مختصر السيرة النبوية العطرة ح 69 نزول سورة عبس وتولّى
مختصر السيرة النبوية العطرة ح 69 نزول سورة عبس وتولّى

بدأت لغة المفاوضات بين زعماء قريش، والنبي صلى الله عليه وسلم، وسنقف عند حدث عظيم وقع أثناء المفاوضات، ألا وهو قصة الصحابي الكفيف عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأرضاه. وكان من عناوين هذه المفاوضات أن طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم أمرين اثنين: ...

0:00 0:00
السرعة:
June 03, 2023

مختصر السيرة النبوية العطرة ح 69 نزول سورة عبس وتولّى

مختصر السيرة النبوية العطرة

ح 69

نزول سورة عبس وتولّى

بدأت لغة المفاوضات بين زعماء قريش، والنبي صلى الله عليه وسلم، وسنقف عند حدث عظيم وقع أثناء المفاوضات، ألا وهو قصة الصحابي الكفيف عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأرضاه. وكان من عناوين هذه المفاوضات أن طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم أمرين اثنين:

  1. طلبوا منه ﷺ أن يبدل الآيات التي فيها تسفيهُ أحلامِهِم، وَشَتمِ آلهتهم.
  2. وافقوا على أن يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم، واشترطُوا عليه أن يَعْبُدَ هُوَ آلهَتَهُمْ يَومًا، وأن يعبدوا هُمْ إلهَهُ يَومًا آخَرَ، فأنزل الله على نبيه قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ).

وَفِي يومٍ مِنَ الأيام، كان النبي عليه أفضلُ الصلاةِ، وَأزكى السَّلامِ، جَالسًا مع زعماء قريش يحدثهم عن الإسلام طمعا في إسلامهم، وفي إسلام قومهم من بعدهم، فجاء رجل من فقراء المسلمين السابقين للإسلام اسمه عبد الله بن أم مكتوم - رضي الله عنه وأرضاه -، وكان أعمى، فأقبل وهو يدك بعصاه على الأرض، وقد سأل عن النبي أين يجده؟ قالوا له: تجده في نادي قريش، فأقبل، وكان يريد من النبي ﷺ أن يزداد إيمانًا وعلمًا، لعله نزل قرآن من يوم أو يومين، ولم يسمع ما نزل منه.

فلما اقترب من نادي قريش قال: السلام عليك يا رسول الله، علمني مما علمك الله، فكره النبي ﷺ هذا القدوم في هذه اللحظة، وهذه المقاطعة لأنه صلى الله عليه وسلم كان مشغولًا، يريد أن يستميل إليه قلوب زعماء قريش لعلّ الله أن يهديهم، ويشرح صدورهم للإسلام. وإن وجود مثل هذا الرجل ينفرهم؛ لأن سادة قريش لا يرضون الجلوس مع الفقراء والعبيد، والنبي ﷺ يعلم طبيعة نفوس قريش، فلم يرُدَّ على ابن أم مكتوم، واستمر بحديثه كأنه لم يسمعه.

ابن أم مكتوم رجل مؤمن أدرك أن النبي ﷺ سمع صوته، ولكنه لم يقطع كلامه ليرد عليه، واستمر في حديثه مع زعماء قريش، فسكت وجلس بجانبه يسمع الحديث مثله مثل الجالسين، فاستمر النبي ﷺ بحديثه ولم يعطهِ اهتمامًا، فجعل جنبه لجهة عبد الله بن أم مكتوم، وقد ظهر على وجهه ملامح الضيق، وعدم الرضا من هذه المقاطعة، واستقبل بوجهه سادة قريش. فنزل جبريل على النبي ﷺ يتلو عليه قول الله تعالى أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين:

بسم الله الرحمن الرحيم

(عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَن جَاءَهُ الأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى، كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَن شَاء ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ، مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ).

فقرأ النبي ﷺ هذه الآيات والمسلمون أخذوا يرددونها. وبعد هذه الحادثة صار النبي ﷺ إذا كان جالسًا، ودخل عليه ابن أم مكتوم، وَقَفَ، وَابتسمَ، وَفتحَ ذِراعيه مُرحِّبًا، وقال له: يا مرحبًا، يا مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي، وكان يكرمه ﷺ غاية الإكرام، ويجلسه بجانبه، وكان ﷺ كثيراً يقرأ في صلاته الجهرية عبس وتولى، ويقول له ابن أم مكتوم: تمنيت أن الله لم ينزلها، من أنا حتى يعاتبك الله بي يا رسول الله؟!! وبعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، كان يستخلف عليها عبد الله ابن أم مكتوم، فكان هو الذي يصلي بالناس إمامًا في غياب النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة.

يقول الصحابة: استخلفه ﷺ على المدينة أكثر من عشرين مرة، فو الذي لا إله إلا هو ما سمعنا ابن أم مكتوم يوماً قرأ في صلاته الجهرية عبس وتولى أبدًا.. فسألوه: لم لا تقرأها؟ فقال: "من أنا حتى أقرأ سورة عوتب النبي ﷺ فيها من أجلي.. ولكن النبي ﷺ كان كثيرًا ما يقرأها. صدق رسول الله ﷺ عندما قال: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"!!

أي تربيةٍ حظي بها النبي ﷺ، وقد نزل قرآن يتلى لآخر يوم يُعاتب الله فيه نبيه الكريم بعجوزٍ كبير فقط من أجل نظرة نظرها!! ونحنُ في أيامنا هذه، كم نظرةٍ نستحق عليها عتابًا، بل عقابًا، وعذابًا من ربنا بحق من وجب علينا برهم وطاعتهم، ونأسف إن كان في حياتنا أكثر من ذلك من قولٍ، أو فعلٍ، أو قرارٍ!!

وأي أدبٍ يتحلى به ابن أم مكتوم عندما وجد من النبي ﷺ عدم الاهتمام فبادره بالطاعة المطلقة، وحسن الظن من أن النبي ﷺ يعدل بين البشرِ جميعِهِم. صلوا على أفضل الخلق، وحبيب الحق.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا، وَحَبِيبِنَا، وَعَظِيمِنَا، وَقَائِدِنَا، وَقُدْوَتِنَا، وَقُرَّةِ أَعْيُنِنَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير الأستاذ محمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.