والتي نصها:( الحياة الزوجية حياة اطمئنان، وعشرة الزوجين عشرة صحبة، وقَوَامة الزوج على الزوجة قوامة رعاية لا قوامة حكم ، وقد فُرضت عليها الطاعة،وفُرض عليه نفقتها حسب المعروف لمثلها.))
تحتوي هذه المادة على خمسة أمور، أحدها: الحياة الزوجية حياة اطمئنان، وثانيها:عِشرةُ الزوجين عشرة صحبة، وثالثها: قَوامة الرجل على المرأة قوامة رعاية لا قوامة حكم، ورابعها: فُرضت عليها الطاعة، وخامسها: فُرضت عليه نفقتُها حسب المعروف لمثلها.
أما أدلة الأمر الأول، قوله تعالى: ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) وقال تعالى: ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) والسكن هو الاطمئنان، أي ليطمئن الزوج الى زوجته، وتطمئن الزوجة لزوجها، ويَميل كل منهما للآخر ولا ينفر منه، فالأصل في الزواج الاطمئنان، والأصل في الحياة الزوجية الطمأنينة، ولضمان هذه الطمأنينة ولضمان استمرارها، بين الشرع ما للزوجة من حقوق على الزوج، وما للزوج من حقوق على الزوجة، قال تعالى:( ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف)، أي للنساء من الحقوق الزوجية على الرجال مثلُ ما للرجال عليهن، ولهذا قال ابن عباس: (إني لأتزين لمرآتي كما تتزين لي، وأحب أن أستنزف كل حقي الذي لي عليها، فتستوجبَ حقها الذي لها علي، لأن الله تعالى قال: (ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف) أي زينةٌ من غير مأثم.
أما أدلة الأمر الثاني: فقد أوصى الله بحسن العِشرة بين الزوجين ، قال تعالى: (وعاشروهن بالمعروف)، وقال:(فإمساك بمعروف) والعشرة، هي المخالطة والممازجة، فالله سبحانه وتعالى أمر بحسن صحبة النساء، فإنه أهدأُ للنفس، وأهنأ للعيش.
وقد وصى الرسول صلى الله عليه وسلم الرجال بالنساء، روى مسلم في صحيحة عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فُرُشَكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) وقال عليه الصلاة والسلام: (خياركم خياركم لنسائه) وكان عليه الصلاة والسلام جميل العشرة، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويضاحك نساءه، وكان إذا صلى العشاء، يدخل منزله ويسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام يَأنس بهم ويأنسون به، فهذه الأدلة كلها تدل على أن الحياة الزوجية حياة طمأنينة، وتدل على أن الزوج يقوم بما يجعل هذه الحياة الزوجية حياة هادئة سعيدة .
وأما بالنسبة للأمر الثالث، فقد جعل الله سبحانه وتعالى القوامة في البيت للرجل فقال: ( الرجال قوامون على النساء) فإن هذه القوامة، قوامة رعاية لا قوامة حكم وسلطان، فالقوامة لغة: هي الإنفاق على المرأة والقيام بما تحتاجه، فهذا المعنى اللغوي هو معنى الآية، إذ لم يرد معنى شرعي غيرُه، فلا بد أن تكون قوامة الرجل على المرأة قياما بشأنها، وأن تكون عشرته معها عشرةُ صحبة، وقد وصفها الله بذلك فقال: ( وصاحبته) يعني زوجته، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته صاحبا لزوجاته، وليس أميرا متسلطا عليهن. وَكُنَ يُراجعنه ويُناقشنه، رُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال: ( والله أن كنا في الجاهلية ما نَعُدُ للنساء أمرا حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم، فبينما أنا في أمر أئتمره، إذ قالت لي امرأتي، لو صنعت كذا وكذا، فقلت لها: ومالك أنت ولما ها هنا، وما تَكَلفُك في أمر أريده، فقالت لي عجبا لك يا ابن الخطاب، ما تريد أن تُراجَع أنت، وأن أبنتك لتُراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومَه غضبان، قال عمر، فآخُذٌ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخلَ على حفصة فقلت لها: يا بُنية إنك لتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومُه غضبان، فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه، فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله،يا بنية: (لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنُها وحبُ رسول الله إياها). وعن أنس قال: ( أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه طعاما في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( طعام بطعام وإناء بإناء ) وعن عائشة رضي الله عنها: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، فصنعتُ له طعاما وصنعتْ حفصة له طعاما فسبقتني فقلت للجارية: انطلقي فأكفئي قصعتها، فأكفأتها فانكسرت وأنتشر الطعام فجمعه على النطع فأكلوه، ثم بعث بقصعتي إلى حفصة فقال: (خذوا ظرفا مكان ظرفكم ). فهذه الأحاديث تدل على أن قوامته قوامةُ رعاية لا قوامة حكم .
أما الأمر الرابع فقد أوجب الله تعالى على المرأة الطاعة لزوجها، وحرم عليها النشوز، قال تعالى: ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فأن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا)، ووصى المرأة بطاعة زوجها، قال صلى الله عليه وسلم:( إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع)، متفق عليه، وعن طريق أبي هريرة، وقال عليه السلام لامرأة: (أذات زوج أنت؟) قالت نعم، قال: ( فإنه جنتُك ونارك) ، وأوجب على الزوج أن لا يكون غليظ القلب شديد الأوامر، وقد أمره تعالى بالمعاشرة بالمعروف، فلا يمنعها من عيادة والديها وزيارتهما، ولا أن يمنعها من الخروج إلى المساجد.
أما الأمر الخامس فقد أوجب الله تعالى على الزوج نفقتها قال سبحانه وتعالى:
( لينفق ذو سَعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( ألا ان لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)، وروي أنه جاءت هند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.
أبو الصادق
شرح مواد النظام الإجتماعي في الإسلام- ح10
المزيد من القسم اجتماع
الخلافة والذميين
إنه مما لاشك فيه أن ما يسمى بثورات الربيع العربي قد أثرت تأثيراً عميقاً على شعوب العالم الإسلامي وسيكون لها التأثير الكبير على العالم أجمع وستكون نقطة تحول في تاريخ الأمة الإسلامية.
فقد أظهرت هذه الثورات أن الشعوب قد كفرت بحكامها وأنظمة حكمهم وليس هذا فقط بل كفرت بكل السياسات الرأسمالية المطبقة في العالم بعد أن ظهر فسادها وهي تتطلع لبديل حضاري كفيل بمعالجة الأزمات المستعصية في بلادهم ليكون بديلاً عن النظام الرأسمالي الذي انتهت صلاحيته وظهر عجزه وفساد قيمه ومقاييسه المتناقضة.
وهذا البديل تراه الشعوب الإسلامية في مشروع الإسلام الحضاري عقيدة ونظاماً للحياة ترى فيه الهدى والرحمة للناس كافة، وليس أدل على ذلك من فوز الحركات الإسلامية التي جرت في انتخابات تونس والمغرب ومصر، وكذلك التأييد الكبير لهم في ثورة ليبيا وفي الجزائر من قبل، ومع هذا النجاح الكاسح للإسلام أخذ العلمانيون واليساريون وكل القوى السياسية التقليدية في البلاد الإسلامية والأقليات الغير إسلامية والظلاميين بإظهار معارضتهم لتطبيق الشريعة وإظهار مخاوفهم من الدولة الإسلامية وتشبيهها بالدولة الدينية وباستبداد الأكثرية، وأخذوا يثيرون الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي لا علاقة لها بالإسلام ودولته كمفهوم الدولة الدينية التي هي مفهوم غربي لا يعرفه الإسلام وأخذوا يطالبون بالدولة المدنية وبالتداول السلمي للسلطة ولا يريدون أن تَحكم الغالبية المسلمة برؤيتها الإسلامية بل يريدون أن نحكم برؤيتهم هم حتى أنهم أفرغوا الديمقراطية التي ينادون بها ويدعونها من مضمونها وأخذوا يشككون في صلاحية الإسلام للتطبيق مدعين عدم مناسبته للعصر ثم تدخّلوا في تفصيلات الشريعة واستنكروا أن تُطبق على غير المسلمين وكأنّهم اعتبروا المسلمين طائفة مثل بقية الطوائف الأخرى، ويستنكرون مصطلحات شرعية كمصطلح الجزية أو وصف غير المسلمين بالكفار.
وهنا يجب الإشارة إلى بعض المسلّمات عند المسلمين:
1- إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بشريعة الإسلام فيها حلول لكل المشاكل وللناس كافه، قال تعالى :
" ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين"
2- إنّ من لا يؤمن بالإسلام، لا يجوز له الخوض في التشريعات الإسلامية باجتهاد منه فهو ليس أهلاً لذلك ولا يُناقش في فروع الإسلام، وله الحق فقط أن يسأل عن حكم مسألة بعينها ليعرف حكمها من أهلها.
3- إن مشروعاً إسلامياً لا يقوده من كفر به و كذلك مشروعاً رأسمالياً لا يقوده شيوعي كفر بالرأسمالية، وكذلك المشروع الشيوعي لا يقوده رأسمالي كفر بالشيوعية، فلا تداوُل للسلطة بين الشيوعي والمسلم والرأسمالي في أي مكان في الدنيا، لا عند المسلمين ولا عند غيرهم، والأنظمة القائمة تشترط في المسلم الذي يريد أن يلج الحياة السياسية أن يتخلى عن إسلامه ويلتزم بالعلمانية ويصرح بالإيمان بها .
أمّا بعض المُصطلحات وخاصة وصف الكفر لمن لا يؤمن بالإسلام فهو وصف واقع مطابق لواقعه، فهم قد كفروا بالإسلام فهذا واقعهم ولا يقولون هم غير ذلك، فإن كانوا يرون ذلك مذمة فعليهم الرجوع عن كُفرهم بالإسلام والدخول فيه، وإلا فليفتخروا بكفرهم إن كانوا يرون ذلك حقاً.
وقد أخبر الله سبحانه تعالى بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام ومن معه قد كفروا بما عليه قومهم من عقيدة وافتخروا بذلك ولم يعتبر القرآن ذلك مذمة لهم بل اعتبرها مدحاً لهم حين أخبر بأنهم كفروا بما عليه قومهم، قال تعالى :
"قد كانت لكم أُسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرءاء منكُم وممّا تعبُدون من دون الله كفرنا بكم "
وأمّا موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين فسأتناوله بشيء من الإيجاز الميسّر لعلنا نقف على عظيم شرع الله وعدله وإنصافه، لكل رعايا دولته مما حفظ لهم دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأولادهم وعيشهم الكريم الذي لم توفره لهم دولهم التي قامت على أساس دينهم في الماضي والحاضر.
ونظرة سريعة في تاريخ الغرب في القديم والحديث يجد الباحث نفسهُ عاجزاً عن تسجيل جرائم دول الغرب في حق شعوبهم والشعوب التي ابتُليت بأنظمتهم ونفوذهم لكثرتها وبشاعتها ووحشيّتها.
مثال على ذلك الصراع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك الذي استمر لقرون طويلة بين الانجليز والايرلنديين ومحاكم التفتيش في أوروبا والحروب الاستعمارية الصليبية.
وعندما نأتي إلى التشريع الإسلامي نجد حقيقة مطلقة وقطعية مفادُها أنّ الإسلام شرّع الأحكام لمُعالجة أحوال الناس بصفتها تشريعات تُعالج واقع الإنسان بوصفه إنسان بغض النظر عن معتقده، فالرّبا والقمار والاحتكار والزنا جرائم، بوصفها فعل مدمّر للمُجتمع يعاقب فاعلهُ بغض النظر عن عقيدته، وكذلك سائر المعاملات في الصناعة والتجارة والزراعة والمعاملات المالية وغيرها الكثير، وشرّع عقوبات صارمة للمخالفات حسب نوع المخالفة سواءٌ أكان المُخالف مُسلما أم غير مُسلم أي أنه شرّع نظاماً راقياً للمُجتمع يُطهره من كل دنس يتساوى فيه جميع أفراد الرعية بغض النظر عن أديانهم وألزم الناس به بوصفه التشريع القانوني فقط.
وطُبق هذا النظام على النحو التالي :
1- في جانب العقائد والعبادات:
لم يقبل الإسلام من الناس إسلامهم إلا عن قناعة ذاتية ومرضاة لله، ولذلك لا يُكره أحد على الإسلام، قال تعالى : " لا إكراه في الدين " فأقر الإسلام أهل الأديان على عقائدهم وعباداتهم ولم يتدخل فيها، رغم أنه يرى فسادها.
2- في جانب مطعوماتهم ومشروباتهم:
لقد ترك الإسلام لأهل الأديان مطعوماتهم ومشروباتهم مادام دينهم يجيزها لهم دون انتهاك للحياة العامة، وجَعَل التعدي على خمر في ملك نصراني مخالفة يُعاقب من تعدّى عليه.
3- في جانب أحوالهم الشخصية: الزواج والطلاق والمواريث وكل ما يتعلق بذلك جعل لهم الحق في أن يُجروها وفق معتقداتهم لا يتدخل فيها أيضاً بل يُعين لهم منهم خبيراً ليقوم بفض نزاعاتهم وفق أديانهم.
4- ما تبقى من أحوال مثل حقوق الرعاية وأمور المعاملات والاقتصاد وحق الإنصاف والانتصاف، تطبّق التشريعات عليهم وعلى المسلمين سواء بسواء، لا فرق بينهم وبين المسلمين، ولم يميز بينهم حسب معتقداتهم، وعندما يطبقها على الرعية يطبقها باعتبار الناحية التشريعية القانونية، وليس باعتبار الناحية الروحية، أي لا يُلزمهم بها باعتبارها دين يؤمنون بها بل باعتبارها قوانين يُطالبون بالخضوع لها.
والمسلم يتقبلها باعتبارها جزءاً من دينه يتقرب إلى الله تعالى بها، وغير المسلم يتقبلها باعتبارها قوانين تعالج مشاكلهم معالجةً صحيحة.
وأما موضوع الجزية فإن جميع دول العالم فرضت نظاماً ضريبياً على شعوبها معللة ذلك بأنها ستقوم برعاية الشعوب وتقديم الخدمات لهم فكثرت الضرائب وتعددت وتنوعت حتى أثقلت كاهل الناس وأورثتهم الفقر والجوع والتشرد بخلاف دولة الإسلام التي لم تعرف نظاماً ضريبياً بل فرضت على المسلمين الزكاة باعتبارها عبادة وحكما شرعياً وحددت مقاديرها تحديداً دقيقاً وفرضت على غير المسلمين جزية تؤخذ من الذكور البالغين القادرين وترد هذه الزكاة وهذه الجزية على الرعية على شكل أموال لفقرائهم سواءٌ كانوا مسلمين أم ذميين أو على شكل خدمات عامة من تعليم وتطبيب وقضاء مصالح من غير تمييز بينهم على أساس العقائد. وعند النظر في الواقع نجد جميع دول العالم لديها تشريعات تطبقها على رعاياها باعتبارها قوانين ملزمة للجميع بغض النظر عن دينهم، وترى هذه الدول أن هذا حق لها ولا يقيم وزناً لملايين المسلمين فيها.
فلماذا ينكر على الإسلام ودولته ما يقرونه لهذه الدول رغم فساد التشريعات ورفض شعوبهم لها !؟
إنما هو التناقض وازدواجية المعايير والتخبط الذي تعيشه الأنظمة الوضعية.
نسأل الله أن يعجل لنا بالفرج، ويخلصنا منها ويكحل أعيننا بدولة الإسلام العظمية تنقذ البشرية من وحشية البشر وتشريعاتهم الجائرة، تخرجهم من الظلمات إلى النور ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام.
قال تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليُبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا "
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشيخ سعيد رضوان- أبو عماد
الذمة وحق الرعاية في الدولة الاسلامية
برز الحديث في الآونة الأخيرة على ألسنة العلمانيين عن الأقباط في مصر لما أصبح الحديث عن تطبيق الشريعة في مصر هو حديث الناس, وكأني بهم يقولون لا يمكن تطبيق الإسلام طالما أن هناك غير مسلمين في الدولة، وتناسى هؤلاء تاريخا يناهز الثلاثة عشر قرنا كان الإسلام هو الحاكم لدولة امتدت من الصين شرقا إلى الأطلنطي غربا، ووقفت على أبواب فينا في زحفها نحو أوروبا. ضمت هذه الدولة بين جنباتها مختلف "الأقليات" العرقية واللغوية والدينية، ولم تبرز أية مشاكل لهذه الأقليات إلا مع تفتت الخلافة الإسلامية.
ومن المعلوم أن التراث الإسلامي لم يستخدم مصطلح " الأقليات" بالنسبة للتجمعات الدينية غير الإسلامية وإنما استخدم لفظ "أهل الذمة" الذي يحمل من الدلالات الأخلاقية ما لا يحمله لفظ "الأقليات". فلفظ الذمة يعني الأمان "ويسعى بذمتهم أدناهم"، وفي لسان العرب الذمة العهد والأمان والضمان والحرمة والحق.
ومما لا شك فيه أن وجود" الأقليات" في الدول، يترتب عليه مشكلات كثيرة من أهمها تفتيت المجتمع، ونشوء المصادمات ومحاولة " الأقلية" الانفصال والتعاون مع الأعداء، ومن المعلوم أن أميركا، والتي هي عبارة عن أقليات أصلا تطبق المبدأ الراسمالي، تستخدم ورقة " الأقليات" للسيطرة على العالم بحجة المحافظة على حقوق" الأقليات".
ولقد ضرب الإسلام أروع الأمثلة في التعامل مع "الأقليات الدينية" أهل الذمة - ناهيك عن أنه استطاع أن يصهر الأقليات اللغوية والعرقية في بوتقة الإسلام - وهناك أحكام قررتها الشريعة في التعامل مع أهل الذمة منها:
1- العدل: فالمسلم لا يمكن أن يحقق التقوى إذا كان بعيدا عن العدل قال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على آلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".
2- الوفاء بالعقود: قال تعالى "أوفوا بالعقود" وقال أيضا "إن الله لا يحب الخائنين" والذمة عقد يجب الوفاء به.
3- النهي عن الظلم والبغي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".
4- لا أكراه في الدين: والدليل على ذلك استمرار وجود تلك الأقليات إلى اليوم في بلاد المسلمين، فإنه في مقابل غدر الأوروبيين ونقضهم السريع لعهودهم وعقودهم التي كانوا يبرمونها مع الأقليات المسلمة الذين سقطت ولاياتهم تحت أيدي الأسبان بين يدي سقوط الأندلس، وفي مقابل إبادة أولئك المسلمين وإكراههم على تغيير دينهم أو تخييرهم بين ذلك أو الموت في محاكم التفتيش في غرناطة وغيرها .
في مقابل ذلك فإن دولة الخلافة في شيخوختها حيث كانت الأقليات غير المسلمة من الأرمن والروم واليهود في اسطنبول إبان الحكم العثماني تتصل مع أعداء الدولة المسلمة وتكيد لها المكائد وتثير القلاقل والمشاكل مما أغضب السلطان سليم الأول فأصدر قراراً بإجبار هذه الأقليات على اعتناق الدين الإسلامي، فهل رضي بذلك المسلمون وهل أقره عليه العلماء .. إن التاريخ يخبرنا أن العلماء أنكروا عليه ذلك أشد الإنكار، ومنهم شيخ الإسلام (زمبيلي علي جمال) الذي ساءه ذلك جداً وواجه السلطان بقوله: (أيها السلطان إن هذا مخالف للشّرع إذ لا إكراه في الدين، وإن جدكم محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول اتبع الشرع الإسلامي، فلم يكره أحداً على اعتناق الإسلام بل أمن الجميع على عقيدتهم، فعليك باتباع الشرع الحنيف وإتباع عهد جدكم محمد الفاتح) وهدد بخلع السلطان إن هو أصر على قراره .. ولكن السلطان الذي كان يحترم العلماء استجاب له وترك للأقليات غير المسلمة دينها وعقيدتها .
وقصة السلطان سليمان القانوني مع يهودي أبى أن يبيع كوخاً له في أرض أراد السلطان إقامة مسجد جامع عليها ، صورة مشرقة من ذلك ، فمع إصرار اليهودي على رفضه البيع، ذهب السلطان إلى كوخ اليهودي يرجوه ويسترضيه ويعرض عليه أضعافاً مضاعفة لثمن كوخه ، وذهل اليهودي لمشهد السلطان يرجوه ويسترضيه لأجل بيع الكوخ .. وهو القادر على طرده من الدولة كلها ، فوافق على البيع وقام مسجد السلطان سليمان القانوني على تلك البقعة بعد استرضاء وموافقة ذلك اليهودي!!
أقول: هذا حدث في شيخوخة الدولة الإسلامية وهرمها وتهلهلها ، وأمثاله والله كثير ولست هنا في صدد تتبعه واستقصائه . ومنه تعرف أن وتر الأقليات في الدولة المسلمة والذي يطنطن ً عليه أعداء الإسلام إنما يعزف عليه ويطرب له أصحاب المآرب الخبيثة الذين يسعون في الحقيقة إلى سيطرة تلك الأقليات التي توافقهم وتقاربهم في الدين على مقاليد الحكم في بلاد المسلمين .
فأنت ترى أن اليهود والنصارى كانوا ينعمون بالأمن والأمان على ممتلكاتهم وعباداتهم وكنائسهم وأنفسهم وذراريهم في ظل دولة الإسلام ، ولم يكونوا يكلفون بالدفاع عن الدولة أو يجندون تجنيداً إجبارياً بل تتحمل الدولة حمايتهم، وكانوا يدفعون جزية زهيدة تدفع مرة في السنة مقابل حمايتهم، وكان كثير من الخلفاء والولاة يسقطونها عمن كبر وعجز منهم ولا يستطيع دفعها، وإن لم تستطع الدولة حمايتهم أعادت لهم الجزية، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حيث قال "من أذى ذميا فقد أذاني وأنا خصمه يوم القيامة" وقال أيضا "من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما". ثم أليست غضبة عمر ومقالته التي ذهبت مثلاً: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) قيلت انتصاراً لقبطي من مصر ضربه ابن الوالي هناك؟ ولننظر في وصيته للخليفة من بعده" وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وان يقاتل من ورائهم وان لا يكلفوا فوق طاقتهم".
وفي النهاية فإن الأقباط أو غيرهم من غير المسلمين هم رعية الدولة الإسلامية كسائر الرعية لهم حق الرعوية وحق الحماية وحق ضمان العيش وحق المعاملة بالحسنى وحق الرفق واللين ولهم أن يشتركوا في جيش المسلمين ويقاتلوا معهم، ولكن ليس عليهم واجب القتال، ولهم ما للمسلمين من الإنصاف وعليهم ما عليهم من الانتصاف، وينظر إليهم أمام القاضي وعند رعاية الشئون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات كما ينظر للمسلمين دون أي تمييز، فواجب العدل لهم كما هو واجب للمسلمين.
شريف زايد
مصر