ميزان الفكر والنفس والسلوك - الحلقة السابعة والعشرون
ميزان الفكر والنفس والسلوك - الحلقة السابعة والعشرون

وأخبر سبحانه أنه يهدي من اتصف بصفات معينة، ووصف من اتصف بصفات معينة بأنهم مهتدون، فقال سبحانه: (قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام)، وقال سبحانه: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون).

0:00 0:00
السرعة:
September 26, 2024

ميزان الفكر والنفس والسلوك - الحلقة السابعة والعشرون

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة السابعة والعشرون

بسم الله الرحمن الرحيم

وأخبر سبحانه أنه يهدي من اتصف بصفات معينة، ووصف من اتصف بصفات معينة بأنهم مهتدون، فقال سبحانه: (قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام)، وقال سبحانه: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون).

ونَسب الله سبحانه وتعالى اختيار الهداية والضلال إلى العباد في مواضع متعددة من القرآن الكريم، فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وما ربك بظلام للعبيد).

فمع خلق الله سبحانه خاصية اختيار الهدى والضلال في الإنسان، ترك له أن يختار، وهو سبحانه يحاسبه على اختياره، وعليه تفهم الآيات الكريمة التي فهمها بعض الناس على ظاهرها دون ربطها بباقي الآيات من مثل (فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء)، فهذه الآية وأمثالها لا تعني أن الله تعالى يجبر أحداً على اختيار الهدى وعلى اختيار الضلال، بل بربطها بباقي الآيات التي ذكرنا بعضها هنا تدل على أن الله سبحانه هو الذي خلق في الإنسان خاصية الاختيار بين الهدى والضلال، وتدل أيضاً أنه لا يقع شيء في ملك الله سبحانه بغير علمه وبغير مشيئته، فلا يهتدي أحد جبراً عن الله ولا يضل أحدُ جبراً عن الله: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله )، فالأولى أن تحمل هذه الآيات على الهداية والضلال المذكورين في آيات كثيرة مما أشرنا إليه (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً) (ويزيد الله الذين اهتدوا هدىً)، فمن كان في الضلالة أي من اختار الضلالة وحرص عليها فهو ممن شاء الله أن يضلهم بأن يمد له في الضلال، والذين اهتدوا هم من الذين شاء الله سبحانه أن يهديهم، يقول سبحانه وتعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم).

وقد أخبر الله سبحانه وتعالى بعلمه المطلق عن أناس بأعيانهم أنهم لا يؤمنون، وكان هذا معجزة للناس، وتحدياً لأولئك الذين أخبر عنهم أنهم من أصحاب النار، كأبي لهب، فالله تعالى لم يجبره على الكفر وعلى العداوة للرسول صلى الله عليه وسلم وللإسلام، لكن الله سبحانه أخبر بعلمه المطلق أنه من أصحاب النار، وانظر إلي أبي لهب كيف بقي مصراً على الكفر رغم نزول سورة المسد، ومات مصراً على الكفر بكامل إرادته، وذاك أبو جهل، وذاك الوليد بن المغيرة (سأصليه سقر)، وغيرهم.

وأخبر الله سبحانه وتعالى أن الهدى هو من عند الله، وأن الهدى إنما هو هدى الله، وما عداه فهو ضلال، ووصف الله سبحانه القرآن بأنه هدى، ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه هدى.

بهذا الميزان وبهذا الفهم لهذا الميزان، يتبع العبد هدى الله ويتوخّاه ويتحرّاه ليزيده الله سبحانه وتعالى هدى وتوفيقاً، ويوقن العبد أنه باستقامته على الحق وعلى الطريق المستقيم يكون من المهتدين، فيحرص على ذلك بالاستمرار على الالتزام بأوامر الله سبحانه واجتناب ما نهى عنه حتى لا يحرم الهدى والتوفيق.

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.