December 03, 2009

شرح مواد النظام الإجتماعي في الإسلام-ح1

بدأ الصراع بين الكفر والإسلام، وبين المسلمين والكفار، منذ أرسل الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام إلى الناس كافة، ولم يترك الكفار فرية مغرضة، أو كذبة خبيثة إلا ورموا الإسلام بها، ولم يسلم المسلمون في شتى بقاع الأرض من أذاهم، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه أوذي في حياته بعد أن جاهر بدعوته، ولا يزال إيذاء الكفار نراه حتى يومنا هذا، وصدق الله إذ يقول: ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)، ولكن الله يقول لنا، إن الكفار لن ينالوا منكم إلا أذى، (لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لاينصرون ) وسوف لن ينالوا من دينكم شيئا لأنه، تعالى قد تكفل بحفظه إذ يقول: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )، فهم ليسوا إلا كمن ينفخ على نور السموات والأرض ليطفئه، (( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)). ويبشرنا سبحانه وتعالى بظهور الإسلام على الدين كله، أي أن دولة الإسلام الثانية قادمة بإذن الله تعالى، وأنها سوف تظهر على كل دول الدنيا، (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).

لقد نشطت أوروبا الرأسمالية منذ القرن التاسع عشر الميلادي، وخاصة عندما رأت ضعف المسلمين الفكري قد بلغ الانحطاط، فأشعلت نيران صراعها العسكري والسياسي والفكري، فتمكنت من هدم دولة الخلافة عام 1924 بمعاونة من خانوا أمتهم من المسلمين، فحققوا بذلك إنتصارا سياسيا وعسكريا على المسلمين، إلا أنهم لم يتمكنوا في البداية من تحقيق إنتصار فكري، لأن أفكار الإسلام كانت في أعماق أعماقهم، وليس من السهولة اجتثاثها، فهاجموا الإسلام في أفكاره وأحكامه، وهاجموا فكرة الجهاد، ولم يتمكنوا من إلغائها من نفوس المسلمين، وبقيت تتنامى عندهم حتى أنها بلغت مبلغ التضحية بالمال والأهل والولد، وهاجموا أحكام العقوبات والحدود، فتمكنوا من تغييرها، ولكنها ظلت حية في نفوسهم، لأنهم يقرءوا القرآن، وآيات العقوبات، من مثل: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، ومثل: (الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة.....)، ويقرءوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا عقوبة في عشر ضربات الا في حد من حدود الله) رواه البخاري.

وعن أبي هريره انة رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة ثم خلى عنه)، وهاجموا الأحكام التي تخص الرجل والمرأة فيما أسموه اليوم (بالأحوال الشخصية)، من تعدد الزوجات، والطلاق، والميراث، والأحكام الأخرى، مثل لباس المرأة والإختلاط بين الرجل والمرأة .

فإزاء هذه الهجمات، انبرى بعض أبناء الإسلام للرد عليهم: ولكنهم كانوا منقسمين على أنفسهم، فمنهم من رفض الهجمة وتسلح بأفكار الإسلام، وهؤلاء كانوا قلة، ومنهم من رضي أن يكون الإسلام متهما فأخذ يدافع عنه دفاعا مغلوظا، ومنهم من أقتنع بالحضارة الغربية وأفكارها الفاسدة، فسار معهم وأخذ يروج لأفكارهم، ونبذ أحكام الله، بحجة أنها لا تتمشى مع هذا العصر، الذي أذهلت الصناعات المدنية عقولهم، فقالوا، إن الإسلام قد إنتهى دوره، ووصموه بالتخلف.

وفي خضم تمكن الغرب الصليبي العدو الأول للإسلام من المسلمين، والإجهاز على دولتهم، وتقسيم بلادهم، ووضع رويبضات على أقسام الدولة الإسلامية، ونشر الأفكار القومية والوطنية والديمقراطية، ونشر قاذورات حضارته العفنة، مستغلا في كل هذا ضعف المسلمين الفكري وعدم فهمهم للإسلام، فبدل أن يقتصر المسلمون على أخذ المدنية الغربية بأشكالها المادية، بدؤوا يأخذون حضارته ومفاهيمه عن الحياة، والديمقراطية التي تجعل التحليل والتحريم كله بيد البشر، وبسبب القيادات الفكرية الفاسدة التي عينها الكفار على رقاب المسلمين، والتي تبنت أفكاره وروجت لها بين صفوف المسلمين، فتمكنوا من شراء النفوس المريضة ممن سموهم العلماء، وألبسوهم ثوب العلم الشرعي بحجة إبداء آراء الإسلام في المسائل التي تهم المسلمين، فأخذوا يفتون، فأبدلوا حكم الله بحكم الجاهلية التي ترضي أسيادهم فزادت الأمة بهم تعثرا وخيبة.

سلط الكفار وأعوانهم من الحكام وأصحاب الشهوات من المتنفذين سهامهم إلى المرأة المسلمة، فأخذوا ينشرون بها الرذيلة بحجة التقدم، وأفهموها أن الإسلام يقيد الحريات فلا بد من الانفلات من هذه القيود، وأفهموها أن الإسلام لم يعط المرأة حقوقها ولم يساوها مع الرجل، وأن لها الحق في أن تزاول الأعمال التي يزاولها الرجل فلها أن تسافر لوحدها وتقضي الأيام الطوال في الفنادق وغيرها، فأرادوها كالمرأة الغربية التي أخرجت من بيتها وأصبحت جزءا نفعيا للمتعة، كالسلعة التجارية، أو لإشباع الشهوة. فأصبحت عندهم المرأة بلا بيت وبلا أسرة وبلا حقوق، وتقضي الليالي تنتقل من مكان إلى مكان تنشد المتعة.

هكذا يريدون للمرأة المسلمة أن تنزل هذه المنزلة من الإنحطاط. فهل حقا أن المرأة المسلمة مظلومة كما يزعمون؟ وأنها بلا حقوق حتى يأتي أعداء هذه الأمة مطالبين بأعطائها حقوقها المسلوبة، ولمساواتها بمثيلتها في الغرب، وهل حقا أن المرأة في الغرب تتمتع بأعلى الحقوق؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن المطلوب هو تدمير الأسرة المسلمة التي تعتبر المرأة ركنها الأساسي.

لقد بين الإسلام أهمية دور المرأة ودور الرجل ودور الأسرة ، في المجتمع المسلم، لقد خلق الله الإنسان أمرأة ورجلا في فطرة معينة تمتاز عن الحيوان، وقد هيأهما لخوض معترك الحياة بوصف الإنسانية، وجعلهما يعيشان في مجتمع واحد، وجعل الغريزة الجنسية فيهما بقصد استمرار النوع، ليس الا، وجعل بينهما علاقات، ونظم هذه العلاقات بنظام من عنده، فلا خطأ فيه ولا جهل، لأنه من عند الخالق المدبر.

وقد طبق المسلمون النظام الإجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الرجل والمرأة طيلة وجود الدولة الإسلامية قبل أن هدمها الكفار، وكانت الأمة محفوظة الأنساب، معلومة الأرحام ، ومن أجل شرف المرأة تسير الجيوش لأنه يعتبر من شرف القوم كلهم. فالمرأة التي أجلي من أجلها يهود بني النضير من المدينة المنورة ، شاهد على ذلك، وامرأة عمورية التي استنجدت بخليفة المسلمين المعتصم رحمه الله فقال قولته المشهورة (جئتك يا علج الروم بجيش أوله عندك وآخره عندي).

هذه مكانة المرأة في الإسلام وهذه مكانة المرأة في الدولة الإسلامية، ولهذا فإن حزب التحرير قد وضع موادا في مشروع دستور دولة الخلافة، التي نرجو الله تعالى أن يمكننا من شرح هذه المواد وبيان أدلتها من القرآن والسنة ، ونسأله تعالى أن يجعل تطبيق هذه المواد في دولة الخلافة الثانية قريب، والله سميع مجيب .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق

المزيد من القسم اجتماع

الخلافة والذميين

إنه مما لاشك فيه أن ما يسمى بثورات الربيع العربي قد أثرت تأثيراً عميقاً على شعوب العالم الإسلامي وسيكون لها التأثير الكبير على العالم أجمع وستكون نقطة تحول في تاريخ الأمة الإسلامية.

فقد أظهرت هذه الثورات أن الشعوب قد كفرت بحكامها وأنظمة حكمهم وليس هذا فقط بل كفرت بكل السياسات الرأسمالية المطبقة في العالم بعد أن ظهر فسادها وهي تتطلع لبديل حضاري كفيل بمعالجة الأزمات المستعصية في بلادهم ليكون بديلاً عن النظام الرأسمالي الذي انتهت صلاحيته وظهر عجزه وفساد قيمه ومقاييسه المتناقضة.

وهذا البديل تراه الشعوب الإسلامية في مشروع الإسلام الحضاري عقيدة ونظاماً للحياة ترى فيه الهدى والرحمة للناس كافة، وليس أدل على ذلك من فوز الحركات الإسلامية التي جرت في انتخابات تونس والمغرب ومصر، وكذلك التأييد الكبير لهم في ثورة ليبيا وفي الجزائر من قبل، ومع هذا النجاح الكاسح للإسلام أخذ العلمانيون واليساريون وكل القوى السياسية التقليدية في البلاد الإسلامية والأقليات الغير إسلامية والظلاميين بإظهار معارضتهم لتطبيق الشريعة وإظهار مخاوفهم من الدولة الإسلامية وتشبيهها بالدولة الدينية وباستبداد الأكثرية، وأخذوا يثيرون الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي لا علاقة لها بالإسلام ودولته كمفهوم الدولة الدينية التي هي مفهوم غربي لا يعرفه الإسلام وأخذوا يطالبون بالدولة المدنية وبالتداول السلمي للسلطة ولا يريدون أن تَحكم الغالبية المسلمة برؤيتها الإسلامية بل يريدون أن نحكم برؤيتهم هم حتى أنهم أفرغوا الديمقراطية التي ينادون بها ويدعونها من مضمونها وأخذوا يشككون في صلاحية الإسلام للتطبيق مدعين عدم مناسبته للعصر ثم تدخّلوا في تفصيلات الشريعة واستنكروا أن تُطبق على غير المسلمين وكأنّهم اعتبروا المسلمين طائفة مثل بقية الطوائف الأخرى، ويستنكرون مصطلحات شرعية كمصطلح الجزية أو وصف غير المسلمين بالكفار.

وهنا يجب الإشارة إلى بعض المسلّمات عند المسلمين:

1- إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بشريعة الإسلام فيها حلول لكل المشاكل وللناس كافه، قال تعالى :
" ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين"

2- إنّ من لا يؤمن بالإسلام، لا يجوز له الخوض في التشريعات الإسلامية باجتهاد منه فهو ليس أهلاً لذلك ولا يُناقش في فروع الإسلام، وله الحق فقط أن يسأل عن حكم مسألة بعينها ليعرف حكمها من أهلها.

3- إن مشروعاً إسلامياً لا يقوده من كفر به و كذلك مشروعاً رأسمالياً لا يقوده شيوعي كفر بالرأسمالية، وكذلك المشروع الشيوعي لا يقوده رأسمالي كفر بالشيوعية، فلا تداوُل للسلطة بين الشيوعي والمسلم والرأسمالي في أي مكان في الدنيا، لا عند المسلمين ولا عند غيرهم، والأنظمة القائمة تشترط في المسلم الذي يريد أن يلج الحياة السياسية أن يتخلى عن إسلامه ويلتزم بالعلمانية ويصرح بالإيمان بها .

أمّا بعض المُصطلحات وخاصة وصف الكفر لمن لا يؤمن بالإسلام فهو وصف واقع مطابق لواقعه، فهم قد كفروا بالإسلام فهذا واقعهم ولا يقولون هم غير ذلك، فإن كانوا يرون ذلك مذمة فعليهم الرجوع عن كُفرهم بالإسلام والدخول فيه، وإلا فليفتخروا بكفرهم إن كانوا يرون ذلك حقاً.


وقد أخبر الله سبحانه تعالى بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام ومن معه قد كفروا بما عليه قومهم من عقيدة وافتخروا بذلك ولم يعتبر القرآن ذلك مذمة لهم بل اعتبرها مدحاً لهم حين أخبر بأنهم كفروا بما عليه قومهم، قال تعالى :

"قد كانت لكم أُسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرءاء منكُم وممّا تعبُدون من دون الله كفرنا بكم "

وأمّا موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين فسأتناوله بشيء من الإيجاز الميسّر لعلنا نقف على عظيم شرع الله وعدله وإنصافه، لكل رعايا دولته مما حفظ لهم دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأولادهم وعيشهم الكريم الذي لم توفره لهم دولهم التي قامت على أساس دينهم في الماضي والحاضر.

ونظرة سريعة في تاريخ الغرب في القديم والحديث يجد الباحث نفسهُ عاجزاً عن تسجيل جرائم دول الغرب في حق شعوبهم والشعوب التي ابتُليت بأنظمتهم ونفوذهم لكثرتها وبشاعتها ووحشيّتها.

مثال على ذلك الصراع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك الذي استمر لقرون طويلة بين الانجليز والايرلنديين ومحاكم التفتيش في أوروبا والحروب الاستعمارية الصليبية.

وعندما نأتي إلى التشريع الإسلامي نجد حقيقة مطلقة وقطعية مفادُها أنّ الإسلام شرّع الأحكام لمُعالجة أحوال الناس بصفتها تشريعات تُعالج واقع الإنسان بوصفه إنسان بغض النظر عن معتقده، فالرّبا والقمار والاحتكار والزنا جرائم، بوصفها فعل مدمّر للمُجتمع يعاقب فاعلهُ بغض النظر عن عقيدته، وكذلك سائر المعاملات في الصناعة والتجارة والزراعة والمعاملات المالية وغيرها الكثير، وشرّع عقوبات صارمة للمخالفات حسب نوع المخالفة سواءٌ أكان المُخالف مُسلما أم غير مُسلم أي أنه شرّع نظاماً راقياً للمُجتمع يُطهره من كل دنس يتساوى فيه جميع أفراد الرعية بغض النظر عن أديانهم وألزم الناس به بوصفه التشريع القانوني فقط.

وطُبق هذا النظام على النحو التالي :

1- في جانب العقائد والعبادات:

لم يقبل الإسلام من الناس إسلامهم إلا عن قناعة ذاتية ومرضاة لله، ولذلك لا يُكره أحد على الإسلام، قال تعالى : " لا إكراه في الدين " فأقر الإسلام أهل الأديان على عقائدهم وعباداتهم ولم يتدخل فيها، رغم أنه يرى فسادها.

2- في جانب مطعوماتهم ومشروباتهم:

لقد ترك الإسلام لأهل الأديان مطعوماتهم ومشروباتهم مادام دينهم يجيزها لهم دون انتهاك للحياة العامة، وجَعَل التعدي على خمر في ملك نصراني مخالفة يُعاقب من تعدّى عليه.

3- في جانب أحوالهم الشخصية: الزواج والطلاق والمواريث وكل ما يتعلق بذلك جعل لهم الحق في أن يُجروها وفق معتقداتهم لا يتدخل فيها أيضاً بل يُعين لهم منهم خبيراً ليقوم بفض نزاعاتهم وفق أديانهم.

4- ما تبقى من أحوال مثل حقوق الرعاية وأمور المعاملات والاقتصاد وحق الإنصاف والانتصاف، تطبّق التشريعات عليهم وعلى المسلمين سواء بسواء، لا فرق بينهم وبين المسلمين، ولم يميز بينهم حسب معتقداتهم، وعندما يطبقها على الرعية يطبقها باعتبار الناحية التشريعية القانونية، وليس باعتبار الناحية الروحية، أي لا يُلزمهم بها باعتبارها دين يؤمنون بها بل باعتبارها قوانين يُطالبون بالخضوع لها.

والمسلم يتقبلها باعتبارها جزءاً من دينه يتقرب إلى الله تعالى بها، وغير المسلم يتقبلها باعتبارها قوانين تعالج مشاكلهم معالجةً صحيحة.

وأما موضوع الجزية فإن جميع دول العالم فرضت نظاماً ضريبياً على شعوبها معللة ذلك بأنها ستقوم برعاية الشعوب وتقديم الخدمات لهم فكثرت الضرائب وتعددت وتنوعت حتى أثقلت كاهل الناس وأورثتهم الفقر والجوع والتشرد بخلاف دولة الإسلام التي لم تعرف نظاماً ضريبياً بل فرضت على المسلمين الزكاة باعتبارها عبادة وحكما شرعياً وحددت مقاديرها تحديداً دقيقاً وفرضت على غير المسلمين جزية تؤخذ من الذكور البالغين القادرين وترد هذه الزكاة وهذه الجزية على الرعية على شكل أموال لفقرائهم سواءٌ كانوا مسلمين أم ذميين أو على شكل خدمات عامة من تعليم وتطبيب وقضاء مصالح من غير تمييز بينهم على أساس العقائد. وعند النظر في الواقع نجد جميع دول العالم لديها تشريعات تطبقها على رعاياها باعتبارها قوانين ملزمة للجميع بغض النظر عن دينهم، وترى هذه الدول أن هذا حق لها ولا يقيم وزناً لملايين المسلمين فيها.

فلماذا ينكر على الإسلام ودولته ما يقرونه لهذه الدول رغم فساد التشريعات ورفض شعوبهم لها !؟

إنما هو التناقض وازدواجية المعايير والتخبط الذي تعيشه الأنظمة الوضعية.

نسأل الله أن يعجل لنا بالفرج، ويخلصنا منها ويكحل أعيننا بدولة الإسلام العظمية تنقذ البشرية من وحشية البشر وتشريعاتهم الجائرة، تخرجهم من الظلمات إلى النور ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام.

قال تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليُبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا "

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الشيخ سعيد رضوان- أبو عماد

الذمة وحق الرعاية في الدولة الاسلامية


برز الحديث في الآونة الأخيرة على ألسنة العلمانيين عن الأقباط في مصر لما أصبح الحديث عن تطبيق الشريعة في مصر هو حديث الناس, وكأني بهم يقولون لا يمكن تطبيق الإسلام طالما أن هناك غير مسلمين في الدولة، وتناسى هؤلاء تاريخا يناهز الثلاثة عشر قرنا كان الإسلام هو الحاكم لدولة امتدت من الصين شرقا إلى الأطلنطي غربا، ووقفت على أبواب فينا في زحفها نحو أوروبا. ضمت هذه الدولة بين جنباتها مختلف "الأقليات" العرقية واللغوية والدينية، ولم تبرز أية مشاكل لهذه الأقليات إلا مع تفتت الخلافة الإسلامية.

ومن المعلوم أن التراث الإسلامي لم يستخدم مصطلح " الأقليات" بالنسبة للتجمعات الدينية غير الإسلامية وإنما استخدم لفظ "أهل الذمة" الذي يحمل من الدلالات الأخلاقية ما لا يحمله لفظ "الأقليات". فلفظ الذمة يعني الأمان "ويسعى بذمتهم أدناهم"، وفي لسان العرب الذمة العهد والأمان والضمان والحرمة والحق.

ومما لا شك فيه أن وجود" الأقليات" في الدول، يترتب عليه مشكلات كثيرة من أهمها تفتيت المجتمع، ونشوء المصادمات ومحاولة " الأقلية" الانفصال والتعاون مع الأعداء، ومن المعلوم أن أميركا، والتي هي عبارة عن أقليات أصلا تطبق المبدأ الراسمالي، تستخدم ورقة " الأقليات" للسيطرة على العالم بحجة المحافظة على حقوق" الأقليات".

ولقد ضرب الإسلام أروع الأمثلة في التعامل مع "الأقليات الدينية" أهل الذمة - ناهيك عن أنه استطاع أن يصهر الأقليات اللغوية والعرقية في بوتقة الإسلام - وهناك أحكام قررتها الشريعة في التعامل مع أهل الذمة منها:

1- العدل: فالمسلم لا يمكن أن يحقق التقوى إذا كان بعيدا عن العدل قال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على آلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".

2- الوفاء بالعقود: قال تعالى "أوفوا بالعقود" وقال أيضا "إن الله لا يحب الخائنين" والذمة عقد يجب الوفاء به.

3- النهي عن الظلم والبغي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".

4- لا أكراه في الدين: والدليل على ذلك استمرار وجود تلك الأقليات إلى اليوم في بلاد المسلمين، فإنه في مقابل غدر الأوروبيين ونقضهم السريع لعهودهم وعقودهم التي كانوا يبرمونها مع الأقليات المسلمة الذين سقطت ولاياتهم تحت أيدي الأسبان بين يدي سقوط الأندلس، وفي مقابل إبادة أولئك المسلمين وإكراههم على تغيير دينهم أو تخييرهم بين ذلك أو الموت في محاكم التفتيش في غرناطة وغيرها .


في مقابل ذلك فإن دولة الخلافة في شيخوختها حيث كانت الأقليات غير المسلمة من الأرمن والروم واليهود في اسطنبول إبان الحكم العثماني تتصل مع أعداء الدولة المسلمة وتكيد لها المكائد وتثير القلاقل والمشاكل مما أغضب السلطان سليم الأول فأصدر قراراً بإجبار هذه الأقليات على اعتناق الدين الإسلامي، فهل رضي بذلك المسلمون وهل أقره عليه العلماء .. إن التاريخ يخبرنا أن العلماء أنكروا عليه ذلك أشد الإنكار، ومنهم شيخ الإسلام (زمبيلي علي جمال) الذي ساءه ذلك جداً وواجه السلطان بقوله: (أيها السلطان إن هذا مخالف للشّرع إذ لا إكراه في الدين، وإن جدكم محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول اتبع الشرع الإسلامي، فلم يكره أحداً على اعتناق الإسلام بل أمن الجميع على عقيدتهم، فعليك باتباع الشرع الحنيف وإتباع عهد جدكم محمد الفاتح) وهدد بخلع السلطان إن هو أصر على قراره .. ولكن السلطان الذي كان يحترم العلماء استجاب له وترك للأقليات غير المسلمة دينها وعقيدتها .

وقصة السلطان سليمان القانوني مع يهودي أبى أن يبيع كوخاً له في أرض أراد السلطان إقامة مسجد جامع عليها ، صورة مشرقة من ذلك ، فمع إصرار اليهودي على رفضه البيع، ذهب السلطان إلى كوخ اليهودي يرجوه ويسترضيه ويعرض عليه أضعافاً مضاعفة لثمن كوخه ، وذهل اليهودي لمشهد السلطان يرجوه ويسترضيه لأجل بيع الكوخ .. وهو القادر على طرده من الدولة كلها ، فوافق على البيع وقام مسجد السلطان سليمان القانوني على تلك البقعة بعد استرضاء وموافقة ذلك اليهودي!!


أقول: هذا حدث في شيخوخة الدولة الإسلامية وهرمها وتهلهلها ، وأمثاله والله كثير ولست هنا في صدد تتبعه واستقصائه . ومنه تعرف أن وتر الأقليات في الدولة المسلمة والذي يطنطن ً عليه أعداء الإسلام إنما يعزف عليه ويطرب له أصحاب المآرب الخبيثة الذين يسعون في الحقيقة إلى سيطرة تلك الأقليات التي توافقهم وتقاربهم في الدين على مقاليد الحكم في بلاد المسلمين .


فأنت ترى أن اليهود والنصارى كانوا ينعمون بالأمن والأمان على ممتلكاتهم وعباداتهم وكنائسهم وأنفسهم وذراريهم في ظل دولة الإسلام ، ولم يكونوا يكلفون بالدفاع عن الدولة أو يجندون تجنيداً إجبارياً بل تتحمل الدولة حمايتهم، وكانوا يدفعون جزية زهيدة تدفع مرة في السنة مقابل حمايتهم، وكان كثير من الخلفاء والولاة يسقطونها عمن كبر وعجز منهم ولا يستطيع دفعها، وإن لم تستطع الدولة حمايتهم أعادت لهم الجزية، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حيث قال "من أذى ذميا فقد أذاني وأنا خصمه يوم القيامة" وقال أيضا "من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما". ثم أليست غضبة عمر ومقالته التي ذهبت مثلاً: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) قيلت انتصاراً لقبطي من مصر ضربه ابن الوالي هناك؟ ولننظر في وصيته للخليفة من بعده" وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وان يقاتل من ورائهم وان لا يكلفوا فوق طاقتهم".

وفي النهاية فإن الأقباط أو غيرهم من غير المسلمين هم رعية الدولة الإسلامية كسائر الرعية لهم حق الرعوية وحق الحماية وحق ضمان العيش وحق المعاملة بالحسنى وحق الرفق واللين ولهم أن يشتركوا في جيش المسلمين ويقاتلوا معهم، ولكن ليس عليهم واجب القتال، ولهم ما للمسلمين من الإنصاف وعليهم ما عليهم من الانتصاف، وينظر إليهم أمام القاضي وعند رعاية الشئون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات كما ينظر للمسلمين دون أي تمييز، فواجب العدل لهم كما هو واجب للمسلمين.

شريف زايد

مصر