قانتات حافظات - حقوق الزوجة - ح12
December 20, 2009

قانتات حافظات - حقوق الزوجة - ح12

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


ربما لاحظتم أن الموضوع طال بعض الشيء، وقد أخذ حيزا كبيرا في سلسلتنا هذه، ذلك أننا تحدثنا عنه في عدة حلقات، ولكن هذه إطالة لازمة، كيف لا وها نحن نلاحظ الهجمة الشرسة ضد المرأة المسلمة والتي لا تهدف إلا لتعرية المرأة من كل شيء يحفظ كرامتها ويصون عزتها وها هي أفكار تحرير المرأة المسلمة من قيودها، ومساواتها بالرجل سواء بسواء، يحاول الغرب نشرها بكل ما أوتي من قوة ونفوذ، وبكل ما يملك من وسائل ترغيب وترهيب، باسم رعاية الحرية والديمقراطية، فسلط هجمته على المرأة المسلمة لهدم كيان الأسرة المسلمة من خلالها حتى يكون هجومه مجديا، فوجه سهامه نحو الزوجة بشكل خاص والمرأة بشكل عام، وأفسد العلاقة بينها وبين زوجها وشوه الأحكام التي جاء بها الشرع لتنظيم علاقتها بالرجل وبالتالي وصل إلى تفكيك الأسرة المسلمة وهدم الناحية الاجتماعية تحت شعار انهاض المرأة.

والمصيبة والطامة الكبرى وجود نساء ساذجات لم يدركن هذه المكيدة وظنن أن الغرب يتحدث لمصلحتهن، ذلك أن الواحدة منهن لم تدرك عظمة الدين الإسلامي والذي فيه نظام كامل ومتناسق لمعالجة علاقتها بالرجل، ولم تدرك أيضا ما جعله الشرع لها من حقوق وما جعله عليها من واجبات، فلم تدرك أصلا الغاية من وجودها، فتبرأت من هذا الدين، وخجلت أنها تنتمي إليه، لجهلها بعظمته، وبعدله، وبالمكانة التي جعلها الله لها من خلال تطبيق شرعه والسير على منهاجه، وما هذا الجهل إلا نتيجة تضليل الغرب لها من خلال أفكاره المنتشرة بتطبيق نظمه، في إعلامه وفي مناهجه وفي كافة أمور الحياة التي نعيشها بغياب ظل الله على الأرض ألا وهو خليفة المسلمين.
فكان لا بد من هذه الوقفات لنبين لهذه المرأة المضللة المخدوعة عظم حقوقها، والتي يكفي أنها من خالقها العالم بها أكثر من نفسها.
والتي يكفيها بتطبيقها لها أنها تعلن العبودية والاستسلام لأوامر الله، وتعلن أنها الأمة الطائعة العابدة القانتة الصالحة، ترجو رحمة الله وتخشى عذابه.
ومن حقوق الزوجة حقها في الرعاية وفي الكرامة والإكرام، وإن أجمل ما وصفت به المرأة من قبل رسولها الكريم صلى الله عليه وسلم بأنها القارورة، حين قال عليه الصلاة والسلام: " رفقا بالقوارير" تشبيه بجمالية نادرة يتطلب الحرص على صيانة هذه المخلوقة. فالقارورة إن كسرت لا إصلاح لها، لذا المحافظة عليها وصيانتها أمر واجب. ومع أن هذه العبارة قصيرة إلا أنها تحوي معان كثيرة فالرفق بالشيء يعني الرقة واللطف في التعامل.
قال الإمام علي بن أبي طالب يوصي أحدهم: " إن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فدارها على كل حال، وأحسن الصحبة لها، فيصفو عيشك"
ومن مظاهر إكرامها أيضا أن جعلها الأم وربة البيت والعرض الذي يجب أن يصان، بل سمى الرجل الذي يقتل وهو يدافع عن عرضه شهيدا. والذي لا يغار على عرضه ديوثا، لا يدخل الجنة ولا يجد ريحها كما في الحديث: أخبرنا ‏ ‏عمرو بن علي ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏يزيد بن زريع ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏عمر بن محمد ‏عن‏ ‏عبد الله بن يسار ‏ ‏عن ‏ ‏سالم بن عبد الله ‏عن ‏أبيه ‏قال‏: قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: "‏ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة ‏ والديوث ‏‏وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن على الخمر ‏ ‏والمنان ‏بما أعطى"
( والديوث ) ‏
‏وهو الذي لا غيرة له على أهله
ومن حقوق الزوجة في الرعاية والإكرام أيضا هو رعاية الرجل لأهله وهو القيام على كافة شؤونهم والإنفاق عليهم فمن مظاهر الخير أن ينفق الإنسان على أهل بيته مما أنعم الله عليه، ويسعى في رفاهيتهم وتحسين أحوالهم، ورحمته بهم ورعايته لهم، تديم رحمة الله به ورعايته له، وأكبر جريمة يقترفها الإنسان هي أن يهمل رعاية أسرته وأن يتسبب في أذيتهم، لأن من أكبر النعم على الإنسان الزوجة، وهي تشاركه معاناة الحياة وتعاونه في نيل الأماني وتشاطره الحلو والمر من اللحظات، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله.
فنجد الإسلام مرة بعد مرة يؤكد على ضرورة رعاية المرأة وحفظ كرامتها ومعاملتها بلطف ومحبة ورفق، فيؤكد تعالى: "وعاشروهن بالمعروف " ( النساء 19 )
وأيضا قوله تعالى : " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " البقرة 228
قال ابن عباس : إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي , وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها علي ; وعنه أيضا : أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن. وقيل : إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن.

ومن حقوق المرأة أيضا حقها في الاستمرار مع الزوج أو عدمه، صحيح أن الله جعل الطلاق بيد الرجل، لأنه هو القوام على المرأة، والمسؤول عن البيت، ولكنه جعل للمرأة حق الفسخ للنكاح، حتى لا تشقى في زواجها، ولا يصبح البيت الذي هو محل هناء واستقرار موطن شقاء وقلق لها.
فللزوجة أن تطلق نفسها، وتوقع الفرقة بينها وبين الرجل في حالات معينة، نص عليها الشرع. وهي:-
1 - إذا جعل الزوج أمر طلاقها بيدها. فإن لها أن تطلق نفسها حسب ما ملكها إياه. فتقول طلقت نفسي من زوجي فلان، أو تخاطبه قائلة طلقت نفسي منك. ولا تقول طلقتك، أو أنت طالق، لأن الطلاق يقع على المرأة لا على الرجل، حتى لو صدر الطلاق منها. وإنما جاز أن يجعل الزوج أمر الطلاق بيد الزوجة لأن الرسول r خير نساءه ولإجماع الصحابة على ذلك.
2 - إذا علمت أن في الزوج علة تحول دون الدخول، وكانت سالمة من مثلها فقد روي أن ابن منذر تزوج امرأة وهو خصي فقال له عمر أعلمتها قال لا. قال أعلمها ثم خيرها.
3 - إذا ظهر للزوجة قبل الدخول أو بعده أن الزوج مصاب بمرض من الأمراض التي لا يمكنها الإقامة معه بلا ضرر يصيبها، كالجذام والبرص، وغيرها من الأمراض، أو طرأ عليه مثل هذه الأمراض، فإن لها أن تراجع القاضي وتطلب التفريق بينها وبين زوجها، ويجاب طلبها إذا ثبت وجود هذا المرض، وعدم إمكان البرء منه في مدة معينة. وخيارها دائم وليس بمؤقت، بناء على قاعدة الضرر واستئناسا بما ورد في الموطأ عن مالك أنه بلغه عن سعيد بن المسيب أنه قال: "أيما رجل تزوج امرأة وبه جنون أو ضرر فإنها تخير فإن شاءت قرت، وإن شاءت فارقت".
4 - إذا جن الزوج بعد عقد النكاح، فللزوجة أن تراجع القاضي وأن تطلب تفريقها منه. والقاضي يؤجل التفريق مدة سنة. فإذا لم تزل الجنة في هذه المدة، وأصرت الزوجة، يحكم القاضي بالتفريق وذلك لما ذكرناه في البند السابق.
5 - إذا سافر الزوج إلى مكان، بعد أو قرب، ثم غاب وانقطعت أخباره وتعذر عليها تحصيل النفقة، فإن لها أن تطلب التفريق منه بعد بذل الجهد في البحث والتحري. ذلك لقول الرسول r عن الزوجة تقول لزوجها "أطعمني وإلا فارقني" أخرجه الدارقطني وأحمد، فجعل عدم الإطعام علة للفراق.
6 - إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته وهو موسر، وتعذر عليها الوصول إلى ماله للإنفاق بأي وجه من الوجوه فإن لها أن تطلب التطليق وعلى القاضي أن يطلق في الحال دون إمهال، لأن الرسول يقول: "امرأتك ممن تعول تقول أطعمني وإلا فارقني" أخرجه الدارقطني وأحمد، ولأن عمر رضي الله عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا، وقد عرف الصحابة ذلك ولم ينكروا عليه فكان إجماعا.
7 - إذا ظهر بين الزوجين نزاع وشقاق، فإن لها أن تطلب التفريق، وعلى القاضي أن يعين حكما من أهل الزوجة، وحكما من أهل الزوج. والمجلس العائلي هذا يصغي إلى شكاوى الطرفين، ويبذل جهده للإصلاح، وإن لم يتم التوفيق بينهما يفرق هذا المجلس بينهما على الوجه الذي يراه، مما يظهر له من التحقيق.
أما الحق الأخير الذي سنتناوله في هذه السلسلة من حقوق الزوجة، هو حقها بالميراث، حيث جعل الشرع للزوجة نصيبا في ميراث زوجها وذلك الحق موضح في قوله تعالى: ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين " النساء اية 12
لقد أعطى الإسلام المرأة منذ أربعة عشر قرنا، حق الإرث كالرجال، بعد أن كانت في الجاهلية هي نفسها تورث كالمتاع، حيث ترث الزوجة ربع تركة الزوج إن مات عنها بلا ولد، فإن كان له ولد (وولد تعني ذكرا أو أنثى واحدا أو متعددا)، منها أو من غيرها، فإن هذا يحجبها من الربع إلى الثمن .

المزيد من القسم اجتماع

الخلافة والذميين

إنه مما لاشك فيه أن ما يسمى بثورات الربيع العربي قد أثرت تأثيراً عميقاً على شعوب العالم الإسلامي وسيكون لها التأثير الكبير على العالم أجمع وستكون نقطة تحول في تاريخ الأمة الإسلامية.

فقد أظهرت هذه الثورات أن الشعوب قد كفرت بحكامها وأنظمة حكمهم وليس هذا فقط بل كفرت بكل السياسات الرأسمالية المطبقة في العالم بعد أن ظهر فسادها وهي تتطلع لبديل حضاري كفيل بمعالجة الأزمات المستعصية في بلادهم ليكون بديلاً عن النظام الرأسمالي الذي انتهت صلاحيته وظهر عجزه وفساد قيمه ومقاييسه المتناقضة.

وهذا البديل تراه الشعوب الإسلامية في مشروع الإسلام الحضاري عقيدة ونظاماً للحياة ترى فيه الهدى والرحمة للناس كافة، وليس أدل على ذلك من فوز الحركات الإسلامية التي جرت في انتخابات تونس والمغرب ومصر، وكذلك التأييد الكبير لهم في ثورة ليبيا وفي الجزائر من قبل، ومع هذا النجاح الكاسح للإسلام أخذ العلمانيون واليساريون وكل القوى السياسية التقليدية في البلاد الإسلامية والأقليات الغير إسلامية والظلاميين بإظهار معارضتهم لتطبيق الشريعة وإظهار مخاوفهم من الدولة الإسلامية وتشبيهها بالدولة الدينية وباستبداد الأكثرية، وأخذوا يثيرون الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي لا علاقة لها بالإسلام ودولته كمفهوم الدولة الدينية التي هي مفهوم غربي لا يعرفه الإسلام وأخذوا يطالبون بالدولة المدنية وبالتداول السلمي للسلطة ولا يريدون أن تَحكم الغالبية المسلمة برؤيتها الإسلامية بل يريدون أن نحكم برؤيتهم هم حتى أنهم أفرغوا الديمقراطية التي ينادون بها ويدعونها من مضمونها وأخذوا يشككون في صلاحية الإسلام للتطبيق مدعين عدم مناسبته للعصر ثم تدخّلوا في تفصيلات الشريعة واستنكروا أن تُطبق على غير المسلمين وكأنّهم اعتبروا المسلمين طائفة مثل بقية الطوائف الأخرى، ويستنكرون مصطلحات شرعية كمصطلح الجزية أو وصف غير المسلمين بالكفار.

وهنا يجب الإشارة إلى بعض المسلّمات عند المسلمين:

1- إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بشريعة الإسلام فيها حلول لكل المشاكل وللناس كافه، قال تعالى :
" ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين"

2- إنّ من لا يؤمن بالإسلام، لا يجوز له الخوض في التشريعات الإسلامية باجتهاد منه فهو ليس أهلاً لذلك ولا يُناقش في فروع الإسلام، وله الحق فقط أن يسأل عن حكم مسألة بعينها ليعرف حكمها من أهلها.

3- إن مشروعاً إسلامياً لا يقوده من كفر به و كذلك مشروعاً رأسمالياً لا يقوده شيوعي كفر بالرأسمالية، وكذلك المشروع الشيوعي لا يقوده رأسمالي كفر بالشيوعية، فلا تداوُل للسلطة بين الشيوعي والمسلم والرأسمالي في أي مكان في الدنيا، لا عند المسلمين ولا عند غيرهم، والأنظمة القائمة تشترط في المسلم الذي يريد أن يلج الحياة السياسية أن يتخلى عن إسلامه ويلتزم بالعلمانية ويصرح بالإيمان بها .

أمّا بعض المُصطلحات وخاصة وصف الكفر لمن لا يؤمن بالإسلام فهو وصف واقع مطابق لواقعه، فهم قد كفروا بالإسلام فهذا واقعهم ولا يقولون هم غير ذلك، فإن كانوا يرون ذلك مذمة فعليهم الرجوع عن كُفرهم بالإسلام والدخول فيه، وإلا فليفتخروا بكفرهم إن كانوا يرون ذلك حقاً.


وقد أخبر الله سبحانه تعالى بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام ومن معه قد كفروا بما عليه قومهم من عقيدة وافتخروا بذلك ولم يعتبر القرآن ذلك مذمة لهم بل اعتبرها مدحاً لهم حين أخبر بأنهم كفروا بما عليه قومهم، قال تعالى :

"قد كانت لكم أُسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرءاء منكُم وممّا تعبُدون من دون الله كفرنا بكم "

وأمّا موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين فسأتناوله بشيء من الإيجاز الميسّر لعلنا نقف على عظيم شرع الله وعدله وإنصافه، لكل رعايا دولته مما حفظ لهم دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأولادهم وعيشهم الكريم الذي لم توفره لهم دولهم التي قامت على أساس دينهم في الماضي والحاضر.

ونظرة سريعة في تاريخ الغرب في القديم والحديث يجد الباحث نفسهُ عاجزاً عن تسجيل جرائم دول الغرب في حق شعوبهم والشعوب التي ابتُليت بأنظمتهم ونفوذهم لكثرتها وبشاعتها ووحشيّتها.

مثال على ذلك الصراع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك الذي استمر لقرون طويلة بين الانجليز والايرلنديين ومحاكم التفتيش في أوروبا والحروب الاستعمارية الصليبية.

وعندما نأتي إلى التشريع الإسلامي نجد حقيقة مطلقة وقطعية مفادُها أنّ الإسلام شرّع الأحكام لمُعالجة أحوال الناس بصفتها تشريعات تُعالج واقع الإنسان بوصفه إنسان بغض النظر عن معتقده، فالرّبا والقمار والاحتكار والزنا جرائم، بوصفها فعل مدمّر للمُجتمع يعاقب فاعلهُ بغض النظر عن عقيدته، وكذلك سائر المعاملات في الصناعة والتجارة والزراعة والمعاملات المالية وغيرها الكثير، وشرّع عقوبات صارمة للمخالفات حسب نوع المخالفة سواءٌ أكان المُخالف مُسلما أم غير مُسلم أي أنه شرّع نظاماً راقياً للمُجتمع يُطهره من كل دنس يتساوى فيه جميع أفراد الرعية بغض النظر عن أديانهم وألزم الناس به بوصفه التشريع القانوني فقط.

وطُبق هذا النظام على النحو التالي :

1- في جانب العقائد والعبادات:

لم يقبل الإسلام من الناس إسلامهم إلا عن قناعة ذاتية ومرضاة لله، ولذلك لا يُكره أحد على الإسلام، قال تعالى : " لا إكراه في الدين " فأقر الإسلام أهل الأديان على عقائدهم وعباداتهم ولم يتدخل فيها، رغم أنه يرى فسادها.

2- في جانب مطعوماتهم ومشروباتهم:

لقد ترك الإسلام لأهل الأديان مطعوماتهم ومشروباتهم مادام دينهم يجيزها لهم دون انتهاك للحياة العامة، وجَعَل التعدي على خمر في ملك نصراني مخالفة يُعاقب من تعدّى عليه.

3- في جانب أحوالهم الشخصية: الزواج والطلاق والمواريث وكل ما يتعلق بذلك جعل لهم الحق في أن يُجروها وفق معتقداتهم لا يتدخل فيها أيضاً بل يُعين لهم منهم خبيراً ليقوم بفض نزاعاتهم وفق أديانهم.

4- ما تبقى من أحوال مثل حقوق الرعاية وأمور المعاملات والاقتصاد وحق الإنصاف والانتصاف، تطبّق التشريعات عليهم وعلى المسلمين سواء بسواء، لا فرق بينهم وبين المسلمين، ولم يميز بينهم حسب معتقداتهم، وعندما يطبقها على الرعية يطبقها باعتبار الناحية التشريعية القانونية، وليس باعتبار الناحية الروحية، أي لا يُلزمهم بها باعتبارها دين يؤمنون بها بل باعتبارها قوانين يُطالبون بالخضوع لها.

والمسلم يتقبلها باعتبارها جزءاً من دينه يتقرب إلى الله تعالى بها، وغير المسلم يتقبلها باعتبارها قوانين تعالج مشاكلهم معالجةً صحيحة.

وأما موضوع الجزية فإن جميع دول العالم فرضت نظاماً ضريبياً على شعوبها معللة ذلك بأنها ستقوم برعاية الشعوب وتقديم الخدمات لهم فكثرت الضرائب وتعددت وتنوعت حتى أثقلت كاهل الناس وأورثتهم الفقر والجوع والتشرد بخلاف دولة الإسلام التي لم تعرف نظاماً ضريبياً بل فرضت على المسلمين الزكاة باعتبارها عبادة وحكما شرعياً وحددت مقاديرها تحديداً دقيقاً وفرضت على غير المسلمين جزية تؤخذ من الذكور البالغين القادرين وترد هذه الزكاة وهذه الجزية على الرعية على شكل أموال لفقرائهم سواءٌ كانوا مسلمين أم ذميين أو على شكل خدمات عامة من تعليم وتطبيب وقضاء مصالح من غير تمييز بينهم على أساس العقائد. وعند النظر في الواقع نجد جميع دول العالم لديها تشريعات تطبقها على رعاياها باعتبارها قوانين ملزمة للجميع بغض النظر عن دينهم، وترى هذه الدول أن هذا حق لها ولا يقيم وزناً لملايين المسلمين فيها.

فلماذا ينكر على الإسلام ودولته ما يقرونه لهذه الدول رغم فساد التشريعات ورفض شعوبهم لها !؟

إنما هو التناقض وازدواجية المعايير والتخبط الذي تعيشه الأنظمة الوضعية.

نسأل الله أن يعجل لنا بالفرج، ويخلصنا منها ويكحل أعيننا بدولة الإسلام العظمية تنقذ البشرية من وحشية البشر وتشريعاتهم الجائرة، تخرجهم من الظلمات إلى النور ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام.

قال تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليُبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا "

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الشيخ سعيد رضوان- أبو عماد

الذمة وحق الرعاية في الدولة الاسلامية


برز الحديث في الآونة الأخيرة على ألسنة العلمانيين عن الأقباط في مصر لما أصبح الحديث عن تطبيق الشريعة في مصر هو حديث الناس, وكأني بهم يقولون لا يمكن تطبيق الإسلام طالما أن هناك غير مسلمين في الدولة، وتناسى هؤلاء تاريخا يناهز الثلاثة عشر قرنا كان الإسلام هو الحاكم لدولة امتدت من الصين شرقا إلى الأطلنطي غربا، ووقفت على أبواب فينا في زحفها نحو أوروبا. ضمت هذه الدولة بين جنباتها مختلف "الأقليات" العرقية واللغوية والدينية، ولم تبرز أية مشاكل لهذه الأقليات إلا مع تفتت الخلافة الإسلامية.

ومن المعلوم أن التراث الإسلامي لم يستخدم مصطلح " الأقليات" بالنسبة للتجمعات الدينية غير الإسلامية وإنما استخدم لفظ "أهل الذمة" الذي يحمل من الدلالات الأخلاقية ما لا يحمله لفظ "الأقليات". فلفظ الذمة يعني الأمان "ويسعى بذمتهم أدناهم"، وفي لسان العرب الذمة العهد والأمان والضمان والحرمة والحق.

ومما لا شك فيه أن وجود" الأقليات" في الدول، يترتب عليه مشكلات كثيرة من أهمها تفتيت المجتمع، ونشوء المصادمات ومحاولة " الأقلية" الانفصال والتعاون مع الأعداء، ومن المعلوم أن أميركا، والتي هي عبارة عن أقليات أصلا تطبق المبدأ الراسمالي، تستخدم ورقة " الأقليات" للسيطرة على العالم بحجة المحافظة على حقوق" الأقليات".

ولقد ضرب الإسلام أروع الأمثلة في التعامل مع "الأقليات الدينية" أهل الذمة - ناهيك عن أنه استطاع أن يصهر الأقليات اللغوية والعرقية في بوتقة الإسلام - وهناك أحكام قررتها الشريعة في التعامل مع أهل الذمة منها:

1- العدل: فالمسلم لا يمكن أن يحقق التقوى إذا كان بعيدا عن العدل قال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على آلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".

2- الوفاء بالعقود: قال تعالى "أوفوا بالعقود" وقال أيضا "إن الله لا يحب الخائنين" والذمة عقد يجب الوفاء به.

3- النهي عن الظلم والبغي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".

4- لا أكراه في الدين: والدليل على ذلك استمرار وجود تلك الأقليات إلى اليوم في بلاد المسلمين، فإنه في مقابل غدر الأوروبيين ونقضهم السريع لعهودهم وعقودهم التي كانوا يبرمونها مع الأقليات المسلمة الذين سقطت ولاياتهم تحت أيدي الأسبان بين يدي سقوط الأندلس، وفي مقابل إبادة أولئك المسلمين وإكراههم على تغيير دينهم أو تخييرهم بين ذلك أو الموت في محاكم التفتيش في غرناطة وغيرها .


في مقابل ذلك فإن دولة الخلافة في شيخوختها حيث كانت الأقليات غير المسلمة من الأرمن والروم واليهود في اسطنبول إبان الحكم العثماني تتصل مع أعداء الدولة المسلمة وتكيد لها المكائد وتثير القلاقل والمشاكل مما أغضب السلطان سليم الأول فأصدر قراراً بإجبار هذه الأقليات على اعتناق الدين الإسلامي، فهل رضي بذلك المسلمون وهل أقره عليه العلماء .. إن التاريخ يخبرنا أن العلماء أنكروا عليه ذلك أشد الإنكار، ومنهم شيخ الإسلام (زمبيلي علي جمال) الذي ساءه ذلك جداً وواجه السلطان بقوله: (أيها السلطان إن هذا مخالف للشّرع إذ لا إكراه في الدين، وإن جدكم محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول اتبع الشرع الإسلامي، فلم يكره أحداً على اعتناق الإسلام بل أمن الجميع على عقيدتهم، فعليك باتباع الشرع الحنيف وإتباع عهد جدكم محمد الفاتح) وهدد بخلع السلطان إن هو أصر على قراره .. ولكن السلطان الذي كان يحترم العلماء استجاب له وترك للأقليات غير المسلمة دينها وعقيدتها .

وقصة السلطان سليمان القانوني مع يهودي أبى أن يبيع كوخاً له في أرض أراد السلطان إقامة مسجد جامع عليها ، صورة مشرقة من ذلك ، فمع إصرار اليهودي على رفضه البيع، ذهب السلطان إلى كوخ اليهودي يرجوه ويسترضيه ويعرض عليه أضعافاً مضاعفة لثمن كوخه ، وذهل اليهودي لمشهد السلطان يرجوه ويسترضيه لأجل بيع الكوخ .. وهو القادر على طرده من الدولة كلها ، فوافق على البيع وقام مسجد السلطان سليمان القانوني على تلك البقعة بعد استرضاء وموافقة ذلك اليهودي!!


أقول: هذا حدث في شيخوخة الدولة الإسلامية وهرمها وتهلهلها ، وأمثاله والله كثير ولست هنا في صدد تتبعه واستقصائه . ومنه تعرف أن وتر الأقليات في الدولة المسلمة والذي يطنطن ً عليه أعداء الإسلام إنما يعزف عليه ويطرب له أصحاب المآرب الخبيثة الذين يسعون في الحقيقة إلى سيطرة تلك الأقليات التي توافقهم وتقاربهم في الدين على مقاليد الحكم في بلاد المسلمين .


فأنت ترى أن اليهود والنصارى كانوا ينعمون بالأمن والأمان على ممتلكاتهم وعباداتهم وكنائسهم وأنفسهم وذراريهم في ظل دولة الإسلام ، ولم يكونوا يكلفون بالدفاع عن الدولة أو يجندون تجنيداً إجبارياً بل تتحمل الدولة حمايتهم، وكانوا يدفعون جزية زهيدة تدفع مرة في السنة مقابل حمايتهم، وكان كثير من الخلفاء والولاة يسقطونها عمن كبر وعجز منهم ولا يستطيع دفعها، وإن لم تستطع الدولة حمايتهم أعادت لهم الجزية، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حيث قال "من أذى ذميا فقد أذاني وأنا خصمه يوم القيامة" وقال أيضا "من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما". ثم أليست غضبة عمر ومقالته التي ذهبت مثلاً: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) قيلت انتصاراً لقبطي من مصر ضربه ابن الوالي هناك؟ ولننظر في وصيته للخليفة من بعده" وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وان يقاتل من ورائهم وان لا يكلفوا فوق طاقتهم".

وفي النهاية فإن الأقباط أو غيرهم من غير المسلمين هم رعية الدولة الإسلامية كسائر الرعية لهم حق الرعوية وحق الحماية وحق ضمان العيش وحق المعاملة بالحسنى وحق الرفق واللين ولهم أن يشتركوا في جيش المسلمين ويقاتلوا معهم، ولكن ليس عليهم واجب القتال، ولهم ما للمسلمين من الإنصاف وعليهم ما عليهم من الانتصاف، وينظر إليهم أمام القاضي وعند رعاية الشئون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات كما ينظر للمسلمين دون أي تمييز، فواجب العدل لهم كما هو واجب للمسلمين.

شريف زايد

مصر