مختصر السيرة النبوية العطرة ح 121 المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
مختصر السيرة النبوية العطرة ح 121 المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

 أما العمل الثاني الذي قام به النبي ﷺ بعد بنائه المسجد، هو عقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، إذ استطاع النبي ﷺ أن يُحدِثَ في المدينة بيئة إنسانية منسجمة، ويُحقِّقَ أروعَ وأعظمَ نظام اجتماعي في العالم. فإن الدولة لا تقوم إلا بتلاحم عناصرِهَا، وَليسَ شيءٌ يُقرب الإنسان من أخيه الإنسان مثلُ العقيدة، إذ إن النبي ﷺ أكدَّ على أنّ أخوة العقيدة تعلو أخوة النسب. ...

0:00 0:00
السرعة:
August 01, 2023

مختصر السيرة النبوية العطرة ح 121 المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

مختصر السيرة النبوية العطرة

ح 121

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

 أما العمل الثاني الذي قام به النبي ﷺ بعد بنائه المسجد، هو عقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، إذ استطاع النبي ﷺ أن يُحدِثَ في المدينة بيئة إنسانية منسجمة، ويُحقِّقَ أروعَ وأعظمَ نظام اجتماعي في العالم. فإن الدولة لا تقوم إلا بتلاحم عناصرِهَا، وَليسَ شيءٌ يُقرب الإنسان من أخيه الإنسان مثلُ العقيدة، إذ إن النبي ﷺ أكدَّ على أنّ أخوة العقيدة تعلو أخوة النسب.

عُقدت المؤاخاة في دار أنس بن مالك، وكانوا مائة من المهاجرين والأنصار، فآخى بينهم على الحق، والمواساة، ويتوارثون بعد الممات، فقال لهم النبي ﷺ: «تآخوا في الله أخوين، أخوين». ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: «هذا أخي». وكانت المؤاخاة بين الصحابة على سبيل القرعة. فكان جعفر بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل أخوين، وعمر بن الخطاب، وعتبان بن مالك أخوين.

وكان الأنصار يسعون لقسم أموالهم مع المهاجرين، ولكنّ المهاجرين كانوا يقدّرون ذلك لهم، فلم يستغلوهم، ولم ينالوا منهم إلا بقدْرٍ قليل، فقد رفضوا منذ البدء أن يكونوا اتكاليين على إخوانهم، وعالة على أولئك الذين آووهم ونصروهم.

روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: "لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني، وبين سعد بن الربيع، فقال سعد: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتيَّ هويت نزلت لك عنها، فإذا حلّت تزوجتها، فقال عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق تجارة؟ قال: سوق قينقاع، قال: فغدا إليه عبد الرحمن، وتاجر فيه، وربح حتى أصبح من أغنياء المدينة.

حكمة النبي ﷺ من المؤاخاة:

  1. حل مشكلة الفقر لدى المهاجرين كما مَرَّ معنا في قصة سيدنا عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع.
  2. حل مشكلة الغربة التي يُعاني منها أي إنسانٍ مِنْ تركِهِ بيتَهُ، وأهلَهُ، وديارَهُ، وَالعيشِ فجأةً في بيئةٍ جديدةٍ.
  3. حل مشكلة حداثة العهد بالإسلام لدى الأنصار، وترميم ما فاتهم من كرامة السنين في الإسلام، إن بوسعهم الآن أن يُعاشِروا المهاجرين الذين قدِمُوا المدينة يَحمِلُون أغنى وأعظم تجربة إيمانية مدتها ثلاثة عشر سنة، فلقد كان المهاجرون كالخميرة سرت من خلالهم تربية المصطفى ﷺ إلى المجتمع بأسرِهِ.

ومع نظام الأخوة اقتربت القلوب، وانسجمت، وحصل نوع إنساني فريد - رضي الله عنهم وأرضاهم - اللهم ارزقنا إيمانًا كإيمانهم، وإخلاصًا كإخلاصهم... يتبع بإذن الله... مع تتمة أعمال تأسيس المجتمع الجديد...  صلوا، وسلموا على معلم الناس الخير!!

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا، وَحَبِيبِنَا، وَعَظِيمِنَا، وَقَائِدِنَا، وَقُدْوَتِنَا، وَقُرَّةِ أَعْيُنِنَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير الأستاذ محمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.