ميزان الفكر والنفس والسلوك  -  الحلقة الرابعة عشرة
ميزان الفكر والنفس والسلوك  -  الحلقة الرابعة عشرة

ومن الأسس التي أولاها الإسلام عناية خاصة ما يسمى برأي الأكثرية، وحصره وقيده في الأمور التي تؤدي إلى عمل، والأمور التي لا يُبحث فيها عن الصواب، أما الأمور التي مآلها تحديد الصواب فلا عبرة فيها برأي الأكثرية، فالأمور التشريعية يُتّبع فيها الدليل الشرعي باستنباط صحيح ضمن الأصول الفقهية المتبعة المعتمدة، ودليل ذلك النصوص التي أمرت بطاعة الله ورسوله، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، فلم يأبه لرأي الأكثرية، بل قال: (إنما أتبع أمر ربي ولن يضيعني).

0:00 0:00
السرعة:
September 13, 2024

ميزان الفكر والنفس والسلوك - الحلقة الرابعة عشرة

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الرابعة عشرة

بسم الله الرحمن الرحيم

ومن الأسس التي أولاها الإسلام عناية خاصة ما يسمى برأي الأكثرية، وحصره وقيده في الأمور التي تؤدي إلى عمل، والأمور التي لا يُبحث فيها عن الصواب، أما الأمور التي مآلها تحديد الصواب فلا عبرة فيها برأي الأكثرية، فالأمور التشريعية يُتّبع فيها الدليل الشرعي باستنباط صحيح ضمن الأصول الفقهية المتبعة المعتمدة، ودليل ذلك النصوص التي أمرت بطاعة الله ورسوله، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، فلم يأبه لرأي الأكثرية، بل قال: (إنما أتبع أمر ربي ولن يضيعني). وكذلك الأمور التي تحتاج إلى خبرة، كالخبرة العسكرية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزل عند رأي واحد من الصحابة في كل من غزوة بدر وغزوة الخندق، ففي غزوة بدر نزل عند رأي الحباب بن المنذر، في اختيار المكان المناسب للجيش، وفي غزوة الخندق نزل عند رأي سلمان الفارسي في حفر الخندق حول المدينة. وكذلك الأمور الفكرية والتعريفات فإنها يُتّبع فيها الصواب، ويؤخذ بالرأي الصواب من المفكرين والمتخصصين وأهل العلم والخبرة.

أما الأمور المؤدية إلى عمل، والأمور التي لا يبحث فيها عن الخطأ والصواب، فإنه يُتّبع فيها رأي الأكثرية،  ويكون رأي الأكثرية فيه ملزماً، كاختيار خليفة من بين شخصين قام بالموافقة على ترشيحهما مجلس الأمة، وتتوافر فيهما شروط الخلافة، فإن من ينال أكثرية الأصوات يصبح هو الخليفة. وكذلك من الأمور المؤدية إلى عمل بناء مدرسة أو مستشفى في مدينة من مدن الدولة، فإن اختار الناس مكاناً معيناً للمدرسة أو المستشفى فإنه يؤخذ برأيهم أي برأي الأكثرية. فالموضوع الوحيد الذي يؤخذ فيه برأي الأكثرية أن يكون مؤدياً إلى عمل، وما عدا ذلك من الأمور التشريعية والفكرية والخبرة والاختصاص والتعريفات فإنها تؤخذ من أهلها المختصين كل بحسب اختصاصه، ويؤخذ بالصواب فيها، ولا عبرة فيها برأي الأكثرية.

وقد وردت آيات كثيرة ورد فيها ذمّ الكثرة والأكثرية، وآيات ورد فيها مدح القلة، فقال سبحانه وتعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) سورة الأنعام، فنسب اتباع الظن لأكثر من في الأرض، وقال سبحانه: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) سورة يوسف، نسب إلى الكثرة عدم الإيمان، وقال سبحانه أيضاً ينسب إلى الكثرة عدم الإيمان: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) سورة الرعد، وقال سبحانه: (وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) سورة النحل، فنسب إلى الكثرة عدم العلم،  وقال سبحانه: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) سورة غافر، فنسب إلى الكثرة عدم الشكر، وقال سبحانه أيضاً في قلة الشكر: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) سورة سبأ.

كما أنه سبحانه نهى عن اتباع الظن في أمور العقيدة، وذمّ الذين يتبعون غيرهم ويقلدونهم في العقيدة، وأنهم سيتبرأون منهم كما تبرأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبَعوا، فقال سبحانه: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى {19} وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى {20} أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى {21} تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى {22} إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى) سورة النجم، فذمّهم وذمَّ اتباعَهم الظن في اتخاذ الأصنام آلهة من دون الله. وقال سبحانه وتعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) سورة يونس، وغيرها الكثير من الآيات في ذمّ اتباع الظنّ في مسائل العقيدة. وقال سبحانه وتعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ {166} وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) سورة البقرة، فمن يتبعْ غيرَه في الاعتقادات يتبرأ منه يوم القيامة، وقال سبحانه وتعالى في ذم اتباع السادة والكبراء في الباطل: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا {66} وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) سورة الأحزاب.

وأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بطاعة الله وطاعة رسوله، وقرر حقيقة أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، وأمر المؤمنين إن تنازعوا في أمر أن يردوه إلى الله والرسول.

وسنتناول في نهاية الكتاب عدداً من الأفكار التي أخطأ في فهمها المسلمون،  ولو أنهم قاسوها على العقيدة الإسلامية، وجعلوا العقيدة أساساً وقاعدة لأفكارهم لما أخطأوا في فهمها.

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.