سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك
سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

إن إنتاج الأفكار وحكم الإنسان على الأشياء والأفعال، يأتي من حيث فهم واقعها ما هو؟ ومن ثم من حيث وجهة النظر في الحياة التي تحدد للإنسان موقفه تجاه الأشياء والأفعال، ومن غير وجهة النظر عن الحياة هذه فإن الإنسان لا يكون ناهضا، فيستوي عنده أكل كل شيء ما دام يشبع جوعة المعدة، فيستوي الأكل بطريق السرقة، مع الأكل بطريق العمل الشاق، ويستوي القتل، ...

0:00 0:00
السرعة:
April 06, 2022

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"

للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

الحلقة السابعة والعشرون: الزوايا والاعتبارات التي يجب بحثها حين الإجابة على السؤال: لمن الحق بالتشريع؟ - ج1

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنا

إن إنتاج الأفكار وحكم الإنسان على الأشياء والأفعال، يأتي من حيث فهم واقعها ما هو؟ ومن ثم من حيث وجهة النظر في الحياة التي تحدد للإنسان موقفه تجاه الأشياء والأفعال، ومن غير وجهة النظر عن الحياة هذه فإن الإنسان لا يكون ناهضا، فيستوي عنده أكل كل شيء ما دام يشبع جوعة المعدة، فيستوي الأكل بطريق السرقة، مع الأكل بطريق العمل الشاق، ويستوي القتل، فلا قيم تردع الإنسان ولا تحدد سلوكه!

لذلك فلا يكتفي الإنسان الناهض المتحضر بأن يدرك واقع التفاحة بأنها تشبع الجوع، وأنها ليست فجة، ولا غير ناضجة، كي يأكلها، بل يسبق فعله هذا وجهة نظر في الحياة تبين له أسباب امتلاكها، وما تعلق بحكمها، فإن كانت حلالا أكلها!

ولتحديد الموقف من الفعل: هل يتركه الإنسان أم يفعله، أم يخير بين الفعل والترك، ولتحديد موقفه من الأشياء المتعلقة بها أفعاله، هل يأخذها أو يتركها، أم يخير، نجد أن الموقف هذا يتوقف على النظر إليه من خلال الزوايا التالية: واقع الشيء أو الفعل، الحسن والقبح، الخير  والشر، المدح والذم، الثواب والعقاب.

أ‌- نظرته للشيء أو للفعل، (ما هو واقعهما؟)، هل يظهر في واقع الفعل أو الشيء الكمال والنقص؟

ب‌- ومن زاوية: الحسن والقبح، أي من خلال الاعتبارات التالية:

الاعتبار الأول: الملاءمة لطبع الإنسان، وللميول الفطرية لدى الإنسان، ولأغراضه أو المنافرة لها، فالحُسْن قيل: هو ملاءمة الطبع، والقُبْح قيل: هو منافرته كقولنا: إنقاذ الغريق حسن، وإتهام البريء قبيح!، وما وافق الغرض كان حسناً وما لم يوافق الغرض كان قبيحاً، كقتل زيد بالنسبة لأعدائه وأوليائه فإنه بالاعتبار الأول حسن أى ملائم للغرض وبالاعتبار الثاني قبيح أي غير موافق لغرضهم.

الاعتبار الثاني: أن الحُسْن هو الكمال، والقُبْح هو النقص كقولنا: العلم حسن، والجهل قبيح، بمعنى أنها صفة كمالٍ توجبُ ارتفاع شأن صاحبها والقبح كون الشيء صفة نقصان بمعنى أنها توجب انحطاط شأن صاحبها المتصف بها.

الاعتبار الثالث: أن الحُسْن هو استحقاق الثواب والمدح، والقُبْح استحقاق العقاب والذم.

قيل بأن الاعتبارين الأول والثاني للعقل!، لكن هذا وإن انطبق على بعض الأفعال وبعض الأشياء، فإنه لا ينطبق على الكل، فالعبرة كما اتضح لك من النقاش في البابين السابقين ليست لمجرد إصدار الحكم، أي حكم، وإنما لصوابية الحكم، ومقدرته على معالجة المشكلة معالجة صحيحة!

 أما وصف الأفعال بالحسن والقبح فإنه من حيث الحكم عليها من قبل الإنسان، ومن حيث العقاب والثواب عليها، فالإنسان أعطى نفسه صلاحية الحكم على الفعل بأنه حسن أو قبيح قياساً على الأشياء، فإنه لما وجد أنه استطاع أن يحكم على الشيء المر بأنه قبيح وعلى الشيء الحلو بأنه حسن، وعلى الشكل البشع بأنه قبيح وعلى الشكل الجميل بأنه حسن رأى أنه يستطيع الحكم على الصدق بأنه حسن وعلى الكذب بأنه قبيح وعلى الوفاء بأنه حسن وعلى الغدر بأنه قبيح، فأعطى نفسه صلاحية الحكم على الأفعال بأنها حسنة أو قبيحة بغض النظر عن موضوع الخير والشر فإنه ليس وارداً عنده في هذه الحالة، (أي أن البحث هنا من زاوية الحسن والقبح لا الخير والشر) وبناء على حكمه هذا وضع العقوبات على الفعل القبيح ووضع المكافآت على الفعل الحسن.

فجاء التصحيح لهذا الحكم بأن الفعل لا يقاس على الشيء، فإن الشيء يدرك الحس فيه المرارة والحلاوة والبشاعة والجمال فيمكنه أن يحكم عليه، بخلاف الفعل فإنه لا يُوجَد فيه شيء يحسه الإنسان حتى يحكم عليه هو بالقبح أو الحسن، فلا يتأتى أن يحكم عليه بالحسن أو القبح مطلقاً من نفس الفعل (وكون الظلم مما يمدح أو يذم ليس مما يحسه الإنسان؛ لأنه ليس شيئاً يحس، فلا يمكن أن يُعقَل، أي لا يمكن للعقل إصدار حكم عليه.)

ويتم الحكم على الفعل أو الشيء بالإحساس به، وينقل هذا الإحساس للدماغ ليصدر الحكم عليه، فما لم يكن الفعل أو الشيء محسوسا، فلا يمكن إصدار الحكم عليه، فلا يكفي لإصدار الحكم على الفعل أن يشعر الإنسان بفطرته بالنفور منه، أو الميل له، (فبعض العقول تميل للزنى، ولشرب الخمر فهل يكفي ميلها دليلا على صحة القيام بالفعل أو تحسينه؟ أين المقياس وأين الميزان؟!! والفطرة قد تتأثر بعوامل خارجية مثل الثقافة، فالغربي لا يرى "بفطرته" ما يراه المسلم "بفطرته" وذلك جراء تغير الموازين والأحكام جراء الثقافة الخارجية!، وتأثير الفطرة يتفاوت في العقول قوة وضعفا، دقة في الفهم وضبابية!، ثم لو سلمنا جدلا بصلاحية الفطرة لأن تكون مقياسا ومصدرا لوصف الفعل بالحسن والقبح، كما هو قولهم: العلم حسن، والجهل قبيح، فهاتوا بينوا لنا كيف ستحكم الفطرة على تقبيح أو تحسين تعلم الفلسفة الإلحادية؟ أو على تقبيح أو تحسين حكم أو قانون يتعلق بالشركات المساهمة؟) فلا يتأتى للعقل الحكم عليه بالحسن أو القبح، وبالتالي فلا يصح له الحكم على الفعل بالمدح أو الذم، فلا بد أن يأخذ هذا الحكم من غيره وهو الله تعالى. فهنا البحث من حيث الحكم على الفعل وليس من حيث مقياسه وهنا البحث من حيث العقوبات على الأفعال والإثابة عليها وليس من حيث الإقدام عليها والإحجام عنها، ولذلك كان هناك فرق بين الخير والشر وبين الحسن والقبح، وكانا بحثين منفصلين تماماً.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.