قانتات حافظات - الحلقة 17
January 24, 2010

قانتات حافظات - الحلقة 17

قلنا إنَّهُ يجوزُ للمرأةِ أن تكونَ عضواً في مجلسِ الأمةِ في حالِ وُجودِ مجلسِ أمة ، وواقعُ مجلسِ الأمةِ أنهُ يُحاسِبُ الحاكمَ ويراقِبُه، ويُظهرُ سخطَهُ بما يحتاجُ إلى إظهارِ سخط، كالتقصيرِ في رعايةِ الشؤون، وكالتساهُلِ في تطبيقِ الإسلامِ، أو القعودِ عن حملِ الدعوةِ الإسلاميةِ وما شاكلَ ذلك.
وهذا كلُهُ منَ السياسيةِ أي رعايةُ الشؤونِ وبحاجةٍ لأنْ يكونَ للمرأةِ رأيٌ فيه، فأعمالُ مجلسِ الأمّةِ هي أنَّ الدولةَ ترجعُ إليهِ لأخذِ رأيِهِ فيما تُريدُ القيامَ بهِ من أعمالٍ داخلية وخارجية، ومحاسبَتِها على ما قامتْ بِهِ من أعمالٍ داخلية وخارجية، أو هو مِنْ نفسِهِ يُعطي للمرأةِ إبداءَ آراءِها في الأمور، داخليةٍ أو خارجية، ومِن أعمالِهِ أيضاً إعطاءُ رأيهِ فيمَن يكونونَ مُرشَحين لمنصبِ الخلافة، وإظهارُ تذمُرِهِ منَ الوُلاةِ والْمُعاونين، وكلُّها تدخلُ تحتَ إعطاءِ الرأيِ الذي يُرشِدُ إلى عملٍ.
و أعضاءُ مجلسِ الأمّةِ رجالٌ ونساءٌ هم وكلاءٌ في الرأيِ عن الأمةِ بِرِجالِها ونِسائِها أيضاً، فإنَّ للمرأةِ الحقَ بأنْ تُعطِيَ رأيَها في كلِ ما هو من صلاحياتِ مجلسِ الأمّة، فلها أنْ تُعطِيَ رأيَها السياسيَ، والاقتصاديَ، والتشريعيَ، وغيرَ ذلك. ولها أنْ تُوكِّلَ عنها من تشاءُ لإعطاءِ الرأي، وأن تَتَوكل عَمن تشاءُ بإعطاءِ هذا الرأي. وقد أعطاها الإسلامُ حقَ إعطاءِ الرأي، كما أعطى الرجلَ سواءً بسواء، فالشورى في الإسلامِ حقٌ للرجلِ والمرأةِ على السواء.
ولما كانَ مجلسُ الأمّةِ هو مجلسٌ لإعطاءِ الرأي، وكان أعضاؤُه وكلاءَ عن غيرِهِم في إعطاءِ الرأي، فإنَّهُ يجوزُ للمرأةِ أنْ تَنتخِبَ وتُنتخَبَ في مجلسِ الأمّةِ، أي يَجوزُ لها أنْ تكونَ وكيلاً عن غيرِها، وأنْ تُوكِّلَ غيرَها في إعطاءِ الرأي. والدليلُ على ذلكَ بيعةُ العقبةِ حيثُ كانَ فيها ثلاثةٌ وسبعونَ رجلاً وامرأتان، هما أمُ عمارة بنتُ كلب إحدى نساءِ بني مازن، وأسماءُ بنتُ عمرو بن عُدي إحدى نساءِ بني سَلمةَ
فذهبوا جوفَ الليلِ وتسلَّقوا الشِّعْبَ جميعاً وتسلقتِ المرأتانِ معهُم، وقد قالَ لهمُ الرسولُ: «أبايِعُكُم على أن تَمنَعوني ما تَمنعونَ به نساءَكُم وأبناءَكُم» أخرجَهُ ابنُ حبانَ في صحيحِهِ مِن طريقِ عوف بنِ مالك. وقدْ كانتْ بيعتُهُم هذه أنْ قالوا: «بايعْنا على السمعِ والطاعةِ في عُسرِنا ويُسرِنا ومَنشَطِنا ومَكْرَهِنا، وأنْ نقولَ بالحقِ أينَما كُنَّا، لا نخافُ في اللهِ لومةَ لائم» أخرجَهُ أحمدُ والنسائيُ من طريقِ عُبادةَ بنِ الصامت، وهذهِ بيعةٌ سياسية.
وللمرأةِ أيضاً أنْ تَنتخِبَ الخليفةَ ولها أيضاً أن تُبايِعَهُ فعن أمِ عطيةَ قالت: «بايعَنا النبيُ *فقرأَ علينا أنْ لا يُشركْنَ باللهِ شيئاً ونهانا عنِ النِّياحةِ، فقبضتْ امرأةٌ منَّا يدَها فقالت: فلانةٌ أسعدتْني وأنا أريدُ أن أُجزِيَها. فلمْ يَقُلْ شيئاً. فذهبتْ ثمَّ رجعتْ» أخرجَهُ البخاري. وبيعةُ النبيِ * لم تكنْ على النُّبُوةِ وإنَّما كانتْ على الطَّاعة للحاكِم.
وأيضاً قولُهُ تعالى في سورةِ الممتحَنةِ، الآية 12 : (يا أيُّها النّبيُّ إذا جاءَكَ المؤمناتُ يُبايِعْنكَ على أن لاَ يُشْرِكْنَ باللهِ شَيْئاً وَلا يسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوف فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )، ففيهِ دليلٌ قرآنيٌّ نفّذَهُ الرسولُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ على قبولِ بيعةِ المرأةِ لوليِّ الأمرِ بلْ وَوُجوبُها، فانَّ البيعةَ في هذهِ الآيةِ هي بيعةُ طاعةٍ لوليِّ الأمرِ، على الالتزامِ بأحكامِ الشريعةِ وقوانينِها، والإقرارِ بولايَتِه.
فللمرأةِ أنْ تُبدِيَ رأيَها ولها أن تُناقِشَ وتسألَ وتستفْسِرَ ، وتعطِيَ النَّصيحةَ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ «الدينُ النصيحةُ، قيلَ لِمنْ يا رسولَ اللهِ قالَ للهِ ولِرسولِهِ ولأئمةِ المسلمينَ وعامَتِهم» أخرجَهُ مسلمُ من طريقِ تميمٍ الداري، فلمْ يقتصرْ إعطاءُ النصيحةِ على الرجلِ، بل للمسلمِ أنْ يُعطيَ النصيحةَ لأئمةِ المسلمينَ وعامَتِهِم، سواءَ أكانَ المعطي رجلاً أمِ امرأة.
و كانتِ النساءُ يناقشْنَ الرسولَ ويسألْنَهُ فإنَّ معنى ذلكَ أنْ يُناقِشْنَ الخليفةَ وغيرَهُ مِمَنْ بأيديهِمُ الحكمُ ويسألْنَهُم. فقدْ رُويَ أنَّ الرسولَ عليهِ السلامُ بعدَ أنْ وعظَ الرجالَ يومَ العيدِ «مضى حتى أتى النساءَ فوعظَهُنَّ وذكَّرَهُنَّ وقالَ تَصَدَقْنَّ فإنَّ أكثرَكُنَّ حطبُ جنهم، فقامتِ امرأةٌ منْ سطة النساءِ سفعاءُ الخدينِ، فقالتْ لِمَ يا رسولَ اللهِ ؟ . . الحديث» أخرجَهُ مسلمُ من طريقِ جابر، وهو يدلُ على أنَّ المرأةَ ناقشَتِ الرسولَ وسألَتْهُ عنْ سببِ ما قالَهُ في حقِهِنَّ. وقصةُ خولةَ بنتِ ثعلبةَ التي جاءتْ إلى النبيِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وجادلَتْهُ، قصةٌ مشهورةٌ قد أشارَ إليها اللهُ في القرآنِ في سورةِ المجادِلة.
هذا منْ حيثُ حقِ المرأةِ في العملِ وفي إبداءِ الرأيِ وفي دورِها السياسي، ولكنْ وجَبَ لفتُ الانتباهِ إلى نقطةٍ هامةٍ ألا وهي أنَّ الشرعَ قد أوجبَ أحكاماً شرعيةً متعددةً، آخذٌ بعضُها برقابِ بعض، ولا يَعني طلبُ التقيدِ في حكمٍ منها تركَ التقيدِ في غيرِهِ، بل لا بُدَ منْ تقيدِ المسلمِ والمسلمةِ في أحكامِ الشرعِ جميعِها، حتى لا يَحصُلَ التناقضُ في الشخصِ الواحد، فيبدو التناقضُ وكأنَّهُ في الأحكامِ. فالإسلامُ لا يعني في إباحةِ الأعمال للمرأةِ أنْ تذهبَ إلى دائرةِ الدولةِ تعملُ فيها موظفةً أو ممرضةً في مستشفى، بعد أنْ تكونَ قد أخذتْ زينَتَها، ولا يعني أن تذهبَ إلى المتجَرِ في مثلِ هذهِ الزينة، تُباشرُ البيعَ في حالٍ من الطراوةِ والإغراء، وبأسلوبٍ منَ الحديث يُغري المشتريَ أنْ يتمتعَ بمساقَطَتِها الحديثَ أثناءَ هذهِ المساوَمَة، في سبيلِ أنْ تُغليَ عليهِ ثمنَ السِّلعة، أو تُغرِيَهُ بالشِّراء، ولا يعني الإسلامُ أنْ تشتغِلَ كاتبةً عندَ محام، أو سكرتيرةً لصاحبِ أعمال، وتختلي بِهِ كلما احتاج العملُ إلى الخَلوةِ، وتَلبَسُ لهُ منَ الثيابِ ما يكشفُ شعرَها وصدرَها، وظهرَها، وذراعَيْها، وساقَيْها، وتُبدِي لهُ ما يَشتَهي من جِسمِها، بلْ أمرَ النساءَ بالحشمةِ وبارتداءِ اللباسِ الكاملِ في الحياةِ العامةِ، والذي قُمنا ببيانِهِ وبِتفصيلٍ في حلقاتٍ سابقةٍ وأيضا منعَها من الخَلوةِ بالأجانب.
كلا لا يعني الإسلامُ شيئاً من ذلكَ وإنَّما يعني الإسلامُ أنْ يُطَبِّقَ المسلمُ أحكامَ الإسلامِ كَلَّها على نفسِه. فحينَ أباحَ الإسلامُ للمرأةِ أنْ تباشرَ البيعَ والشراءَ في السوقِ منعَها من أنْ تخرجَ إليهِ متبرجَةً، وأمرَها أن تأخُذَ باِلحُكمَيْنِ معاً.
وقد أمرَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى الرجلَ والمرأةَ بتقوى الله، أمرَ كُلاً منَ الرجلِ والمرأةِ أنْ يَغُضوا من أبصارِهم، وأنْ يَحفظوا فروجَهُم ومتى اتصفَ المسلمُ بتقوى الله، فخافَ عذابَهُ، أو طَمِعَ في جنتِهِ ونَوالِ رضوانِه، فإنَّ هذه التقوى تَصْرِفُهُ عنِ الْمُنكر، وتَصُدُهُ عنْ مَعصيةِ الله.
كما وأمرَهُما أن يَبتَعِدا عنْ مواطِنِ الشُبُهات، وأن يَحتاطا مْن ذلكَ حتى لا يَقَعا في معصيةِ الله، فمنع كلاً من الرجلِ والمرأةِ مِنَ الخَلوةِ بالآخرِ ، كما ومَنعَهُما الإسلامُ من مباشرةِ أيِ عملٍ فيه خطرٌ على الأخلاق، أو فسادٌ للجماعة. فُتمنعُ المرأةُ منَ الاشتغالِ في أيِ عملٍ يُقصَدُ منهُ استغلالُ أنوثَتِها. فعنْ رافع بنِ رفاعة قال: «نهانا * عنْ كسبِ الأَمَةِ إلا ما عملَتْ بِيَدَيْها. وقالَ: هكذا بأصابِعِه نحوَ الْخَبزِ والغَزْلِ والنَّفْشِ» أخرجَهُ أحمد. فتُمنَعُ المرأةُ منَ الاشتغالِ في المتاجِرِ لِجلْبِ الزبائن، والاشتغالِ بالسَّفاراتِ والقُنصُلياتِ وأمثالِهِ بقَصدِ الاستعانةِ بأُنوثَتِها للوصولِ إلى أهدافٍ سياسية، وتُمنعُ منْ أن تشتغِلَ مُضيفةً في طائرة، وما شاكَلَ ذلكَ من الأعمالِ التي تَعملُ فيها المرأةُ بقصد استخدامِ أُنوثَتِها.
وبهذا كلِهِ يُمكِنُ أن نرى كيفَ أنَّ قيامَ المرأةِ في الحياةِ العامةِ بالأعمالِ التي أباحَها الشرعُ لا يَنتُجُ عنهُ أيُ فساد، ولا يُؤدي إلى أيِ ضرر، بل هُو ضرورِيٌ للحياةِ العامةِ ولِرُقِيِ الجماعة. فالشرعُ أعلمُ بِما يُصلِحُ الإنسانَ فرداً أو جماعةً في الحياةِ الخاصةِ والعامة.

المزيد من القسم اجتماع

الخلافة والذميين

إنه مما لاشك فيه أن ما يسمى بثورات الربيع العربي قد أثرت تأثيراً عميقاً على شعوب العالم الإسلامي وسيكون لها التأثير الكبير على العالم أجمع وستكون نقطة تحول في تاريخ الأمة الإسلامية.

فقد أظهرت هذه الثورات أن الشعوب قد كفرت بحكامها وأنظمة حكمهم وليس هذا فقط بل كفرت بكل السياسات الرأسمالية المطبقة في العالم بعد أن ظهر فسادها وهي تتطلع لبديل حضاري كفيل بمعالجة الأزمات المستعصية في بلادهم ليكون بديلاً عن النظام الرأسمالي الذي انتهت صلاحيته وظهر عجزه وفساد قيمه ومقاييسه المتناقضة.

وهذا البديل تراه الشعوب الإسلامية في مشروع الإسلام الحضاري عقيدة ونظاماً للحياة ترى فيه الهدى والرحمة للناس كافة، وليس أدل على ذلك من فوز الحركات الإسلامية التي جرت في انتخابات تونس والمغرب ومصر، وكذلك التأييد الكبير لهم في ثورة ليبيا وفي الجزائر من قبل، ومع هذا النجاح الكاسح للإسلام أخذ العلمانيون واليساريون وكل القوى السياسية التقليدية في البلاد الإسلامية والأقليات الغير إسلامية والظلاميين بإظهار معارضتهم لتطبيق الشريعة وإظهار مخاوفهم من الدولة الإسلامية وتشبيهها بالدولة الدينية وباستبداد الأكثرية، وأخذوا يثيرون الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي لا علاقة لها بالإسلام ودولته كمفهوم الدولة الدينية التي هي مفهوم غربي لا يعرفه الإسلام وأخذوا يطالبون بالدولة المدنية وبالتداول السلمي للسلطة ولا يريدون أن تَحكم الغالبية المسلمة برؤيتها الإسلامية بل يريدون أن نحكم برؤيتهم هم حتى أنهم أفرغوا الديمقراطية التي ينادون بها ويدعونها من مضمونها وأخذوا يشككون في صلاحية الإسلام للتطبيق مدعين عدم مناسبته للعصر ثم تدخّلوا في تفصيلات الشريعة واستنكروا أن تُطبق على غير المسلمين وكأنّهم اعتبروا المسلمين طائفة مثل بقية الطوائف الأخرى، ويستنكرون مصطلحات شرعية كمصطلح الجزية أو وصف غير المسلمين بالكفار.

وهنا يجب الإشارة إلى بعض المسلّمات عند المسلمين:

1- إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بشريعة الإسلام فيها حلول لكل المشاكل وللناس كافه، قال تعالى :
" ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين"

2- إنّ من لا يؤمن بالإسلام، لا يجوز له الخوض في التشريعات الإسلامية باجتهاد منه فهو ليس أهلاً لذلك ولا يُناقش في فروع الإسلام، وله الحق فقط أن يسأل عن حكم مسألة بعينها ليعرف حكمها من أهلها.

3- إن مشروعاً إسلامياً لا يقوده من كفر به و كذلك مشروعاً رأسمالياً لا يقوده شيوعي كفر بالرأسمالية، وكذلك المشروع الشيوعي لا يقوده رأسمالي كفر بالشيوعية، فلا تداوُل للسلطة بين الشيوعي والمسلم والرأسمالي في أي مكان في الدنيا، لا عند المسلمين ولا عند غيرهم، والأنظمة القائمة تشترط في المسلم الذي يريد أن يلج الحياة السياسية أن يتخلى عن إسلامه ويلتزم بالعلمانية ويصرح بالإيمان بها .

أمّا بعض المُصطلحات وخاصة وصف الكفر لمن لا يؤمن بالإسلام فهو وصف واقع مطابق لواقعه، فهم قد كفروا بالإسلام فهذا واقعهم ولا يقولون هم غير ذلك، فإن كانوا يرون ذلك مذمة فعليهم الرجوع عن كُفرهم بالإسلام والدخول فيه، وإلا فليفتخروا بكفرهم إن كانوا يرون ذلك حقاً.


وقد أخبر الله سبحانه تعالى بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام ومن معه قد كفروا بما عليه قومهم من عقيدة وافتخروا بذلك ولم يعتبر القرآن ذلك مذمة لهم بل اعتبرها مدحاً لهم حين أخبر بأنهم كفروا بما عليه قومهم، قال تعالى :

"قد كانت لكم أُسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرءاء منكُم وممّا تعبُدون من دون الله كفرنا بكم "

وأمّا موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين فسأتناوله بشيء من الإيجاز الميسّر لعلنا نقف على عظيم شرع الله وعدله وإنصافه، لكل رعايا دولته مما حفظ لهم دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأولادهم وعيشهم الكريم الذي لم توفره لهم دولهم التي قامت على أساس دينهم في الماضي والحاضر.

ونظرة سريعة في تاريخ الغرب في القديم والحديث يجد الباحث نفسهُ عاجزاً عن تسجيل جرائم دول الغرب في حق شعوبهم والشعوب التي ابتُليت بأنظمتهم ونفوذهم لكثرتها وبشاعتها ووحشيّتها.

مثال على ذلك الصراع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك الذي استمر لقرون طويلة بين الانجليز والايرلنديين ومحاكم التفتيش في أوروبا والحروب الاستعمارية الصليبية.

وعندما نأتي إلى التشريع الإسلامي نجد حقيقة مطلقة وقطعية مفادُها أنّ الإسلام شرّع الأحكام لمُعالجة أحوال الناس بصفتها تشريعات تُعالج واقع الإنسان بوصفه إنسان بغض النظر عن معتقده، فالرّبا والقمار والاحتكار والزنا جرائم، بوصفها فعل مدمّر للمُجتمع يعاقب فاعلهُ بغض النظر عن عقيدته، وكذلك سائر المعاملات في الصناعة والتجارة والزراعة والمعاملات المالية وغيرها الكثير، وشرّع عقوبات صارمة للمخالفات حسب نوع المخالفة سواءٌ أكان المُخالف مُسلما أم غير مُسلم أي أنه شرّع نظاماً راقياً للمُجتمع يُطهره من كل دنس يتساوى فيه جميع أفراد الرعية بغض النظر عن أديانهم وألزم الناس به بوصفه التشريع القانوني فقط.

وطُبق هذا النظام على النحو التالي :

1- في جانب العقائد والعبادات:

لم يقبل الإسلام من الناس إسلامهم إلا عن قناعة ذاتية ومرضاة لله، ولذلك لا يُكره أحد على الإسلام، قال تعالى : " لا إكراه في الدين " فأقر الإسلام أهل الأديان على عقائدهم وعباداتهم ولم يتدخل فيها، رغم أنه يرى فسادها.

2- في جانب مطعوماتهم ومشروباتهم:

لقد ترك الإسلام لأهل الأديان مطعوماتهم ومشروباتهم مادام دينهم يجيزها لهم دون انتهاك للحياة العامة، وجَعَل التعدي على خمر في ملك نصراني مخالفة يُعاقب من تعدّى عليه.

3- في جانب أحوالهم الشخصية: الزواج والطلاق والمواريث وكل ما يتعلق بذلك جعل لهم الحق في أن يُجروها وفق معتقداتهم لا يتدخل فيها أيضاً بل يُعين لهم منهم خبيراً ليقوم بفض نزاعاتهم وفق أديانهم.

4- ما تبقى من أحوال مثل حقوق الرعاية وأمور المعاملات والاقتصاد وحق الإنصاف والانتصاف، تطبّق التشريعات عليهم وعلى المسلمين سواء بسواء، لا فرق بينهم وبين المسلمين، ولم يميز بينهم حسب معتقداتهم، وعندما يطبقها على الرعية يطبقها باعتبار الناحية التشريعية القانونية، وليس باعتبار الناحية الروحية، أي لا يُلزمهم بها باعتبارها دين يؤمنون بها بل باعتبارها قوانين يُطالبون بالخضوع لها.

والمسلم يتقبلها باعتبارها جزءاً من دينه يتقرب إلى الله تعالى بها، وغير المسلم يتقبلها باعتبارها قوانين تعالج مشاكلهم معالجةً صحيحة.

وأما موضوع الجزية فإن جميع دول العالم فرضت نظاماً ضريبياً على شعوبها معللة ذلك بأنها ستقوم برعاية الشعوب وتقديم الخدمات لهم فكثرت الضرائب وتعددت وتنوعت حتى أثقلت كاهل الناس وأورثتهم الفقر والجوع والتشرد بخلاف دولة الإسلام التي لم تعرف نظاماً ضريبياً بل فرضت على المسلمين الزكاة باعتبارها عبادة وحكما شرعياً وحددت مقاديرها تحديداً دقيقاً وفرضت على غير المسلمين جزية تؤخذ من الذكور البالغين القادرين وترد هذه الزكاة وهذه الجزية على الرعية على شكل أموال لفقرائهم سواءٌ كانوا مسلمين أم ذميين أو على شكل خدمات عامة من تعليم وتطبيب وقضاء مصالح من غير تمييز بينهم على أساس العقائد. وعند النظر في الواقع نجد جميع دول العالم لديها تشريعات تطبقها على رعاياها باعتبارها قوانين ملزمة للجميع بغض النظر عن دينهم، وترى هذه الدول أن هذا حق لها ولا يقيم وزناً لملايين المسلمين فيها.

فلماذا ينكر على الإسلام ودولته ما يقرونه لهذه الدول رغم فساد التشريعات ورفض شعوبهم لها !؟

إنما هو التناقض وازدواجية المعايير والتخبط الذي تعيشه الأنظمة الوضعية.

نسأل الله أن يعجل لنا بالفرج، ويخلصنا منها ويكحل أعيننا بدولة الإسلام العظمية تنقذ البشرية من وحشية البشر وتشريعاتهم الجائرة، تخرجهم من الظلمات إلى النور ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام.

قال تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليُبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا "

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الشيخ سعيد رضوان- أبو عماد

الذمة وحق الرعاية في الدولة الاسلامية


برز الحديث في الآونة الأخيرة على ألسنة العلمانيين عن الأقباط في مصر لما أصبح الحديث عن تطبيق الشريعة في مصر هو حديث الناس, وكأني بهم يقولون لا يمكن تطبيق الإسلام طالما أن هناك غير مسلمين في الدولة، وتناسى هؤلاء تاريخا يناهز الثلاثة عشر قرنا كان الإسلام هو الحاكم لدولة امتدت من الصين شرقا إلى الأطلنطي غربا، ووقفت على أبواب فينا في زحفها نحو أوروبا. ضمت هذه الدولة بين جنباتها مختلف "الأقليات" العرقية واللغوية والدينية، ولم تبرز أية مشاكل لهذه الأقليات إلا مع تفتت الخلافة الإسلامية.

ومن المعلوم أن التراث الإسلامي لم يستخدم مصطلح " الأقليات" بالنسبة للتجمعات الدينية غير الإسلامية وإنما استخدم لفظ "أهل الذمة" الذي يحمل من الدلالات الأخلاقية ما لا يحمله لفظ "الأقليات". فلفظ الذمة يعني الأمان "ويسعى بذمتهم أدناهم"، وفي لسان العرب الذمة العهد والأمان والضمان والحرمة والحق.

ومما لا شك فيه أن وجود" الأقليات" في الدول، يترتب عليه مشكلات كثيرة من أهمها تفتيت المجتمع، ونشوء المصادمات ومحاولة " الأقلية" الانفصال والتعاون مع الأعداء، ومن المعلوم أن أميركا، والتي هي عبارة عن أقليات أصلا تطبق المبدأ الراسمالي، تستخدم ورقة " الأقليات" للسيطرة على العالم بحجة المحافظة على حقوق" الأقليات".

ولقد ضرب الإسلام أروع الأمثلة في التعامل مع "الأقليات الدينية" أهل الذمة - ناهيك عن أنه استطاع أن يصهر الأقليات اللغوية والعرقية في بوتقة الإسلام - وهناك أحكام قررتها الشريعة في التعامل مع أهل الذمة منها:

1- العدل: فالمسلم لا يمكن أن يحقق التقوى إذا كان بعيدا عن العدل قال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على آلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".

2- الوفاء بالعقود: قال تعالى "أوفوا بالعقود" وقال أيضا "إن الله لا يحب الخائنين" والذمة عقد يجب الوفاء به.

3- النهي عن الظلم والبغي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".

4- لا أكراه في الدين: والدليل على ذلك استمرار وجود تلك الأقليات إلى اليوم في بلاد المسلمين، فإنه في مقابل غدر الأوروبيين ونقضهم السريع لعهودهم وعقودهم التي كانوا يبرمونها مع الأقليات المسلمة الذين سقطت ولاياتهم تحت أيدي الأسبان بين يدي سقوط الأندلس، وفي مقابل إبادة أولئك المسلمين وإكراههم على تغيير دينهم أو تخييرهم بين ذلك أو الموت في محاكم التفتيش في غرناطة وغيرها .


في مقابل ذلك فإن دولة الخلافة في شيخوختها حيث كانت الأقليات غير المسلمة من الأرمن والروم واليهود في اسطنبول إبان الحكم العثماني تتصل مع أعداء الدولة المسلمة وتكيد لها المكائد وتثير القلاقل والمشاكل مما أغضب السلطان سليم الأول فأصدر قراراً بإجبار هذه الأقليات على اعتناق الدين الإسلامي، فهل رضي بذلك المسلمون وهل أقره عليه العلماء .. إن التاريخ يخبرنا أن العلماء أنكروا عليه ذلك أشد الإنكار، ومنهم شيخ الإسلام (زمبيلي علي جمال) الذي ساءه ذلك جداً وواجه السلطان بقوله: (أيها السلطان إن هذا مخالف للشّرع إذ لا إكراه في الدين، وإن جدكم محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول اتبع الشرع الإسلامي، فلم يكره أحداً على اعتناق الإسلام بل أمن الجميع على عقيدتهم، فعليك باتباع الشرع الحنيف وإتباع عهد جدكم محمد الفاتح) وهدد بخلع السلطان إن هو أصر على قراره .. ولكن السلطان الذي كان يحترم العلماء استجاب له وترك للأقليات غير المسلمة دينها وعقيدتها .

وقصة السلطان سليمان القانوني مع يهودي أبى أن يبيع كوخاً له في أرض أراد السلطان إقامة مسجد جامع عليها ، صورة مشرقة من ذلك ، فمع إصرار اليهودي على رفضه البيع، ذهب السلطان إلى كوخ اليهودي يرجوه ويسترضيه ويعرض عليه أضعافاً مضاعفة لثمن كوخه ، وذهل اليهودي لمشهد السلطان يرجوه ويسترضيه لأجل بيع الكوخ .. وهو القادر على طرده من الدولة كلها ، فوافق على البيع وقام مسجد السلطان سليمان القانوني على تلك البقعة بعد استرضاء وموافقة ذلك اليهودي!!


أقول: هذا حدث في شيخوخة الدولة الإسلامية وهرمها وتهلهلها ، وأمثاله والله كثير ولست هنا في صدد تتبعه واستقصائه . ومنه تعرف أن وتر الأقليات في الدولة المسلمة والذي يطنطن ً عليه أعداء الإسلام إنما يعزف عليه ويطرب له أصحاب المآرب الخبيثة الذين يسعون في الحقيقة إلى سيطرة تلك الأقليات التي توافقهم وتقاربهم في الدين على مقاليد الحكم في بلاد المسلمين .


فأنت ترى أن اليهود والنصارى كانوا ينعمون بالأمن والأمان على ممتلكاتهم وعباداتهم وكنائسهم وأنفسهم وذراريهم في ظل دولة الإسلام ، ولم يكونوا يكلفون بالدفاع عن الدولة أو يجندون تجنيداً إجبارياً بل تتحمل الدولة حمايتهم، وكانوا يدفعون جزية زهيدة تدفع مرة في السنة مقابل حمايتهم، وكان كثير من الخلفاء والولاة يسقطونها عمن كبر وعجز منهم ولا يستطيع دفعها، وإن لم تستطع الدولة حمايتهم أعادت لهم الجزية، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حيث قال "من أذى ذميا فقد أذاني وأنا خصمه يوم القيامة" وقال أيضا "من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما". ثم أليست غضبة عمر ومقالته التي ذهبت مثلاً: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) قيلت انتصاراً لقبطي من مصر ضربه ابن الوالي هناك؟ ولننظر في وصيته للخليفة من بعده" وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وان يقاتل من ورائهم وان لا يكلفوا فوق طاقتهم".

وفي النهاية فإن الأقباط أو غيرهم من غير المسلمين هم رعية الدولة الإسلامية كسائر الرعية لهم حق الرعوية وحق الحماية وحق ضمان العيش وحق المعاملة بالحسنى وحق الرفق واللين ولهم أن يشتركوا في جيش المسلمين ويقاتلوا معهم، ولكن ليس عليهم واجب القتال، ولهم ما للمسلمين من الإنصاف وعليهم ما عليهم من الانتصاف، وينظر إليهم أمام القاضي وعند رعاية الشئون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات كما ينظر للمسلمين دون أي تمييز، فواجب العدل لهم كما هو واجب للمسلمين.

شريف زايد

مصر