October 25, 2009

شرح مواد النظام الإقتصادي في الإسلام- شرح المادة (164) ح38


وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

نص المادة 164:
(توفر الدولة جميع الخدمات الصحية مجانا للجميع ، ولكنها لا تمنع استئجار الأطباء، ولا بيع الأدوية.)


أن الله قد فرض على الخليفة أن يقوم برعاية شؤون المسلمين، برعاية مصالحهم، والإرفاق بهم.
فالمصلحة ما تستعمله الأمة كلها، مثل التعليم وإصلاح الطرق وما شاكل ذلك.
والمرافق هي من الإرفاق، وهو ما يرتفق بها الناس لقضاء مصالحهم، مثل بناء المستشفيات والعيادات لنزول المرضى، وبناء المساجد للمصلين وغير ذلك.
والطب هو من المصالح والمرافق التي لا يستغني عنها الناس، وهو من ضرورياتهم.


والرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتداوي، عن أسامة بن شريك قال: ((جاء أعرابي فقال: يا رسول الله أنتداوى؟ قال: نعم، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله))، وفي لفظ)): قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: نعم عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وأعطى الحجام أجره واستعط) يعني استعمل السعوط وهو دواء يوضع في الأنف.


وهذا يدل على إباحة التداوي، وبالتداوي جلب منفعة ودرء مضرة، فهو مصلحة، علاوة على أن العيادات والمستشفيات مرافق يرتفق بها المسلمون، في الاستشفاء والتداوي.


فصار الطب من حيث هو من المصالح والمرافق، وواجب على الدولة أن تقوم بها، لأنها مما يجب عليها رعايته، عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته)، وهذا من مسؤولية الرعاية، ولذلك وجب على الدولة توفيره للناس، ووجب عليها أن توفره مجانا، لأنه من النفقات الواجبة على بيت المال على وجه المصلحة والأرفاق دون بدل، ولذلك كان عليها أن توفر جميع الخدمات الصحية دون بدل، وهذا هو الدليل على أن الطب مما يجب أن توفره الدولة للناس بالمجان.


وأما جواز أن يستأجر الطبيب، وتدفع له أجرة، فلأن المداواة مباحة، قال عليه الصلاة والسلام: ( عباد الله تداوو).


ولأنها أي المداواة منفعة يمكن للمستأجر استيفاؤها، فينطبق عليها تعريف الإجارة ولم يرد نهي عنها، وفوق ذلك فقد روى أنس: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إحتجم، حجمه أبو طبية وأعطاه صاعين وكلم مواليه فخففوا عنه ) والمراد بمواليه سادته، لأنه كان مملوكا لجماعة، كما يدل على ذلك رواية مسلم، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (إحتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره، ولو كان سحتا لم يعطه )، وقد كانت الحجامة من الأدوية التي يتداوى بها في ذلك الوقت.


وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، (أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يقروهم، فبينما هم كذلك، إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا إنكم لم تقرونا ، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم قطيعا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوهم بالشاء، فقالوا لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه فضحك وقال: ( وما أدراك أنها رقية، خذوها وأضربوا لي بسهم).


وقد كانت الرقية في ذلك الوقت، وهي- قراءة بعضا من القرآن وبعضا من الأدعية، كانت من الأدوية التي يتطبب بها، فدل أخذ الأجرة عليها، وعلى أخذ الأجرة على الحجامة، على جواز تأجير الطبيب، ومثل أجرة الطبيب بيع الأدوية، لأنها شيء مباح، يشمل عموم قوله تعالى: ( وأحل الله البيع)، ولم يرد نص بتحريمه.
أما الأدوية التي يدخل في صناعتها ما يضر الإنسان، فيحرم بيعها ويحرم استعمالها.


وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الإقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق

المزيد من القسم null

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

نص المادة 168:
(الصرف بين عملة الدولة وبين عملا ت الدول الأخرى جائز، كالصرف بين عملتها هي سواء بسواء، وجائز أن يتفاضل الصرف بينهما إذا كانا من جنسين مختلفين، على شرط أن يكون يدا بيد، ولا يصح أن يكون نسيئة، ويسمح بتغيير سعر الصرف دون أي قيد ما دام الجنسان مختلفين، ولكل فرد من أفراد الرعية أن يشتري العملة التي يريدها من الداخل والخارج، وأن يشتري بها دون أية حاجة إلى إذن عملة أو غيره).


عُرّف الصرف أنه بيع نقد بنقد من جنس واحد، وبيع نقد بنقد من جنسين مختلفين، ومعاملات الصرف إما حاضرا بحاضر، وإما ذمة بذمة، ولا تكون بين حاضر وبين ذمة غير حاضرة مطلقا، فإن معاملات الصرف جميعها، مهما تعددت وتنوعت فإنها لاتخرج عما جاء في هذا التعريف، وهي جائزة شرعا، لأن الصرف مبادلة مال بمال من الذهب والفضة إما بجنسه مماثلة وإما بغير جنسه مماثلة ومفاضلة.


فالصرف في النقد الواحد جائز، ويشترط فيه أن يكون مثلا بمثل، يدا بيد، عينا بعين، والصرف بين نقدين جائز، ولا يشترط فيه التماثل أو التفاضل، وإنما يشترط به أن يكون يدا بيد وعينا بعين.


ودليل جواز الصرف قوله عليه الصلاة والسلام: (بيعوا الذهب بالفضة،كيف شئتم، يدا بيد).
وعن عبادة بن الصامت قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى). رواه مسلم.


وعن أبي بكرة قال: (( أمرنا، أي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشتري الفضة بالذهب، كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة، كيف شئنا، قال: فسأله رجل فقال: يدا بيد، فقال: هكذا سمعت)) رواه مسلم.


(وعن مالك أبن أوس أنه قال: أقبلتُ أقول من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة أبنُ عبيد الله، وهو عند عمرَبنِ الخطاب: أرنا ذهبك، ثم أتنا، إذا جاء خادمنا نعطك وَرِقَك. فقال عمر كلا والله لتعطينه ورقه، أو لتردن اليه ذهبا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الورق بالذهب ربا إلا هاءَ وهاء، والبُر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعيرُ بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء)، رواه البخاري.


وأخرج البخاري من طريق سليمان أبن أبي مسلم قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يدا بيد، فقال: إشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء أبن عازب فقال: فعلت أنا وشريكي زيد أبن أرقم وسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ( ما كان يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فذروه ).


وهذا يدل على أن الصرف لا بد وأن يكون يدا بيد، وهو يجري في المعاملات الداخلية كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة والفضة بالذهب من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد سواء أكان في داخل البلد أم في خارجها.


وحين يجري الصرف بين عملتين مختلفتين، يكون بينهما فرق يسمى سعر الصرف، فسعر الصرف هو النسبة بين وزن الذهب الصافي في عملة دولة، ووزن الذهب الصافي في عملة دولة أخرى، لذلك تجد سعر الصرف يتغير تبعا لتغير هذه النسبة، وتبعا لتغير سعر الذهب في البلدان، ولا سيما الآن وقد صارت العملة ورقا نقديا له رصيد من الذهب بنسبة معينة، فإن أسعار الصرف بين العملات في العالم تتغير صعودا ونزولا.


فالصرف حكمه بالإسلام أنه مباح، وكذلك سعر الصرف مباح،وللمسلم الخيار في أن يشتري أو يبيع بالسعر الذي يريده،لأن السعر لا يبقى على حال واحدة، بل يتغير تبعا للظروف والأحوال.


ويشترط أن يتقابضا المتصارفان في المجلس،فمتى انصرف المتصارفان قبل التقابض فلا بيع بينهما، لأن الصرف هو بيع الأثمان بعضُها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته، عن مالك أبن أوس قال: قال صلى الله عليه وسلم: ( الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينا، ونهى عن أن يباع غائب منها بناجز.


ولذلك كان لابد من التقابض في المجلس فإن تفرقا قبل التقابض بطل الصرف لفوات شرطه، وإن قُبض بعضُه ثم افترقا بطل فيما لم يُقبض وفيما يقابله من العوض، وصح فيما قبض وفيما يقابله من العوض وذلك لجواز تفريق الصفقة.


وبهذه المادة نكون ايها الأخوة المستمعون قد أنهينا بعون الله وفضله، شرح وبيان أدلة مواد النظام الإقتصادي في الإسلام، المأخوذة من مشروع دستور دولة الخلافة وهو من منشورات حزب التحرير .


فنسال الله سبحانه تعالى أن يعجل للمسلمين بوضع دستور دولة الخلافة موضع التطبيق والتنفيذ، في دولة خلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.


وإلى أن نلتقي معكم في موضوع آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق

نص المادة 167:

(نقود الدولة هي الذهب والفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة، ولا يجوز أن يكون لها نقد غيرهما، ويجوز أن تصدر الدولة بدل الذهب والفضة شيئا أخر، على أن يكون في خزانة الدولة ما يساويه من الذهب والفضة، فيجوز أن تصدر الدولة نحاسا أو برونزا أو ورقا أو غير ذلك، وتضربه باسمها نقدا لها إذا كان له مقابل يساويه تماما من الذهب والفضة).

تبين هذه المادة أن الإسلام قد حدد النقد، وفرض على الدولة أن تتقيد به، وهذا النقد هو الذهب والفضة ليس غير، فالشرع لم يترك للدولة أن تصدر النقد الذي تريده من أي نوع تشاء، وإنما عين الوحدات النقدية التي للدولة أن تجعلها نقدا لها إذا أرادت أن تصدر نقدا بوحدات نقدية معينة، هي الذهب والفضة ليس غير.

والدليل على ذلك أن الإسلام ربط الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية، عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب، قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: (وإن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الوَرِق ألفُ دينار)، وقال: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا)، فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار والدرهم والمثقال، يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة، وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود.

فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد، فربط الشرع الذهب والفضة بهذه الأحكام يعني أنهما حَصْرا هما النقد.

وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى حين فرض زكاة النقد أوجبها على الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة، فلو كان النقد غيرهما لما وجبت فيه زكاة النقد، لأنه لم يأت نص في زكاة النقد إلا على الذهب والفضة، مما يدل على أنه لا إعتبار لغيرهما من النقود.

وأيضا فإن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما، وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت على الذهب والفضة.

وأما الصرف فهو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة وإما بيع عملة بعملة أخرى.

وبعبارة أخرى الصرف بيع نقد بنقد، فتعيين الشرع للصرف بالذهب والفضة وحدهما دون غيرهما، دليل صريح على أن النقد يجب أن يكون الذهب والفضة ليس غير، قال عليه الصلاة والسلام: ( بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد)، وقال عليه السلام: (الذهب بالوَرِق ربا إلا هاءَ وهاء). وفوق ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عين الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يُرجع اليه عند قياس السلع والجهود والخدمات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم والدانق والقيراط والمثقال والدينار. وكانت هذه كلها معروفة ومشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس.

فكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل النقد الذهب والفضة، وكون الشرع قد ربط بعض الأحكام الشرعية بهما وحدهما، وجعل الزكاة النقدية محصورة بهما، وحصر الصرف والمعاملات المالية بهما، كل ذلك دليل واضح على أن نقد الإسلام، إنما هو الذهب والفضة ليس غير.

فكون الشرع قد عين النقد الذي تصدره الدولة وهو الذهب والفضة، لا يعني أن الدولة تقيد المبادلات بين الناس في البلاد التي تحكمها بهذا النقد، بل يعني أن الأحكام الشرعية التي عين الشرع فيها النقد، بوحدة معينة، لا تجري على هذه الأحكام إلا بحسب هذا النقد.

أما المبادلات بين السلع فتبقى مباحة كما جاء الشرع بها، ولا يحل للخليفة أن يقيدها، لأن هذا التقييد هو تحريم لمباح، وهو لا يجوز ولا يحل للدولة أن تفعله، إلا أنه إذا رأت الدولة أن إباحة نقدٍ غيرها في البلاد التي تحت سلطانها، يؤدي إلى ضرب نقدها، أو ضرب مالها، أو ضرب اقتصادها، أو يؤدي إلى ضرر، فإنها حينئذ تمنعه عملا بقاعدة: ( الوسيلة إلى الحرام حرام)، وكذلك إذا رأت نقدا معينا يؤدي إلى ذلك، فإنها تمنع ذلك بقاعدة: ( كل فرد من أفراد الشيء المباح إذا كان يؤدي إلى ضرر يحرم ذلك الفرد ويبقى الشيء مباحا).

إن المبادلة في الأشياء مباحة مطلقا، إلا ما ورد النص بتحريمه، فيحرم التبادل فيه. وبناء على ذلك، فان مبادلة السلعة بنقد والنقد بسلعة، وكذلك مبادلة الجهد بنقد، والنقد بجهد مباحة مطلقا، إلا السلع والجهود التي ورد نص بتحريمها.

ولتسهيل هذه المبادلات على الناس، يجوز للدولة أن تصد ر أوراقا نقدية نائبة عن الذهب والفضة تمثلهما تمثيلا كاملا، يعني أن غطاءهما الذهبي أو الفضي يمثل قيمتهما مائة في المائة، ولحامل هذه الأوراق النقدية النائبة أن يحولها الى ذهب أو فضة حسب غطائها .

وقد تصدر الدولة أوراقا نقدية مغطاة بجزء من قيمتها - ذهبا أو فضة - بنسبة محددة معينة، ويطلق عليها (النقود الوثيقة) أي حصلت الثقة بها من الثقة فى الجهة التي أصدرتها، ويكون القسم المغطى منها بالذهب أو الفضة عملة نائبة عنهما، ويجري بها التبادل، للنقود والسلع والخدمات.

ويجوز للدولة أن تصدر نقدا خاصا وتضربه باسمها، من المعادن الأخرى غير الذهب أو الفضة، كالبرونز والنحاس، التي يسهل على المسلم تداولها، لشراء المحقرات من الأشياء، شريطة أن يكون له ما يساويه من الذهب والفضة .

والى حلقة قادمة ومادة اخرى من مواد النظام الا قتصادي في الاسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.