سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك
سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

أولا: تعريف الخلافة: واقعها: الخلافة هي الإمامة الكبرى، وهي أصلٌ استقرت عليه قواعد الملة، وهي رئاسة تامة، وزعامة عامة، وخلافة للنبوة لحراسة الدين وإقامته، وسياسة الدنيا بتطبيق الشريعة، وسياسة الرعية ورعاية شئونها، والقيام على مصالحها، وإظهار شرائع الدين، وإقامة حدوده، والائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه، وتَبَنّي والتزام أحكامه، وإقامة المعروف وإظهاره وكف المنكر وطمس آثاره، وحفظ الحَوزَة، وبسط الأمن، والدفاع عن الدولة في مواجهة الأعداء الخارجيين، ومن ذلك يتفرع إقامة الصناعات الثقيلة، ومراكز الأبحاث، وإقامة الصناعات التي تتعلق بأعيان الملكية العامة كمصانع استخراج المعادن وتنقيتها وصهرها، وكمصانع استخراج النفط وتنقيته،

0:00 0:00
السرعة:
March 19, 2022

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"

للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

الحلقة التاسعة: تعريف الخلافة

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنا

أولا: تعريف الخلافة:

واقعها: الخلافة هي الإمامة الكبرى، وهي أصلٌ استقرت عليه قواعد الملة، وهي رئاسة تامة، وزعامة عامة، وخلافة للنبوة لحراسة الدين وإقامته، وسياسة الدنيا بتطبيق الشريعة، وسياسة الرعية ورعاية شئونها، والقيام على مصالحها، وإظهار شرائع الدين، وإقامة حدوده، والائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه، وتَبَنّي والتزام أحكامه، وإقامة المعروف وإظهاره وكف المنكر وطمس آثاره، وحفظ الحَوزَة، وبسط الأمن، والدفاع عن الدولة في مواجهة الأعداء الخارجيين، ومن ذلك يتفرع إقامة الصناعات الثقيلة، ومراكز الأبحاث، وإقامة الصناعات التي تتعلق بأعيان الملكية العامة كمصانع استخراج المعادن وتنقيتها وصهرها، وكمصانع استخراج النفط وتنقيته،

والخلافة تقوم بتطبيق أحكام الشريعة، فتقوم بإقامة الحق، والقضاء بالعدل، ورفع الظلم، والقضاء في الخصومات، وإقامة الميزان بالقسط، وحمل الدعوة، وإقامة مؤسسات الدولة، وأجهزتها، ودواوينها، وأسواقها، وتعيين المعاونين والولاة والموظفين من ذوي القوة والكفاية والأمانة، وتطبيق أنظمة الإسلام في الحكم والسياسة الداخلية والسياسة الخارجية، والقضاء والإدارة، والاقتصاد والمال، والتعليم والاجتماع، والإعلام والعقوبات، وإدارة مصالحها في شئون العمل والطرق والتطبيب والتعليم والزراعة وما إلى ذلك، وإحاطة الرأي بسياج الشورى، والقيام على تهيئة العمل لكل فرد من أفراد الرعية، إن كان قادراً عليه، وضمان الحاجات الأساسية له، من مأكل ومسكن وملبس، والعمل لتوفير الأقل منها ضرورة، الزواج وما يركب لقضاء مصالحه البعيدة وضمانة الحقين الطبيعيين التطبيب والتعليم وتمكينه من تحقيق الرفاهية له ومن يعوله [1].

تعريفها: قال الإمام أبو الحسن الماوردي[2] رحمه الله تعالى: فإن الله جَلَّتْ قدرته ندب للأمة زعيمًا خلف به النبوة، وحاط به الملة، وفوض إليه السياسة، ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، فكانت الإمامة أصلا عليه استقرت قواعد الملة، منه ما يصلح لسياسة الدنيا، وانتظمت به مصالح الأمة حتى استثبتت بها الأمور العامة، وصدرت عنها الولايات الخاصة.

ثم عرف الماوردي الإمامة فقال: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم.[3]

يقول الإمام الراغب الأصفهاني[4] في مفرداته: " الخلافة: النيابة عن الغير، إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما لعجزه، وإما لتشريف المُسْتَخْلَفِ. وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض، قال تعالى: ﴿هُو الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: 39] وقال: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ[5] [هود: 57].

وليس بالضروري للخلافة أن يكون المنوب عنه ميتاً أو غير موجود. فالإمام الراغب يقول: "خلف فلان فلاناً، قام بالأمر عنه وإما بعده"[6].

أما إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني[7] فقد عرف الإمامة بأنها: "رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف وكف الحيف والخيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين وإيفاؤها على المستحقين"[8].

وقال الإيجي: الإمامة خلافة الرسول في إقامة الدين، بحيث يجب اتباعه على كافة الأمّة[9].

وقال التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون "الإمامة عند المتكلمين: هي خلافة الرسول ﷺ في إقامة الدين وحفظ حوزة الإسلام بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة والذي هو خليفته يسمى إماماً"[10].

وعرف التفتازاني الإمامة بقوله: "نيابة عن الرسول ﷺ في إقامة الدين بحيث يجب على كافة الأمم الاتباع"[11]

وعرفها الصنعاني بقوله: "رئاسة عامة لشخص مخصوص بحكم الشرع ليس فوقه يد إلا يد الله تعالى"[12]

وقد وصف القلقشندي[13] الخلافة بـِ "حظيرة الإسلام ومحيط دائرته ومربع رعاياه ومرتع سائمته والتي بها يُحفَظُ الدين ويُحمى، وبها تُصَانُ بَيْضَةُ الإسلامِ، وتَسْكُنُ الدَّهْماءُ وتُقامُ الحدودُ فتُمنعُ المحارمُ عن الانتهاكِ وتُحفظُ الفروجُ فَتُصانُ الأنسابُ عن الاختلاطِ وتُحصَّنُ الثغورُ فلا تُطرقْ، ويُذاد عن الحُرَمِ فلا تُقرع جُنَّةُ جَماها، ولا تُرْشقْ."[14].

مما سبق يتبين أن الخلافة في الاصطلاح الإسلامي تعني القيادة الإسلامية أو الإمامة، ومن هنا يُعلم أن مصطلح الإمامة يرادف مصطلح الخلافة.[15]

وممن يؤكد التماثل المعنوي بين الإمامة والخلافة العلامة ابن خلدون إذ يقول: "وإذ قد بينّا حقيقة هذا المنصب، وأنه نيابة عن صاحب الشريعة، في حفظ الدين وسياسة الدنيا به تسمى خلافة أو إمامة، والقائم به خليفة أو إمام"[16].

ويفسر الشيخ العلامة محمد أبو زهرة الترادف بين اللفظين بقوله: "إن المذاهب السياسية كلها تدور حول الخلافة، وهي الإمامة الكبرى، وسمّيت خلافة لأن الذي يتولاها، ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين، يخلف النبيَّ في إدارة شؤونهم، وتسمّى الإمامة لأن الخليفة كان يسمى إماماً، ولأن طاعته واجبة، ولأن الناس كانوا يسيرون وراءه، كما يصلون وراء من يؤمهم في الصلاة "[17].

إذن فلنا أن نلخص من مجموع تعاريف الخلافة أنها: هي رئاسة تامة، وزعامة عامة، وخلافة للنبوة لحراسة الدين وإقامته، وحفظ الحوزة، وإقامة العدل، ورفع الظلم، والقضاء في الخصومات، وسياسة الرعية ورعاية شئونها، والقيام على مصالحها، وحمل الدعوة، وإقامة الميزان بالقسط الذي شرعه الله تعالى لعباده، وركوب سبيل العدل والحق الذي قامت به السماوات والأرض، وإظهار شرائع الدين ونصر المظلوم والأخذ على يد الظالم، ومراعاة الفقراء والمساكين، وسياسة الدنيا بتطبيق الشريعة، وإقامة حدودها، والائتمار بأوامرها والانتهاء عن نواهيها، والتزام أحكامها، وتطبيق أنظمتها في الحكم والقضاء والإدارة، والاقتصاد، والتعليم والاجتماع، والإعلام والعقوبات، فالإسلام أسٌّ، والخلافة حارس للدين، ومطبق لأحكامه، فهي الفرض الحافظ للفروض، القائم على حسن تطبيقها في الأرض.


[1]  الماوردي: الأحكام السلطانية؛ مفردات ألفاظ القرآن للراغب؛ غياث الأمم للجويني؛ سراج الملوك للطرطوشي؛ الإسلام ضامن للحاجات الأساسية لكل فرد ويعمل على رفاهيته لعبد العزيز البدري.

[2] الماوردي: هو الإمام العلامة أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي الشافعي. حدث عنه أبو بكر الخطيب ووثقه. وقال: مات في ربيع الأول سنة خمسين وأربع مائة. وولي القضاء ببلدان شتى. بلغ ستاً وَثمانينَ سنة. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي - تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي - مؤسسة الرسالة - 1413هـ - ط 9 -  18 / 64

[3]  الأحكام السلطانية للماوردي

[4] الرَّاغِب الأَصْفَهَاني هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني (أو الأصبهاني) المعروف بالراغب (توفي 502 هـ / 1108 م) هو أديب وعالم، أصله من أصفهان، وعاش ببغداد. قال الزركلي عنه:«اشتهر، حتى كان يقرن بالإمام الغزّالي».

[5] مفردات ألفاظ القرآن الكريم – الراغب الأصفهاني – تحقيق: صفوان عدنان داوودي – دار القلم – دمشق – ط1 – 1412هـ - 1992م – ص294.

[6] المصدر السابق: ص: 294.

[7] الجويني: هو الإمام الكبير، شيخ الشافعية إمام الحرمين، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ثم النيسابوري الشافعي، ولد في أول سنة تسع عشرة وأربع مائة، وتوفي في سنة ثمان وسبعين وأربع مائة. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء الذهبي - 18 / 477.

[8] غياث الأمم في التياث الظلم – الجويني – تحقيق ودراسة وفهرسة د. عبد العظيم الديب – كلية الشريعة – جامعة قطر – ط 1 – 1400هـ - ص 22.

[9]  الإيجي في المواقف في علم الكلام: المرصد الرابع في الإمامة ومباحثها ص 395

[10] كشاف اصطلاحات الفنون - محمد أعلى بن علي التهانوي - خياط – بيروت – بدون سنة طباعة – 1/92.

[11] شرح العقائد النسفية للتفتازاني ص 15.

[12] الصنعاني، التاج المذهب لأحكام المذهب شرح متن الأزهار في فقه الأئمة الأطهار 4/ 404.

[13] أبو العباس شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي ثم الفزاري نسبة إلى قبيلة فزارة الغطفانية العربية، صاحب كتاب صبح الأعشى في كتابة الإنشا في 14 مجلدا،، ولد في قرية قلقشندة بمحافظة القليوبية سنة 765 هـ، وله كتابان في الأنساب، وله كتاب الغيوث الهوامع في شرح جامع المختصرات و مختصرات الجوامع، وله كتاب: مآثر الإنافة في معالم الخلافة.

[14] مآثر الإنافة في معالم الخلافة الجزء الأول ص 2.

[15] مُعوقات الخلافة الإِسلامية وسُبل إِعادتها، د. سعد عبدالله عاشور

[16] مقدمة ابن خلدون – ص 191.

[17] تاريخ المذاهب الإسلامية – محمد أبو زهرة – دار الفكر العربي – القاهرة – ص 20.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.