مختصر السيرة النبوية العطرة - ح 107-  بداية الهجرة النبوية مع السيدة أم سلمة
مختصر السيرة النبوية العطرة - ح 107-  بداية الهجرة النبوية مع السيدة أم سلمة

     رجعت قريش تنهال على المستضعفين في مكة بالتعذيب بعد أن اكتشفوا أن بين محمَّد ﷺ وأهل يثرب مبايعة، واتفاقـًا، فرأى ﷺ رؤيا في المنام، أن أصحابه قد هاجروا إلى أرض سبخة - وهي الأرض المالحة بين حرتين ذات نخيل - فخرج إلى أصحابه مسرورًا، وقال: قد أٌريت دار هجرتكم، أرضٌ سبخة ذاتُ نخيل بين حرتين، لا أرها إلا يثرب فانطلقوا إليها. فأخذ أصحابه يهاجرون جماعات وأفرادًا إلى يثرب. فكان أول من هاجر من الصحابة أبو سلمة، وأم سلمة رضي الله عنهما.

0:00 0:00
السرعة:
July 16, 2023

مختصر السيرة النبوية العطرة - ح 107- بداية الهجرة النبوية مع السيدة أم سلمة

مختصر السيرة النبوية العطرة

ح 107

بداية الهجرة النبوية مع السيدة أم سلمة

 رجعت قريش تنهال على المستضعفين في مكة بالتعذيب بعد أن اكتشفوا أن بين محمَّد ﷺ وأهل يثرب مبايعة، واتفاقـًا، فرأى ﷺ رؤيا في المنام، أن أصحابه قد هاجروا إلى أرض سبخة - وهي الأرض المالحة بين حرتين ذات نخيل - فخرج إلى أصحابه مسرورًا، وقال: قد أٌريت دار هجرتكم، أرضٌ سبخة ذاتُ نخيل بين حرتين، لا أرها إلا يثرب فانطلقوا إليها. فأخذ أصحابه يهاجرون جماعات وأفرادًا إلى يثرب. فكان أول من هاجر من الصحابة أبو سلمة، وأم سلمة رضي الله عنهما.

تقول أم سلمة كما روى البخاري: "ما أعلمُ أهلَ بيت من المؤمنين أدخلَ اللهُ عليهم، من البلاء ما أُدخلَ علينا، فقد أراد أبو سلمة الخروج، فجاء ببعير، وأركب زوجته، ومعهم ولدهم سلمة صبي دون التمييز - أي بين الرابعة والخامسة من العمر-. فلما عزم على الرحيل رآه أهل أم سلمة، فقالوا: يا أبا سلمة.. أما نفسك فقد غلبتنا عليها، أما ابنتنا هذه فلا، واللات لا ندعها لك تذهب بها في الأرض مُشرِّقـًا ومُغَرِّبًا، بالأمس هاجرت بها إلى الحبشة، واليوم لا ندري أين تذهب بها.. فأنت حر في نفسك. أما ابنتنا فدعها لنا!!  

فأخذوا حبل البعير من يده، ثم أخذوا أم سلمة، وولدها، فلم يلتفت أبو سلمة، وترك زوجته وولده، ومضى في طريقه يمشي على قدميه متجهًا إلى يثرب.

تقول أم سلمة: انطلق أبو سلمة إلى يثرب مهاجرًا، فلما رأى أهل زوجي ما فعل أهلي أخذتهم الحمية فقالوا: أنتم أخذتم ابنتكم من ابننا، فو اللات والعزى لا ندع لكم الولد عندكم، نحن أولى به تقول: فأخذوا ولدي مني، فصرخت:   وآ ولداه، فهمّ أهلي أن يأخذوا الولد لي، فتجاذبته العشيرتان: أهلي يريدونه لي، وأهل أبو سلمة يريدون أن يأخذوه؛ لأنه ابنهم، هؤلاء يجذبون، وهؤلاء يجذبون حتى خلعوا يد الصبي والأم تنظر، وهو بين الرابعة والخامسة من العمر قالت: وغلب أهل أبي سلمة فأخذوه، فأصبح ولدي مخلوعةً يدُهُ عند أهل أبيه لا أعلم من يرعاه، وأنا محجوزة عند أهلي، وزوجي قد هاجر إلى يثرب، لا يعلم من أمرنا شيئًا، فأصبحتُ أذهب كل صباح أبكي ولدي وزوجي، وقد أمضيت على ذلك بضعة أشهر. حتى وقف يومًا مقابلي ابن عم لي فقال: إلى متى هذا؟؟ لا بد من مخرج.. ومضى واثق الخطوة إلى قومه وقال: ألا تشفقون على هذه المسكينة، إلى متى تحرمونها من ولدها وزوجها؟؟ فغلبهم على الأمر حتى سمحوا لي بالخروج فلما علم أهل أبي سلمة، أن أهلي سمحوا لي بالخروج ردوا على ولدي قالت: فوضعت ولدي في حجري، وأخذت بعيري وجلست عليه، وانطلقت لا أدري أين تقع يثرب؟؟

ثم قابلني عثمان بن أبي طلحة فقال: إلى أين يا بنت زاد الركب؟ وأم سلمة اسمها هند بنت زاد الركب، لُقّب أبوها بزاد الركب؛ لكرمه على القوافل، كان إذا خرج في قافلة لا يسمح لأحد أن يأكل من زاده، أو ينفق على نفسه أبدًا، فكان مصروف الركب كله عليه هو، لذلك سمي زاد الركب.

قالت: ألحق بزوجي حيث يسكن في يثرب فقال: ألا يصحبك أحد؟؟ قالت: إلا الله فقال: مالي بهذا مترك قالت: فتقدم، وأخذ حبل البعير، ومشى على رجليه يقود بعيري، فلا والله.. ما رأيت رجلًا كان أكرم منه في صَحبِهِ.. وَلا أجَلَّ خلقا. قالت: كان يمشي بي بالبعير، حتى إذا رأى وقت الراحة قد وجب أجلس البعير عند شجرة، ثم ابتعد عني حتى أنزل عن البعير، فإذا نزلت رجع وأخذ البعير، وربطه إلى شجرة، ثم اضطجع في مكان بعيد حتى لا أشعر بوجوده قالت: حتى إذا رأى أننا استرحنا، وحان وقت الرحيل، صفق بيده، وقال: يا بنت زاد الراكب، أقدم لك البعير؟ ثم أخذ البعير وقدمه حتى إذا جلست، ووضعت ولدي بحجري، جاء وأنهض البعير ومشى، فما زال يصنع بي ذلك حتى أوصلني من مكة إلى يثرب قالت: فلما اقتربنا ورأى نخيل يثرب. قال: يا أم سلمة إن زوجك في هذه القرية، وقد أبلغتك مأمنك.. فانطلقي راشدة، فترك بعيري، ثم وقف ينظر حتى دخلت في نخيل قباء.. ثم رجع ماشيًا على قدميه.

تقول أم سلمة: فلما وصلت، وعلم أبو سلمة من أوصلني أثنى عليه بخير؛ لأنه كان ما زال مشركا، وفعل ذلك لأخلاق العرب، ولما جاء النبي ﷺ إلى المدينة، وعلم بأمرنا وما حدث معنا؛ فأمسك ﷺ يد الصبي، ووضعها مكانها.. وبل يده بريقه ﷺ ومسح عليها.. فعادت يد الصبي أفضل مما كانت. كل هذا فعلته السيدة أم سلمه من أجل الإسلام، واللحوق بالمسلمين... يتبع بإذن الله لنرى كيف هاجر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وأرضاه -...   

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا، وَحَبِيبِنَا، وَعَظِيمِنَا، وَقَائِدِنَا، وَقُدْوَتِنَا، وَقُرَّةِ أَعْيُنِنَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير الأستاذ محمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.