معالم الإيمان المستنير   من أسماء الله الحسنى الحكيم   ج1
August 28, 2012

معالم الإيمان المستنير من أسماء الله الحسنى الحكيم ج1

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:


الحكيم: اسم من أسماء الله الحسنى، والحكيم: هو ذو الحكمة البالغة، وكمال العلم، وإحسان العمل. والحكيم: صيغة تعظيم لذي الحكمة، فيكون معنى قولنا: "الله الحكيم: أي العظيم في حكمته. وقيل: إن الحكمة هي العلم مع العمل والعدل، وقيل: إن الحكمة مجموعة معان من العدل والتنظيم والتقويم والعلم. قال تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خير‌ا كثير‌ا وما يذكر‌ إلا أولو الألباب). (البقرة 269)


والحكمة تطلق في الأصل على قطعة الحديد التي توضع في فم الحصان لتلجمه حتى يتحكم فيه راكبه، ذلك أن الحصان حيوان مدلل شارد، يحتاج إلى ترويض، وقطعة الحديد التي توضع في فمه تعلمه كيف يكون محكوما من صاحبه. وكان الحصان معروفا في الجزيرة العربية، وكان رمزا للسرعة والخفة. وكأن إطلاق صفة "الحكيم" على الخالق إنما ليحكم المخلوقات، ويلجمها من السفه والطيش. ليصير الكون محكوما بالله الحكيم العليم الذي يضع لكل كائن إطاره وحدوده.


من صور الحكيم العليم:


علم الله آدم الأسماء كلها ولم يعلمها الملائكة؛ لأنهم غير مستخلفين في الأرض، وإنما أوجدهم الله لأجل مهمات أخر، أما الإنسان فقد علمه الله الأسماء، ومنحه الطاقة ليعمل بعقله وجهده، ويستكشف آيات الكون على قدر حاجته في العصر الذي يوجد فيه، ويطبق شرع الله في الأرض.


شرع الله الأحكام لحكم يعلمها هو سبحانه، منها:


أولا: شرع الله الصلاة لتنهى عن فعل ما حرم سبحانه، قال تعالى: ]وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر‌). (العنكبوت 45).


والحكمة من الأحكام الشرعية يجب أن تأتي منصوصا عليها بنص شرعي، من القرآن أو من السنة, فالحكمة من الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر, وهذه الحكمة نص عليها القرآن, ويمكن أن تتحقق أو لا تتحقق, فالذي يصلي ويشرب الخمر مثلا لم تتحقق فيه الحكمة من الصلاة, فلم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر.


ثانيا: وشرع الصوم لأجل التقوى، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). (البقرة 183)


ثالثا: وشرع قتال الكفار حتى لا يسلطوا على المؤمنين ويردوهم عن دينهم، وليكون الدين لله، قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين للـه فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين). (البقرة 193)


رابعا: وشرع الزواج لأجل غض البصر وحفظ الفرج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏ "يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء". (البخاري5121)


خامسا: وقد خلق الله الناس ذكورا وإناثا، وجعلهم شعوبا وقبائل لأجل أن يتعارفوا، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر‌ وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعار‌فوا إن أكر‌مكم عند اللـه أتقاكم إن اللـه عليم خبير‌). (الحجرات 13)


سادسا: والله تعالى يخلق قلة من الناس خلقا غير سوي، وهم أصحاب الحاجات الخاصة، ليلفت نظرنا إلى حسن وجمال خلقه، وليلفت نظر الغافلين عن نعم الله عليهم لوجودها فيهم, وفقدها في غيرهم، فساعة أن يرى مبصر مكفوفا يسير بعصا, يفطن إلى نعمة البصر التي وهبها الله له، ويحمده عليها. وهكذا تعرف نعمة الجمال بالقبح، ونعمة الصحة بالمرض. ولا يغفل الله عن صاحب العاهة أو العجز بل يعوضه شيئا آخر, سواء أكان ذلك بالعبقرية أو غيرها، فإن كان أعمى جعل الله له من العبقرية ما يهزم الإنسان السليم.


سابعا: جعل الله العقوبات الحدود والتعزير والقصاص لردع المعتدين والفاسقين، وحفظا لأعراض الناس وأموالهم ودمائهم. فالقصاص جعله الله حياة للناس، قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون). (البقرة 179)


ثامنا: التصوير في الأرحام، قال تعالى: (هو الذي يصور‌كم في الأر‌حام كيف يشاء لا إلـه إلا هو العزيز الحكيم). (آل عمران 6) الله لا إله إلا هو العزيز لا يغلبه أحد على أمره، فهو يخلق ما يشاء، والحكيم في كل أمر أراده، وفي ذلك تنبيه للناس أن لا يفصلوا الحدث عن حكمته. فالله يصور في الأرحام كيف يشاء من الصور المختلفة المتفاوتة، ويهيئ النفس التي خلقها ليجعلها تنسجم مع سنن الوجود كله. نحمد الله الحكيم الذي خلقنا في أحسن تقويم، وصورنا فأحسن التصوير، ونسأله أن يوفقنا لخدمة الإسلام والمسلمين.


أيها المؤمنون :

نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم null

المعلم التاسع: ثبوت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
وقفنا في الحلقة السابقة: بما أن القرآن ليس من عند العرب، ولا من عند محمد صلى الله عليه وسلم وهو واحد منهم, ولا من عند العجم, فهو حتما من عند الله خالق الكون والإنسان والحياة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وما دام القرآن معجزا للبشر, فإن الذي أتى به دليلا على نبوته ورسالته يكون نبيا ورسولا حقا, وما دام القرآن لا يزال يتحدى البشر بإعجازه فهو معجزة دائمة. ومحمد إذن نبي لكل البشر حتى يوم القيامة, وهو خاتم الأنبياء والمرسلين, وهو الوحيد من بينهم الذي تمتاز نبوته بالدوام, ورسالته بالشمول والدوام.

أوحى الله إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم باللغة العربية بوساطة الملك جبريل عليه السلام. وأنزله عليه مفرقا في مدة ثلاث وعشرين سنة . وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة تدل على صدق رسالته. وسيظل القرآن معجزة إلى يوم القيامة يوم تقوم الساعة.
وكان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بحفظه في الصدور، وكتابته في الرقاع، من جلد أو ورق أو عظم أو عسب النخل أو حجارة رقيقة. وكان إذا نزلت الآيات، أمر بوضعها موضعها من السورة، فيقول ألحقوا هذه الآية في سورة كذا بعد آية كذا، فيضعونها موضعها من السورة.
روي عن عثمان بن عفان أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم تنزل عليه الآيات فيقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا". (رواه الترمذي3011)
وهكذا حتى نزل القرآن كله والتحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بعد أن كمل نزول القرآن. ولذلك كان ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن توقيفيا من النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله تعالى فهو ترتيب توقيفي من الله تعالى. وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ذلك مطلقا. وهذا الترتيب للآيات في سورها على الشكل الذي نراه الآن، هو نفسه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفسه الذي كان مكتوبا بالرقاع والأكتاف والعسب واللخاف ومحفوظا في الصدور. وعليه فإن القرآن قطعي في وروده إلينا وفي ترتيب آياته.

أيها المؤمنون:
لقد نقل إلينا القرآن الكريم بطريق التواتر، أي نقل القرآن الكريم جمع كبير من الصحابة رضي الله عنهم إلى التابعين، ثم نقله جمع كبير من التابعين إلى تابعي التابعين، ثم نقله جمع كبير من تابعي التابعين حتى وصل إلينا كما نزل مكتوبا في الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ونسخها عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخط نفسه, والإملاء ذاته الذي كتبت به الصحف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل الوحي بها. وقد تكفل الله بحفظه بقوله: )إنا نحن نزلنا الذكر‌ وإنا له لحافظون(. (الحجر : 9 ).

وبما أن القرآن كلام الله ولا يأتي بكلام الله إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي .
وكذلك اشتمل القرآن على دعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده وعبادته، والالتزام بطاعته، ورتب على طاعته الجنة وعلى معصيته النار، ولا يأتي بأوامر الله ونواهيه إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي أيضا.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المعلم الثامن: الدليل العقلي على أن القرآن من عند الله   (ح4)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:

وقفنا في الحلقة السابقة عند رواية ابن إسحق, وشهادة الوليد بن المغيرة في القرآن الكريم, نلحظ في هذه الرواية عدة أمور تخدم فكرتنا فكرة إثبات أن القرآن من عند الله!

أولها: إن الوليد قد أمسك بكفه ووضعها على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتناعا واعترافا بصدق القائل, وإعجاز المقول.

وثانيها: إن الوليد طلب من قومه ألا يتعرضوا للدعوة. وهذا إقرار ثان.

وثالثها: إن الوليد نفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم وكلامه صفة الشعر والنثر والكهانة, ونفى

عن القرآن مشابهة كلام البشر, وأثبت له صفة التأثير الشديد في الإنسان السامع, فكأنه السحر الذي يؤثر في حاسة البصر عند الإنسان فيجعلها تبصر ما ليس موجودا على الحقيقة. والكلام القرآني يؤثر على حاسة السمع, فيجعلها تؤخذ بما تسمع, وليس السمع كالرؤية, فالأذن لا تخدع, بينما العين تخدع, والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من البيان لسحرا". فإذا كان الكلام لمحمد فلماذا لم يضعوا هذه الحواجز له وقد عاش فيهم أربعين عاما يحدثهم ويحدثونه حتى قالوا فيه: إنه الصادق الأمين!

وما دام القرآن باللغة العربية, وهي لغتهم, والكلام من جنس كلامهم, فلماذا يفزعون إلى الدعاية والاتهام, ولا يردون على الكلمة بالكلمة, والجملة بالجملة, والسورة بالسورة, والقرآن بمثله؟ أليس هذا شأن المهزوم العاجز؟ وهل هذا الأمر إلا إقرار للقرآن بالإعجاز, وبأنه ليس من عندهم, وليس من عند العرب على الإطلاق؟

وما دام بمقدورهم أن يثبتوا أن هذا القرآن ليس معجزا, فلم تنقلوا بين الاتهامات يختبرونها؟ ألم يكف إتيانهم بالبديل عن كل ذلك؟ ولكن أنى لهم البديل, وهم عاجزون عنه؟! وعلى كل حال لم يحفظ لنا التاريخ كتابا اسمه القرآن, الذي عارض فيه العرب القرآن الرباني, ولا زال الباب مفتوحا لمن يريد أن يأتي بشيء, ولا زال التحدي قائما, ولا أظن أحدا يستطيع, وقد عجز أهل اللغة الأوائل, فكيف بالمولدين؟؟!! 

ولو كان القرآن من عند العرب لما اختلف عن الشعر والنثر, ولوجدت فيه كلمات ميتة, وكلمات خف استعمالها, ولكننا نجد كل كلمات القرآن لا زالت حية مستعملة, بخلاف كلام العرب سواء أكان شعرا أم نثرا فقد ماتت فيه الكثير من الكلمات, ويكفي أن نعطي مثالين اثنين من أمثلة الكلمات التي ماتت وذلك على سبيل المثال لا الحصر:

أولهما كلمة "السجنجل" وتعني المرآة, وثانيهما كلمة "العسلوج" وتعني غصن الشجرة الرفيع.

والخلاصة أنه من كل ما تقدم نستطيع أن نقول: بأن القرآن ليس من عند العرب. فمن أين إذن جاء هذا القران؟ هل يمكن أن يكون القرآن قد جاء من عند العجم؟

ثانيا: بطلان كون القرآن من عند العجم:

أظن أن كون القرآن لم يأت من عند العجم لا يحتاج إلى إثبات, فالعجم هم من ليست العربية لغتهم, وهؤلاء لا يستطيعون أن يأتوا بكتاب يعارض القرآن العربي اللغة, ويتفقون عليه وهم لا يحسنون اللغة, علاوة على كون القرآن قد أعجز أصحاب اللغة, وأهل الفصاحة فيها, ومن أتقن اللغة العربية من غير العرب يشمله التحدي أيضا, ولا يكون والحالة هذه أعجميا, بل يكون عربيا؛ لأن العربية عربية اللسان, وليست عربية العرق والجنس؛ ولأن التحدي ليس تحديا للعرق والجنس, وإنما هو تحد للغة واللسان, وليس أدل على ذلك من أن بعض الأعاجم قد حذقوا علوم العربية والتفسير والفقه والحديث حتى صاروا أئمة فيها. ومن هؤلاء: سيبويه عالم العربية الشهير, والطبري المفسر الكبير, وتذهب جملة من المصادر المعتبرة إلى أن ثلاثة من أئمة الفقه الأربعة وهم: أبو حنيفة النعمان, ومحمد بن إدريس الشافعي, ومالك بن أنس هم من الأعاجم, وليسوا من العرب, وأن الإمام أحمد بن حنبل هو العربي الوحيد في المذاهب, وينتمي إلى بكر بن وائل.

زعم بعض الكفار أن الذي يعلم محمدا القرآن فتى أعجمي بمكة اسمه "جبر", وهذا الزعم زعم باطل نفاه الله تعالى بقوله: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر‌ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عر‌بي مبين‌). (النحل103)

إن زعم الكفار هذا, هو من أسخف أنواع الاتهامات والمحاجات, ويسقط عند أدنى محاكمة عقلية, ففاقد الشيء لا يعطيه! لقيت مرة رجلا أعجميا فسألته: ما مثنى كلمة "ديك"؟ فلم يفهم السؤال, فسألته السؤال بطريقة أخرى فقلت له: "هذا ديك"و"هذا ديك" كم ديكا صار لدينا؟ فقال بلغة ركيكة: اتنين ديك. بدل قوله: صار لدينا ديكان اثنان!

وسألت أعجميا آخر كان يحفظ القرآن كله غيبا عن ظهر قلب ويؤم المصلين, فسألته: ما معنى قوله تعالى: (قل هو الله أحد‌). (الإخلاص1) فنظر إلى السماء وأشار بيده إلى فمه كأنه يضع فيه طعاما وقال: "الله في أكل" فهو لم يميز بين حرفي الكاف والقاف في كلمتي: "كل"و"قل" فهل هذان الأعجميان يستطيعان أن يأتيا بمثل القرآن. كلا!

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.