهي منطقة مشتركة مع روسيا في القطب الشمالي، وعليه يريد ترامب أن يقول لبوتين وزيلينسكي إنه من الممكن التخلي عن الأرض بعد خسارة حرب وأن روسيا سابقا فعلت ذلك، فلا ضير من فعله مجددا، ويقول لزيلينسكي ها هم الروس تخلوا عن أرض بعد الهزيمة وأنت كذلك.

ثانيا: إن اجتماع القمة لن يخرج منه شيء عن الموضوع المعلن ألا وهو وقف الحرب في أوكرانيا، فهذه حرب معقدة لعدة أسباب:

1-  موقف الروس ثابت لم يتغير ولا يريدون التنازل عما أخذوه من الأراضي (القرم وأربع مقاطعات في أوكرانيا) وهذا معلن غير مخفي وهو على ألسنة السياسيين الروس، وبالمقابل فإن زيلينسكي كما ورد في التصريحات آنفا لا يستطيع أن يتنازل، ولهذا نجد أن ترامب هاجمه وانتقده بشدة.

2-  موقف الاتحاد الأوروبي موقف معارض لوقف الحرب، لأن ترامب أقصاهم وأصبحوا لاعبين صغاراً، فهم نكايةً في ترامب يدعمون زيلينسكي بقوة ويقولون له لا تتنازل، وبالذات الخبث البريطاني، وجاءت هذه المواقف على لسان مسؤولين في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وروسيا، وهذه بعضها: بيان للسفارة الروسية في لندن (المحاولات المستمرة من جانب لندن وبعض شركائها لعرقلة التسوية السلمية للنزاع من خلال القضاء على أسبابه الجذرية)، وأضاف: (يتضح ذلك من خلال الأنشطة التي قامت بها القيادة البريطانية) قبيل القمة الروسية الأمريكية في ألاسكا، ويؤكد هذا الخط النهج الانتهازي للعواصم الأوروبية التي تقول علينا الاستمرار في استخدام أوكرانيا ضد روسيا، وأيضا إعلان أوروبا بشأن القمة المزمع عقدها في ألاسكا: (إن النجاح في تحقيق السلام في أوكرانيا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الضغط على روسيا والاستمرار في دعم أوكرانيا)، وأيضا تصريحات مارك روته الأمين العام لحلف الناتو (دعا إلى رفض الاعتراف القانوني بضم الأراضي الجديدة إلى روسيا)، وصرح الممثل الدائم لأمريكا في حلف الناتو ماثيو ويتكر في تعليقه على رفض رئيس أوكرانيا تقديم تنازلات إقليمية (إن على طرفي النزاع في أوكرانيا الموافقة على إنهائه)، وقالت زخاروفا تعليقا على بيان قادة الاتحاد الأوروبي (إنه ليس إلا أحد المنشورات النازية الدورية).

فنجد هنا تناقضا صارخا بين موقف أوروبا وأمريكا وموقف أوروبا وروسيا، فهذه تصريحات نارية لا توحي أن هناك حلا في الأفق لهذه الأزمة، وروسيا تعتبر أن أوكرانيا حديقتها الأمامية وهي خط الدفاع الأول عنها ولن تسمح بدخول حلف الناتو رسميا إلى أوكرانيا وإنشاء قواعد له وانضمام أوكرانيا للحلف، فأمام ترامب مهمة صعبة جدا في الجمع بين الأطراف، وأما التصريحات المتفائلة منه ومن نائبه ومن ستيف ويتكوف وأمين عام الناتو فكلها لا تعدو عن آمال، حتى إن بذور فشل القمة في هدفها المعلن موجود وهو استبعاد زيلينسكي واستبعاد الاتحاد الأوروبي وتصلب الموقف الروسي.

3-  هناك سبب آخر ألا وهو وجود معارضة قوية في أمريكا وتيار يؤيد عزل روسيا وليس الانفتاح عليها، بل محاصرتها ومعاقبتها مثل ما فعلت إدارة بايدن، وهذا التيار موجود حتى بين أعضاء الحزب الجمهوري وفي الدولة العميقة، فهؤلاء لا يرون الانفتاح على روسيا بل خنقها، وبخاصة بعد انفتاح روسيا على الصين، فهذا التيار يريد تبني حرب أوكرانيا لإشغال روسيا وتهديد أوروبا وإبقائهم تحت السيطرة، ولكن ترامب له رأي آخر هو والدولة العميقة الجديدة أصحاب رؤوس الأموال الجشعين.

ثالثا: إذن ما هو الهدف الحقيقي من انعقاد القمة؟ إن الهدف من انعقاد القمة هو استغلال موارد القطب الشمالي بشكل مشترك، ولهذا أعلن ترامب أنه يمكن أن نعلن عن اتفاق، ولم يوضح ما قصده، فهو يقصد استغلال القطب الشمالي والإعلان عن اتفاق بينه وبين روسيا، ويقضي الاتفاق أن تقدم موسكو لواشنطن المساعدة في تطوير واستثمار الموارد في منطقة القطب الشمالي وفي المقابل سيدعم ترامب شروط روسيا التي سيتعين على زيلينسكي قبولها من أجل إنهاء الصراع في أوكرانيا، وهذا سيجعل أوكرانيا غاضبة جدا بسبب اتفاقية القطب الشمالي المرتبطة بالحل في أوكرانيا.

صرح رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل ديميترييف (أن روسيا وأمريكا قادرتان على التعاون بنجاح في القطب الشمالي)، وأضاف (القطب الشمالي بالغ الأهمية، يجب على روسيا وأمريكا إيجاد أرضية مشتركة لضمان الاستقرار وتنمية الموارد وحماية البيئة)، وختم قائلا (التعاون ليس خيارا بل ضرورة، العالم يراقب). إذن الموضوع اقتصادي واستثمار موارد في هذه القمة، وبيع أوكرانيا في مزاد علني، وكأن بريطانيا وأوروبا تعلم بهذا، ولذلك دعوا زيلينسكي إلى التصلب وعدم التنازل، ولا يملك ترامب أمام الروس إلا ورقة أوكرانيا ليأخذ مقابلها خيرات القطب الشمالي، فهل يا ترى ينجح في ذلك؟

سيعمل ترامب على توقيع اتفاق القطب الشمالي ويعطي الوعود لروسيا في أراضي أوكرانيا دون حل جذري، فهو معني جدا بالاتفاق القطبي ولتذهب روسيا إلى الجحيم، ولتبقى الحرب سنوات أخرى، وهذا ما عبرت عنه مجلة فورين بوليسي في مقال تحليلي قبل أشهر وكاتبه من الخبراء قال: (السياسة الأمريكية الرامية إلى زيادة عزلة روسيا يمكن أن تسرع التعاون بين روسيا والصين في القطب الشمالي)، وهذا ما هو حاصل الآن، فقد مكنت روسيا الصين من استثمار موارد القطب الشمالي، وهناك تقارير وإحصاءات تؤكد هذا القول، والذي دفع روسيا إلى هذا هو حرب أوكرانيا، والاتفاقيات التي وقعها بوتين مع الصين بلغت أربع اتفاقيات استراتيجية مكنت روسيا من الصمود في وجه الضغوط والعقوبات الغربية، وسال لعاب الصين على موارد القطب الشمالي، فلما جاءت إدارة ترامب تخلى عن سياسة عزل روسيا وأراد أن يفتح معها علاقات تجارية، وهو صاحب الصفقات والمنافع المادية، فأخذ برأي القائلين إنه لا يجوز عزل روسيا وإلجاؤها إلى الصين، وبدأ علاقة جديدة مع بوتين وفتح قنوات اتصال وبدأ بإقناع أوكرانيا بالموافقة على خططه، فالاتجاه اليوم عند الإدارة في هذه القمة إغراء روسيا وعزلها عن الصين والحيلولة دون تشكل تكتل ضخم مع موارد ضخمة لا تستطيع أمريكا الوقوف في وجهه، فالمتوقع استمرار ترامب في محاولاته فتح آفاق جديدة مع روسيا بالرغم من وجود عقدة أوكرانيا، ويمكن مستقبلا أن يفصل بينهما، فهذه الإدارة متوحشة تريد أن تستولي على خيرات العالم وتستخدم في سبيل ذلك أساليب متعددة، وحمل العصا والجزرة وشعار (لنجعل أمريكا عظيمة) وشعار (السلام بالقوة) هو شعارها وسيفها المسلط على العالم.

أما نحن فنقول ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾، فالنصر قادم وستقام دولة الخلافة وسيبلغ ملكها ما بلغ الليل والنهار، وستعمل على إفشال مخططات هؤلاء المتوحشين، وستفشل مساعيهم وتقف في وجههم بكل حزم واقتدار وشموخ، وسيزول بإذن الله رسم أمريكا من العالم وستنكفئ على نفسها وسنلاحقها إلى عقر دارها كما فعل سلفنا الصالح حينما دخلوا أبيض كسرى ودخلوا بلد هرقل مكبرين مهللين، فهو تحقيق لوعد الله سبحانه وبشرى رسوله ﷺ.

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سيف الدين عبده

المزيد من القسم خبار

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار

الرادار: حرب السودان المنسيّة: كارثة على الأمة

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: حرب السودان المنسيّة: كارثة على الأمة

بقلم الأستاذة/ياسمين مالك

“الرّعب الذي يتكشّف في السودان لا حدود له”
مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك

السودان ينزف، والعالم لا يكاد يحرك ساكناً. الآن، تدخل الحرب الوحشية بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، عامها الثالث، وقد أغرقت البلاد في حالة من الفوضى وأطلقت العنان لواحدة من أفظع الكوارث الإنسانية في عصرنا. ومع ذلك، ورغم حجم الدمار والمعاناة، يتمّ تجاهل حرب السودان ونسيانها وإسكاتها بسبب اللامبالاة العالمية.

أودى هذا الصراع على السلطة بحياة ما يقدر بنحو 150 ألف مدني منذ نيسان/أبريل 2023 – على الرّغم من أن منظمات الإغاثة تعتقد أن الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير. هؤلاء ليسوا جنوداً في ساحات القتال، بل نساء وأطفال وشيوخ، يُقتلون بلا رحمة في منازلهم ومساجدهم وأسواقهم ومخيماتهم المؤقتة (بي بي سي). مذبحة النهود، التي راح ضحيتها أكثر من 300 مدني – بينهم 21 طفلاً – على يد مقاتلي قوات الدعم السريع، ليست سوى واحدة من فظائع لا تُحصى. أُحرقت مدن بأكملها وسُوّيت بالأرض. حُفرت مقابر جماعية على عجل. اختفت عائلات بأكملها. ما يحدث في السودان ليس مجرد حرب، بل إبادة ممنهجة.

النساء والفتيات، كما هو الحال دائماً في الحروب، من بين أكثر الضحايا تعرضاً للانتهاك. استخدم كلا الجانبين العنف الجنسي كأداة للإرهاب والهيمنة. اختُطفت فتيات لا تتجاوز أعمارهن 9 سنوات، واغتُصبن جماعياً، ثم أُعدن إلى ديارهن وقد تعرضن للتدمير الجسدي، إن عُدن أصلاً. يتحدث الناجون عن عمليات اغتصاب علني تهدف إلى إذلال المجتمعات، واعتداءات جنسية جماعية في مخيمات النازحين.

يفيدُ العاملون في المجال الطبي بأنهم يعالجون الناجين دون الحصول على الدعم النفسي أو العدالة. ويلتزم الكثيرون الصمت خوفاً من العار أو الانتقام. (هيومن رايتس ووتش، مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان)

نزح أكثر من 14 مليون شخص، ما يجعل هذه أكبر أزمة نزوح في العالم. يواجه أكثر من نصف سكان السودان، البالغ عددهم 50 مليون نسمة، خطر المجاعة. ووفقاً لبرنامج الغذاء العالمي، فقد اجتاحت المجاعة ما لا يقلّ عن 10 مناطق، بما في ذلك مخيم زمزم، الذي يؤوي 400 ألف نازح. (برنامج الغذاء العالمي).

الغذاء والماء شحيحان. ليس بسبب كارثة طبيعية، بل بشكل متعمد. وقد استخدم كلا الفصيلين الجوع كسلاح من خلال عرقلة المساعدات الإنسانية، والاستيلاء على الإمدادات، ومنع الوصول إلى الضروريات الأساسية. ويُستخدم التجويع لمعاقبة شعوب بأكملها.

في مخيمات اللاجئين، يأكل الأطفال أوراق الشجر، وتمضي الأمهات أياماً دون طعام لإطعام أطفالهن. وانتشرت الأمراض المنقولة بالمياه، والملاريا، والكوليرا بسرعة. وانهارت النظم الصحية. وتصف اليونيسف الوضع بأنه أزمة متعددة الجوانب، تُدمر كل جانب من جوانب الحياة؛ الصحة، والصرف الصحي، والتعليم، والسلامة. (منظمة الصحة العالمية). ظهرت عشرات التقارير عن تعذيب سجناء سياسيين، واختطاف مدنيين، وتجنيد أطفال قسراً للقتال. كما استُهدف العاملون في المجال الإنساني، فقُتلوا أو اختُطفوا أو مُنعوا من الوصول إلى المحتاجين. نُهبت المستشفيات وحُوّلت إلى ساحات معارك. قُصفت المدارس. لم يبقَ مكان آمن. (مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان).

ومع ذلك، بالكاد تهمس وسائل الإعلام باسم السودان. تُوصف الحرب بأنها غير مرئية، ومنسية، أو ببساطة حُذفت من عناوين الأخبار تماماً. على عكس أوكرانيا أو غزة، لا توجد تأييدات من المشاهير، ولا احتجاجات جماهيرية، ولا إلحاح سياسي.

صمت السودان ليس صدفة، فثرواته من الذهب والنفط واليورانيوم والأراضي الخصبة تجعله جائزة جيوستراتيجية. قوى مثل الإمارات والسعودية ومصر وأمريكا وبريطانيا وروسيا، جميعها لها مصالح في السودان. لقد أصبح البلد رقعة شطرنج للمصالح الأجنبية.

الحرب في السودان ليست صدفة تاريخية. إنه إرث الاستعمار، والحدود الفاصلة، والديكتاتوريات العلمانية المدعومة من رعاة أجانب. السودان، مثله مثل معظم الدول القائمة في بلاد المسلمين، خضع لسيطرة القوى الاستعمارية. حُرم من الاستقلال الحقيقي، وفسدت قيادته، وثار شعبه بعضهم على بعض.

الحلول الديمقراطية التي يروّج لها الغرب جزء من المشكلة. هذه الأنظمة – المصممة لخدمة مصالح النخبة – قد خذلت السودان، كما خذلت العراق وليبيا وأفغانستان.

لا يوجد سوى طريق واحد يقدم حلاً حقيقياً ودائماً للسودان والأمة الإسلامية جمعاء. هذا الطريق هو إقامة الخلافة على منهاج النبوة.

ستوحّد الخلافة المسلمين على اختلاف انتماءاتهم العرقية والقبلية، وتزيل النفوذ الأجنبي، وتوزّع الموارد توزيعاً عادلاً، وترسي مبدأ المساءلة، وتضمن الكرامة والأمن للجميع. يذكر التاريخ كيف قضى حكم الخلافة في عهد عمر بن عبد العزيز على الفقر في شمال أفريقيا لدرجة أنه لم يعد من الممكن العثور على من يستحق الزكاة.

قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» صحيح مسلم. أمتنا في السودان في محنة، قد لا يكترث العالم، ولكن علينا نحن أن نكترث.

إن القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير يدعو جميع المسلمين إلى التوعية ورفض الحلول الباطلة، والدعوة إلى إقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة بشكل عاجل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ياسمين مالك
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المصدر: الرادار