November 02, 2010

  من أقوالهن.. عبر ودروس الحلقة الثامنة النساء شقائق الرجال

حياكم الله مستمعينا الكرام من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وأهلاً بكم معنا مجدداً في برنامجنا هذا من أقوالهن عبر ودروس .

لقاؤنا اليوم في ساحة الوغى وغبار المعارك ، في معركة أحد حينما انهزم الكثير من المسلمين وتركوا الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه فهنا برزت شجاعة عدد قليل من الصحابة، فتجمعوا حول الرسول الكريم، ولم يكن عددهم يتجاوز العشرة ومنهم تلك المرأة العظيمة، نسيبة بنت كعب رضي الله عنها وأرضاها والتي حملت السيف، وأخذت تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال عنها المصطفى : ما التفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني.

وهذه خولة بنت الأزور والتي وقعت في أسر الروم وهي وعدد من النساء فقامت بهن خطيبة قائلة :

 " أترضين لأنفسكن ان يأسركن الروم فتصبحن إماء لهم وأولادكم عبيداً لأهل الشرك؟ أين شجاعتكن

وبراعتكن ؟ إني أرى القتل أهون من الأسر، خذن أعمدة الخيام و أوتادها واحملن على اللئام فلعلَّ الله ينصرنا عليهم ولا ينفك بعضكن عن بعض وكنَّ كالحلقة الدائرة ولا تتفرقن وحطمن رماح القوم وكسِّرن سيوفهم " فتحمست النساء بقولها وهجمن هجمة واحدة فانتصرن و فككن أسرهن .

وهناك مواقف وأقوال أخرى عديدة لنساء جليلات فاضلات كنَّ فعلاً شقائق الرجال ، أقوال تمنحنا ثباتاً في زمن تكالبت فيه المحن على أمة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .

نرى مما سبق أن للمرأة دوراً كبيراً في حمل الدعوة ونشرها والدفاع عنها بكل غالٍ ونفيس ،،وإن الله تعالى ساوى بين الذكر والأنثى في التكاليف الشرعية والثواب يقول الله تعالى في كتابه العزيز :

( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْض )آل عمران آية 195" ورسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام يقول :" النساء شقائق الرجال" .

نعم ،، هي أم وربة بيت وعرض يجب أن يُصان ولكن هذا لا يتعارض مع حملها للدعوة والقيام بتبعاتها وواجباتها ، فنسيبة كانت نعم الزوجة والأم كذلك خولة وغيرهما من نساء بيت النبوة والصحابيات والتابعيات ولكن هل منعهن هذا من التلبس بالعمل لإعلاء كلمة الله تعالى ؟! هل تذرعن بتقاليد وعادات بالية بعيدة عن الشرع وتعاليمه فأحجمن عن المشاركة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدع بالحق ؟! هل خفن على أنفسهن وبيوتهن وأزواجهن وأبنائهن وأموالهن ؟! هل قلن يكفي أن الأزواج والأبناء والإخوة يقومون بحمل الدعوة وأعبائها ودورنا فقط هو توفير الجو المناسب لهم لذلك ؟! ولو أن هذ الأمر مطلوب منهن طبعاً ولكنه ليس الدور الوحيد ،، فعلى المرأة أن تعلم أن حمل الدعوة ليس بالأمر الهين وكذلك أجره وثوابه عظيم ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ) .

فاعلمي أختي المؤمنة الصابرة المجاهدة حاملة الدعوة أن عليك أن تقومي بالصراعِ الفكريِّ والكفاحِ السياسيِّوأعمالِ النصرةِ كما يقومُ الرجال . وأن تجعلي هذه القضيةَ قضيتك المصيريةَ وأن تصبري وتضحِّي وتَبذلي كلَّ غالٍ في سبيلِ تحقيقِها .وكذلك اعلمي أنه يمكن أن تدخلي السجنَ وتتعرضي للتعذيبِ وتُطاردي منالسلطةِ وتتواري عن أنظارِها . يقول الله تعالى : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ).

وأقول كذلك لأخواتي المسلمات اللواتي يحسبن أن دورهن فقط هو تنمية الأخلاق في نفوس عائلاتهن والمشاركة في الجمعيات الخيرية ورعاية الأيتام والأرامل ،، غافلات عن وجوب العمل لتغيير الواقع المر الذييعيشه المسلمون بدل محاولة ترقيعه والإطالة في عمر الطغمة الفاسدة الظالمة ،،وإن إصلاح الفرد لإصلاح المجتمع منتشر وتروج له وسائل الإعلام وما يطلق عليها القنوات الدينية و القصدمنه إبعاد أنظار المسلمين عن أصل المشكلة وطريقة الحل الجذرية وهي عن ضياعالإسلام من الحكم ووجوب العمل لاقتلاع الحكام لإعادة تحكيم شرع الله على الأرض بدل شرع البشر من الغرب والكفار وأعوانهم .أقول لهن : أخواتي الغاليات : لا أشك في حبكن للهسبحانه وتعالى ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وللإسلام ولكن الطريق غير واضحبالنسبة لكن وفهمكن للإسلام ودوره مبني على العاطفة فقط ، فقد وجب عليك حمل الدعوة والصدع بالحق مثلك مثل الرجل ،، فأزحن الغمة عن أعينكن ففيكن وبكن الخير إن شاء الله ، نفسياتكن إسلامية راقية ينقصها المزيد من التبصر واستنارة الفكر التي أحسبها عندكن وتحتاج منكن إلى التوقف قليلاً والتفكر والتدبر بحال المسلمين في كل مكان ،، ذل واستعباد ومهانة ونهب خيرات واستباحة للدماء والأعراض ،فهل نزيل هذا بالحض على مكارم الأخلاق فقط ؟ هل نعيد عزة وكرامة الأمة الإسلامية برعاية الأرامل والأيتام والأعمال الخيرية الأخرى التي هي أصلاً عمل الدولة وليس عمل الأفراد ؟! ألاترغبين أن تكوني مثل نسيبة وخولة والخنساء وسمية وصفية وأسماء والرميصاء وغيرهن من عظيمات أعلام النساء المسلمات ؟! كوني فعلاً من شقائق الرجال والتحقي بركب العاملين لإعادة دولة الإسلام لنقضي على كل فساد وجور وظلم، هذه الدولة التي سترعى من تعملين أنت الآن على رعايتهم .

وأقول للنساء اللواتي تلوثت أفكارهنبالمبادئ والأفكار الغربية وأصبحت غايتهن الدعوة لهذه الأفكار وأحذرها بأنها وسواء درت أم لم تدرِ فإن فيدعوتها هذه كفراً بالإسلام وبتعاليمه لأنها تنبذ أحكام الله تعالى وتطالببأحكام أخرى أفضل للإنسان وكأن الله - حاشاه سبحانه - لا يعرف ما هو الأفضل لمنخلقه! فلترجعي عن غيك ولتبصري طريق الحق والنجاة قبل أن يأتي يوم الحساب العظيم أمام رب البشر

ولا أنسى تلك النساء الغافلات السادرات في غيهن المشغولات بتوافه أمور الدنيا وملهياتها من أخبار الموضة ووسائل المحافظة على الجمال والنضارة والرشاقة ، ومتابعة المسلسلات والأفلام والأغاني الساقطة وكذلك مجالس الغيبة والنيمة ،،بعيدات كل البعد عنمجرى الأحداث, حتى إذا سألت إحداهن عن حكم شرعي بسيط أو عن آخر أخبار البلد الذي تعيش فيه أو أخبار العالم أو مجريات الأمور لما عرفت الإجابة.

وكذلك أقول للأزواج والآباء وكل وليِّ أمر ،، لا تقفوا حجر عثرة في طريق النساء في حملهن للدعوة وأعبائها ومتطلباتها ،، فهو كما تعلمون فرض عليها كما هو فرض عليكم ، ولا تحرموهُنَّ شرفَ وأجرَ هذا العمل بل وعليكم حثهن ودعوة من لم تقم بهذا الفرض من نسائكن ،، وجب على النساء توفير الأجواء المناسبة للرجال للقيام بحمل الدعوة ،وكذلك مطلوب من الرجال الوقوف بجانب النساء في تأدية هذا الفرض ، فإنْ تزاحمتِ الأعمالُ وكَثُرتِ التكاليفلظرفٍ ما , فلا بأسَ من الصبرِ والتيسِيرِ عليها ومساعدتِها متأسين برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يساعد نساءه وأهل بيته رغم مهامه العظيمة ومسؤولياته الجسيمة ،، وهو فضلٌ يُحسبُ لك أيهاالزوج , وتُؤجرُ عليه بإذن اللهِ تعالى لأنك تُيسِّرُ عليها بهذا أداءَ فرضٍ من أعظمِ الفروضِوأهمِّها , فرض حملِ الدعوةِ لإقامةِ دولةِ الخلافةِ مبعثُ عزِّ المسلمين , ومنارُ الخيرِوالعدلِ في جميعِ أنحاءِ العالم . ولا نحَسبُك أيها الأخُ الفاضلُ ترضَىأن تعصيَ اللهَ وتخالفَ أمرَهُ و تكونَ السببَ في تخلُّفِ ابنتكَ أو زوجتِكَ أو أختِك عن القيامِبهذا الفرضِ العظيم .قالَ تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ" الأنفال 24 .

نسأل الله تعالى أن نكون ممن ينطبق عليهن قول رسولك العظيم صلى الله عليه وسلم بأننا شقائق الرجال ، ولنكن من هؤلاء اللواتي قال عنهن الشاعر :

ولـو أن النسـاء كمـن عرفنـا **** لفضِّـلت النساء على الرجالِ

فما التأنيـث لاسم الشمس عـيبٌ *** ولا التـذكير فخــرٌ للهـلالِ

اللهم اجعلنا من الصادعات بالحق دون خوف ولا وجل ،، اللهم اجعلنا من العاملاتِ لنصرةِ دينِك دينِ الحق وكحل عيوننا بدولة الخلافة قريباً يا الله يا عظيم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أختكم مسلمة

المزيد من القسم اجتماع

الخلافة والذميين

إنه مما لاشك فيه أن ما يسمى بثورات الربيع العربي قد أثرت تأثيراً عميقاً على شعوب العالم الإسلامي وسيكون لها التأثير الكبير على العالم أجمع وستكون نقطة تحول في تاريخ الأمة الإسلامية.

فقد أظهرت هذه الثورات أن الشعوب قد كفرت بحكامها وأنظمة حكمهم وليس هذا فقط بل كفرت بكل السياسات الرأسمالية المطبقة في العالم بعد أن ظهر فسادها وهي تتطلع لبديل حضاري كفيل بمعالجة الأزمات المستعصية في بلادهم ليكون بديلاً عن النظام الرأسمالي الذي انتهت صلاحيته وظهر عجزه وفساد قيمه ومقاييسه المتناقضة.

وهذا البديل تراه الشعوب الإسلامية في مشروع الإسلام الحضاري عقيدة ونظاماً للحياة ترى فيه الهدى والرحمة للناس كافة، وليس أدل على ذلك من فوز الحركات الإسلامية التي جرت في انتخابات تونس والمغرب ومصر، وكذلك التأييد الكبير لهم في ثورة ليبيا وفي الجزائر من قبل، ومع هذا النجاح الكاسح للإسلام أخذ العلمانيون واليساريون وكل القوى السياسية التقليدية في البلاد الإسلامية والأقليات الغير إسلامية والظلاميين بإظهار معارضتهم لتطبيق الشريعة وإظهار مخاوفهم من الدولة الإسلامية وتشبيهها بالدولة الدينية وباستبداد الأكثرية، وأخذوا يثيرون الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي لا علاقة لها بالإسلام ودولته كمفهوم الدولة الدينية التي هي مفهوم غربي لا يعرفه الإسلام وأخذوا يطالبون بالدولة المدنية وبالتداول السلمي للسلطة ولا يريدون أن تَحكم الغالبية المسلمة برؤيتها الإسلامية بل يريدون أن نحكم برؤيتهم هم حتى أنهم أفرغوا الديمقراطية التي ينادون بها ويدعونها من مضمونها وأخذوا يشككون في صلاحية الإسلام للتطبيق مدعين عدم مناسبته للعصر ثم تدخّلوا في تفصيلات الشريعة واستنكروا أن تُطبق على غير المسلمين وكأنّهم اعتبروا المسلمين طائفة مثل بقية الطوائف الأخرى، ويستنكرون مصطلحات شرعية كمصطلح الجزية أو وصف غير المسلمين بالكفار.

وهنا يجب الإشارة إلى بعض المسلّمات عند المسلمين:

1- إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بشريعة الإسلام فيها حلول لكل المشاكل وللناس كافه، قال تعالى :
" ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين"

2- إنّ من لا يؤمن بالإسلام، لا يجوز له الخوض في التشريعات الإسلامية باجتهاد منه فهو ليس أهلاً لذلك ولا يُناقش في فروع الإسلام، وله الحق فقط أن يسأل عن حكم مسألة بعينها ليعرف حكمها من أهلها.

3- إن مشروعاً إسلامياً لا يقوده من كفر به و كذلك مشروعاً رأسمالياً لا يقوده شيوعي كفر بالرأسمالية، وكذلك المشروع الشيوعي لا يقوده رأسمالي كفر بالشيوعية، فلا تداوُل للسلطة بين الشيوعي والمسلم والرأسمالي في أي مكان في الدنيا، لا عند المسلمين ولا عند غيرهم، والأنظمة القائمة تشترط في المسلم الذي يريد أن يلج الحياة السياسية أن يتخلى عن إسلامه ويلتزم بالعلمانية ويصرح بالإيمان بها .

أمّا بعض المُصطلحات وخاصة وصف الكفر لمن لا يؤمن بالإسلام فهو وصف واقع مطابق لواقعه، فهم قد كفروا بالإسلام فهذا واقعهم ولا يقولون هم غير ذلك، فإن كانوا يرون ذلك مذمة فعليهم الرجوع عن كُفرهم بالإسلام والدخول فيه، وإلا فليفتخروا بكفرهم إن كانوا يرون ذلك حقاً.


وقد أخبر الله سبحانه تعالى بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام ومن معه قد كفروا بما عليه قومهم من عقيدة وافتخروا بذلك ولم يعتبر القرآن ذلك مذمة لهم بل اعتبرها مدحاً لهم حين أخبر بأنهم كفروا بما عليه قومهم، قال تعالى :

"قد كانت لكم أُسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرءاء منكُم وممّا تعبُدون من دون الله كفرنا بكم "

وأمّا موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين فسأتناوله بشيء من الإيجاز الميسّر لعلنا نقف على عظيم شرع الله وعدله وإنصافه، لكل رعايا دولته مما حفظ لهم دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأولادهم وعيشهم الكريم الذي لم توفره لهم دولهم التي قامت على أساس دينهم في الماضي والحاضر.

ونظرة سريعة في تاريخ الغرب في القديم والحديث يجد الباحث نفسهُ عاجزاً عن تسجيل جرائم دول الغرب في حق شعوبهم والشعوب التي ابتُليت بأنظمتهم ونفوذهم لكثرتها وبشاعتها ووحشيّتها.

مثال على ذلك الصراع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك الذي استمر لقرون طويلة بين الانجليز والايرلنديين ومحاكم التفتيش في أوروبا والحروب الاستعمارية الصليبية.

وعندما نأتي إلى التشريع الإسلامي نجد حقيقة مطلقة وقطعية مفادُها أنّ الإسلام شرّع الأحكام لمُعالجة أحوال الناس بصفتها تشريعات تُعالج واقع الإنسان بوصفه إنسان بغض النظر عن معتقده، فالرّبا والقمار والاحتكار والزنا جرائم، بوصفها فعل مدمّر للمُجتمع يعاقب فاعلهُ بغض النظر عن عقيدته، وكذلك سائر المعاملات في الصناعة والتجارة والزراعة والمعاملات المالية وغيرها الكثير، وشرّع عقوبات صارمة للمخالفات حسب نوع المخالفة سواءٌ أكان المُخالف مُسلما أم غير مُسلم أي أنه شرّع نظاماً راقياً للمُجتمع يُطهره من كل دنس يتساوى فيه جميع أفراد الرعية بغض النظر عن أديانهم وألزم الناس به بوصفه التشريع القانوني فقط.

وطُبق هذا النظام على النحو التالي :

1- في جانب العقائد والعبادات:

لم يقبل الإسلام من الناس إسلامهم إلا عن قناعة ذاتية ومرضاة لله، ولذلك لا يُكره أحد على الإسلام، قال تعالى : " لا إكراه في الدين " فأقر الإسلام أهل الأديان على عقائدهم وعباداتهم ولم يتدخل فيها، رغم أنه يرى فسادها.

2- في جانب مطعوماتهم ومشروباتهم:

لقد ترك الإسلام لأهل الأديان مطعوماتهم ومشروباتهم مادام دينهم يجيزها لهم دون انتهاك للحياة العامة، وجَعَل التعدي على خمر في ملك نصراني مخالفة يُعاقب من تعدّى عليه.

3- في جانب أحوالهم الشخصية: الزواج والطلاق والمواريث وكل ما يتعلق بذلك جعل لهم الحق في أن يُجروها وفق معتقداتهم لا يتدخل فيها أيضاً بل يُعين لهم منهم خبيراً ليقوم بفض نزاعاتهم وفق أديانهم.

4- ما تبقى من أحوال مثل حقوق الرعاية وأمور المعاملات والاقتصاد وحق الإنصاف والانتصاف، تطبّق التشريعات عليهم وعلى المسلمين سواء بسواء، لا فرق بينهم وبين المسلمين، ولم يميز بينهم حسب معتقداتهم، وعندما يطبقها على الرعية يطبقها باعتبار الناحية التشريعية القانونية، وليس باعتبار الناحية الروحية، أي لا يُلزمهم بها باعتبارها دين يؤمنون بها بل باعتبارها قوانين يُطالبون بالخضوع لها.

والمسلم يتقبلها باعتبارها جزءاً من دينه يتقرب إلى الله تعالى بها، وغير المسلم يتقبلها باعتبارها قوانين تعالج مشاكلهم معالجةً صحيحة.

وأما موضوع الجزية فإن جميع دول العالم فرضت نظاماً ضريبياً على شعوبها معللة ذلك بأنها ستقوم برعاية الشعوب وتقديم الخدمات لهم فكثرت الضرائب وتعددت وتنوعت حتى أثقلت كاهل الناس وأورثتهم الفقر والجوع والتشرد بخلاف دولة الإسلام التي لم تعرف نظاماً ضريبياً بل فرضت على المسلمين الزكاة باعتبارها عبادة وحكما شرعياً وحددت مقاديرها تحديداً دقيقاً وفرضت على غير المسلمين جزية تؤخذ من الذكور البالغين القادرين وترد هذه الزكاة وهذه الجزية على الرعية على شكل أموال لفقرائهم سواءٌ كانوا مسلمين أم ذميين أو على شكل خدمات عامة من تعليم وتطبيب وقضاء مصالح من غير تمييز بينهم على أساس العقائد. وعند النظر في الواقع نجد جميع دول العالم لديها تشريعات تطبقها على رعاياها باعتبارها قوانين ملزمة للجميع بغض النظر عن دينهم، وترى هذه الدول أن هذا حق لها ولا يقيم وزناً لملايين المسلمين فيها.

فلماذا ينكر على الإسلام ودولته ما يقرونه لهذه الدول رغم فساد التشريعات ورفض شعوبهم لها !؟

إنما هو التناقض وازدواجية المعايير والتخبط الذي تعيشه الأنظمة الوضعية.

نسأل الله أن يعجل لنا بالفرج، ويخلصنا منها ويكحل أعيننا بدولة الإسلام العظمية تنقذ البشرية من وحشية البشر وتشريعاتهم الجائرة، تخرجهم من الظلمات إلى النور ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام.

قال تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليُبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا "

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الشيخ سعيد رضوان- أبو عماد

الذمة وحق الرعاية في الدولة الاسلامية


برز الحديث في الآونة الأخيرة على ألسنة العلمانيين عن الأقباط في مصر لما أصبح الحديث عن تطبيق الشريعة في مصر هو حديث الناس, وكأني بهم يقولون لا يمكن تطبيق الإسلام طالما أن هناك غير مسلمين في الدولة، وتناسى هؤلاء تاريخا يناهز الثلاثة عشر قرنا كان الإسلام هو الحاكم لدولة امتدت من الصين شرقا إلى الأطلنطي غربا، ووقفت على أبواب فينا في زحفها نحو أوروبا. ضمت هذه الدولة بين جنباتها مختلف "الأقليات" العرقية واللغوية والدينية، ولم تبرز أية مشاكل لهذه الأقليات إلا مع تفتت الخلافة الإسلامية.

ومن المعلوم أن التراث الإسلامي لم يستخدم مصطلح " الأقليات" بالنسبة للتجمعات الدينية غير الإسلامية وإنما استخدم لفظ "أهل الذمة" الذي يحمل من الدلالات الأخلاقية ما لا يحمله لفظ "الأقليات". فلفظ الذمة يعني الأمان "ويسعى بذمتهم أدناهم"، وفي لسان العرب الذمة العهد والأمان والضمان والحرمة والحق.

ومما لا شك فيه أن وجود" الأقليات" في الدول، يترتب عليه مشكلات كثيرة من أهمها تفتيت المجتمع، ونشوء المصادمات ومحاولة " الأقلية" الانفصال والتعاون مع الأعداء، ومن المعلوم أن أميركا، والتي هي عبارة عن أقليات أصلا تطبق المبدأ الراسمالي، تستخدم ورقة " الأقليات" للسيطرة على العالم بحجة المحافظة على حقوق" الأقليات".

ولقد ضرب الإسلام أروع الأمثلة في التعامل مع "الأقليات الدينية" أهل الذمة - ناهيك عن أنه استطاع أن يصهر الأقليات اللغوية والعرقية في بوتقة الإسلام - وهناك أحكام قررتها الشريعة في التعامل مع أهل الذمة منها:

1- العدل: فالمسلم لا يمكن أن يحقق التقوى إذا كان بعيدا عن العدل قال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على آلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".

2- الوفاء بالعقود: قال تعالى "أوفوا بالعقود" وقال أيضا "إن الله لا يحب الخائنين" والذمة عقد يجب الوفاء به.

3- النهي عن الظلم والبغي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".

4- لا أكراه في الدين: والدليل على ذلك استمرار وجود تلك الأقليات إلى اليوم في بلاد المسلمين، فإنه في مقابل غدر الأوروبيين ونقضهم السريع لعهودهم وعقودهم التي كانوا يبرمونها مع الأقليات المسلمة الذين سقطت ولاياتهم تحت أيدي الأسبان بين يدي سقوط الأندلس، وفي مقابل إبادة أولئك المسلمين وإكراههم على تغيير دينهم أو تخييرهم بين ذلك أو الموت في محاكم التفتيش في غرناطة وغيرها .


في مقابل ذلك فإن دولة الخلافة في شيخوختها حيث كانت الأقليات غير المسلمة من الأرمن والروم واليهود في اسطنبول إبان الحكم العثماني تتصل مع أعداء الدولة المسلمة وتكيد لها المكائد وتثير القلاقل والمشاكل مما أغضب السلطان سليم الأول فأصدر قراراً بإجبار هذه الأقليات على اعتناق الدين الإسلامي، فهل رضي بذلك المسلمون وهل أقره عليه العلماء .. إن التاريخ يخبرنا أن العلماء أنكروا عليه ذلك أشد الإنكار، ومنهم شيخ الإسلام (زمبيلي علي جمال) الذي ساءه ذلك جداً وواجه السلطان بقوله: (أيها السلطان إن هذا مخالف للشّرع إذ لا إكراه في الدين، وإن جدكم محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول اتبع الشرع الإسلامي، فلم يكره أحداً على اعتناق الإسلام بل أمن الجميع على عقيدتهم، فعليك باتباع الشرع الحنيف وإتباع عهد جدكم محمد الفاتح) وهدد بخلع السلطان إن هو أصر على قراره .. ولكن السلطان الذي كان يحترم العلماء استجاب له وترك للأقليات غير المسلمة دينها وعقيدتها .

وقصة السلطان سليمان القانوني مع يهودي أبى أن يبيع كوخاً له في أرض أراد السلطان إقامة مسجد جامع عليها ، صورة مشرقة من ذلك ، فمع إصرار اليهودي على رفضه البيع، ذهب السلطان إلى كوخ اليهودي يرجوه ويسترضيه ويعرض عليه أضعافاً مضاعفة لثمن كوخه ، وذهل اليهودي لمشهد السلطان يرجوه ويسترضيه لأجل بيع الكوخ .. وهو القادر على طرده من الدولة كلها ، فوافق على البيع وقام مسجد السلطان سليمان القانوني على تلك البقعة بعد استرضاء وموافقة ذلك اليهودي!!


أقول: هذا حدث في شيخوخة الدولة الإسلامية وهرمها وتهلهلها ، وأمثاله والله كثير ولست هنا في صدد تتبعه واستقصائه . ومنه تعرف أن وتر الأقليات في الدولة المسلمة والذي يطنطن ً عليه أعداء الإسلام إنما يعزف عليه ويطرب له أصحاب المآرب الخبيثة الذين يسعون في الحقيقة إلى سيطرة تلك الأقليات التي توافقهم وتقاربهم في الدين على مقاليد الحكم في بلاد المسلمين .


فأنت ترى أن اليهود والنصارى كانوا ينعمون بالأمن والأمان على ممتلكاتهم وعباداتهم وكنائسهم وأنفسهم وذراريهم في ظل دولة الإسلام ، ولم يكونوا يكلفون بالدفاع عن الدولة أو يجندون تجنيداً إجبارياً بل تتحمل الدولة حمايتهم، وكانوا يدفعون جزية زهيدة تدفع مرة في السنة مقابل حمايتهم، وكان كثير من الخلفاء والولاة يسقطونها عمن كبر وعجز منهم ولا يستطيع دفعها، وإن لم تستطع الدولة حمايتهم أعادت لهم الجزية، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حيث قال "من أذى ذميا فقد أذاني وأنا خصمه يوم القيامة" وقال أيضا "من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما". ثم أليست غضبة عمر ومقالته التي ذهبت مثلاً: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) قيلت انتصاراً لقبطي من مصر ضربه ابن الوالي هناك؟ ولننظر في وصيته للخليفة من بعده" وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وان يقاتل من ورائهم وان لا يكلفوا فوق طاقتهم".

وفي النهاية فإن الأقباط أو غيرهم من غير المسلمين هم رعية الدولة الإسلامية كسائر الرعية لهم حق الرعوية وحق الحماية وحق ضمان العيش وحق المعاملة بالحسنى وحق الرفق واللين ولهم أن يشتركوا في جيش المسلمين ويقاتلوا معهم، ولكن ليس عليهم واجب القتال، ولهم ما للمسلمين من الإنصاف وعليهم ما عليهم من الانتصاف، وينظر إليهم أمام القاضي وعند رعاية الشئون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات كما ينظر للمسلمين دون أي تمييز، فواجب العدل لهم كما هو واجب للمسلمين.

شريف زايد

مصر