سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك
سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

  والإجماع المعتبر على أنه تشريعٌ هو إجماع الصحابة لا غير، لاتصالهم بالرسول ﷺ ونقلهم لدليل من السنة عاصروه من خلال عيشهم مع نزول الوحي، فالسنة هي الدليل، وهم إنما ينقلون السنة التي عاصروها، فإجماعهم كشف عن دليل، وأما من جاء بعدهم فلم يعاصر، فليس لديهم شبهة الاتصال بالرسول ﷺ.

0:00 0:00
السرعة:
April 18, 2022

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"

للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

الحلقة التاسعة والثلاثون: الإجماع المعتبر

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنا

والإجماع المعتبر على أنه تشريعٌ هو إجماع الصحابة لا غير، لاتصالهم بالرسول ﷺ ونقلهم لدليل من السنة عاصروه من خلال عيشهم مع نزول الوحي، فالسنة هي الدليل، وهم إنما ينقلون السنة التي عاصروها، فإجماعهم كشف عن دليل، وأما من جاء بعدهم فلم يعاصر، فليس لديهم شبهة الاتصال بالرسول ﷺ.

وأيضا: إجماع الأمة الذي صورته أن تنقل لنا الأمة عمليا جيلا بعد جيل حكما شرعيا كوجوب الحجاب، وعدد ركعات الصلاة، فمرد هذا الإجماع إلى نقل حكمٍ شرعيٍ، أي إلى الوحي، فهو أيضا ليس من باب نقل الأمة لعاداتها[1]، أو لآرائها، وذلك لأنه يكشف عن دليل نقلوه لنا سكوتاً أو قولاً، أو تصرفا عمليا[2]، وذلك أن التشريع لله ولرسوله ﷺ، ليس لأحد من البشر أن يشرع، والصحابة إنما يكشفون بإجماعهم عن دليل من سنة المصطفى ﷺ، من فعل الرسول ﷺ أو قوله أو سكوته "وقد نقلوا الحكم ولم ينقلوا الدليل فكان نقلهم للحكم كاشفاً عن أن هناك دليل على هذا الحكم، فليس معنى إجماعهم هو اتفاق آرائهم الشخصية على رأي واحد فإن آراءهم ليست وحياً وكل واحد منهم ليس معصوماً عن الخطأ فلا يكون رأيه دليلا شرعياً وكذلك لا يكون اتفاقهم على رأي دليلا شرعياً، لأن الدليل الشرعي لا بد أن يكون قد جاء به الوحي حتى يعتبر شرعياً، وآراء الصحابة ليست كذلك فلا تعتبر دليلا شرعياً، لا الآراء التي اختلفوا فيها ولا الآراء التي اتفقوا عليها،.. ومن هنا كان إجماع الصحابة إنما يكشف عن دليل."[3]، وعنهم نقلت الأمة فيما بعد،

وقد يحصل النقل للحكم إجماعا، وينقل فيه أدلة من الكتاب أو السنة تعضد هذا الإجماع، فليس معنى الإجماع أن يكون في كل مرة خاليا من دليل منقول، أو أن يكون فقط كاشفا عن دليل غير منقول، فأدلة وجوب إقامة الخليفة من الكتاب والسنة كثيرة، ومع ذلك فقد نقلت أيضا بالإجماع وبالتواتر المعنوي فتأمل.

الإِجْمَاعُ نَقْلٌ لِلْحُكْمِ لا إِنْتَاجٌ (لا تَشْرِيْعٌ) لَهُ

فالإجماع بمعنييه هذين: الصحابة أو الأمة، لا يعدو أن يكون نقلا شرعيا، وليس فيه من معنى "إنتاج حكم" لا أصل له من الوحي، ولا ملء "فراغ تشريعي"، ولا جلب "مصلحة مرسلة" من الدليل[4]، إذ أن الشارع لم يترك الناس سدى ولا في قضية من القضايا كما تقرر، وأن العقل ليس بمشرع كما تقرر، سواء أكان عقل واحد من العلماء أم كان اجتماع عقول الأمة!  أو اجتماع عقول علمائها!

مفهوم الإجماع "سلب الخطأ" لا إضفاء "حقّ التشريع"

ومفهوم إجماع الأمة في هذه الحالة مفهومه "سلب الخطأ" عن الصحابة فيما أجمعوا عليه، أو عن الأمة فيما أجمعت عليه من نقلها لحكم شرعي، وليس في مفهومه: "إضفاء حق التشريع" لها بعد انقطاع الوحي[5].


[1] جاء الشرع ليبين للناس الحسن والقبح والخير والشر والثواب والعقاب، فالخلق الكريم حكم شرعي يجب أن يتصف به المسلم لكونه أُمِرَ بالاتصاف به، لا لأنه صفة حسنة في ذاتها، وبالمثل فإن ما اعتاده الناس إنما نزلت الشريعة لضبطه بالأحكام الشرعية، فيستحيل عقلا أن تكون الأمة أجمعت -على اختلاف مشاربها وأصولها وأعراقها وشعوبها- على عادة معينة مستقرة إلا أن يكون أصلها الشرع!

[2] لشدة اشتهار الدليل بينهم وجريانه في حياتهم، سوغ نقله نقلا عمليا منطوقا أو مفهوما، وقد لا يحتاج إلى نقله قولا!

[3] مقدمة الدستور أو الأسباب الموجبة له. تقي الدين النبهاني 47-   50 شرح المادة 11 بتصرف،

[4] لا يوجد قطعا أي "فراغ تشريعي" ولا "مصالح مرسلة" من الدليل، ولا يحق للبشر أن يشرعوا أمرا مهما دق، وتجد تفصيلا واسعا لهذا في كتابنا: لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالإسلام وفي كتاب المصالح المرسلة لمحمود عبد الكريم حسن فراجعهما.

[5] أنظر: إشكاليات الإجماع لعلي عقيل الحمروني.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.