سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"  للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك - ح 30 -
سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"  للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك - ح 30 -

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على محمد النبي الهادي الأمين سنؤصل هنا لطريقة الإسلام في معالجة المشاكل التي تعترض الإنسان في الحياة علاجا جذريا وواسعا لجميع مشاكله.

0:00 0:00
السرعة:
July 29, 2025

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك - ح 30 -

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"

للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

الحلقة الثلاثون: كيف يعالج الإسلام مشاكل الإنسان علاجا لا يتغير عبر الزمان والمكان – ج1

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على محمد النبي الهادي الأمين

سنؤصل هنا لطريقة الإسلام في معالجة المشاكل التي تعترض الإنسان في الحياة علاجا جذريا وواسعا لجميع مشاكله.

وضعت الشريعة الإسلامية الحلول لمشاكل الناس باعتبارهم أناسا تدفعهم الطاقة الحيوية، المتمثلة بالغرائز والحاجات العضوية، لإشباع هذه الحاجات والغرائز، على نحو يضمن حسن الإشباع، فالإنسان إما أن يشبع الغريزة أو الحاجة العضوية إشباعا صحيحا أو خاطئا أو شاذا، وكل فرد من أفراد هذه الحاجات العضوية أو مظاهر الغريزة يمكن أن يشبع بأحد هذه الطرائق الثلاث للإشباع، لا يتعداها لغيرها، فمثلا: من مظاهرِ غريزةِ النوعِ الجنسُ، يمكن إشباع هذا المظهر إما بالزواج، أو بالزنا أو بالشذوذ، أو أن لا يشبع إطلاقا بأن يعزف المرء عنه إلى مظهر آخر من مظاهر غريزة النوع، كالانصراف عن الزوجة إلى حنان الأم، هذه هي الإمكانيات التي يمكن أن يشبع هذا المظهر لغريزة النوع من خلالها، ولا يوجد أبدا غيرها، وهنا جاءت الشريعة وبينت أن الإشباع الصحيح لا يكون إلا من خلال الزواج، والزواج علاقة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه، فيمنع زواج المحارم، ويمنع إشباع الغريزة عن طريق الشذوذ مع ذات الجنس أو مع البهائم، ويمنع الإشباع من خلال الزنا، ويفصل الإسلام أحكام هذا كله، فيضع عقوبة للزنا أكان الزاني متزوجا أم غير متزوج، ويضع العقوبات على من يقوم بالشذوذ، وبذا يكون التشريع متناولا للمشكلة من جذورها بغض النظر أتعلقت بزيد أم بعبيد، وبالتالي فكل إنسان في الدنيا يواجه دوافع تدفعه لحل مشكلة الجنس فهذه المشكلة وهذا علاجها، ومثل هذا العلاج لا يتبدل بتبدل الزمان أو المكان وهو وحده الصحيح لأنه من لدن عليم خبير، قال تعالى ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾!!

وبالمثل، فالإنسان دائما بحاجة لإشباع جوعة البطن، فجاء الإسلام وأباح كل الأشياء التي في الكون، واستثنى من هذه الإباحة أصنافا معينة فصَّلها، منها الميتة والدم ولحم الخنزير، وما إلى ذلك، فصَّل ما حرم علينا تفصيلا شاملا، ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 119]، فحيثما حل الإنسان أو ارتحل يكون الخنزير حراما عليه ويكون الخمر حراما عليه، لا يتبدل ولا يتأثر بزمان أو مكان.

هذا وقد راعى الإسلام الأحوال غير الطبيعية التي يمر بها الناس، كالمجاعات والإشراف على الهلاك، فأباح ما حرم علينا في حالة الاضطرار إن ظن الإنسان الهلاك إن لم يأكل المحرم، أما إن غلب على ظنه الهلاك وأشرف عليه ففرض عليه أن يأكل من المحرم، عملا بالقاعدة الشرعية الوسيلة إلى الحرام محرمة، وهكذا فقد سد الإسلام كل ثغرة وعالج كل وضع مصاحب للإنسان في سيره في الحياة، سواء أشارف على الهلاك تيها في الصحراء أم شارف عليه وهو في بيته أو في عصر الصحابة أم في قابل الزمان فالحكم لا يتغير.

وعلى الصعيد الاقتصادي مثلا، بينما نرى المفكرين الرأسماليين لا يفرقون بين النظام الاقتصادي وبين علم الاقتصاد، فالاقتصاد عندهم هو الذي يبحث في حاجات الإنسان ووسائل إشباعها، فيجعلون إنتاج السلع والخدمات التي هي وسائل إشباع الحاجات مع توزيع هذه السلع والخدمات على الحاجات بحثاً واحداً؛ وبالتالي ينطوي لديهم توزيع السلع والخدمات في بحث إنتاج هذه السلع والخدمات.

وبناء على ذلك ينظرون إلى الاقتصاد نظرة واحدة تشمل المادة الاقتصادية وكيفية حيازتها، دون فصل بينهما ودون تمييز أحدهما عن الآخر؛ أي ينظرون إلى علم الاقتصاد والنظام الاقتصادي نظرة واحدة دون فرق بينهما، مع أن هنالك فرقاً بين النظام الاقتصادي وعلم الاقتصاد.

فالنظام الاقتصادي هو الذي يبين توزيع الثروة وتملّكها والتصرف بها وما شاكل ذلك، وهو في بيانه هذا يسير وفق وجهة نظر معينة في الحياة.

بخلاف علم الاقتصاد، فإنه يَبحث في الإنتاج وتحسينه وإيجاد وسائله وتحسينها، وهذا عالمي عند جميع الأمم لا يختص به مبدأ دون آخر، كسائر العلوم، فالإسلام عند معالجته للاقتصاد، فصل بين النظام الاقتصادي وبين علم الاقتصاد، وبالتالي فلم يحجر على تفكير البشر في إبداعاتهم في علم الاقتصاد وطريقة تحسين الإنتاج مثلا، فاختراع خط الإنتاج مثلا من قبيل الأمريكي فورد، سرع في عملية إنتاج السيارات وسهلها كثيرا، فهذا الأمر عالمي وليس نابعا من وجهة النظر في الحياة، وبالتالي فالإسلام يأخذه كما يأخذ نظرية فيثاغوروس في الرياضيات لأنها غير نابعة من وجهة النظر في الحياة فهي ليست خاصة باليونانيين.

بخلاف النظام الاقتصادي، فالملكيات العامة مثلا، والتعامل بالربا، أو المعاملات التي يترتب عليها حقوق مالية لا بد من ضبطها بناء على وجهة النظر في الحياة أي على العقيدة الإسلامية، من هنا فالنظام الاقتصادي الإسلامي قام بوضع قواعد تناول فيها توزيع الثروة وتملكها والتصرف بها وما شاكل بنظام ثابت لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه من لدن عليم خبير.

من هنا تزول الشبهة التي تدور في أذهان بعض المسلمين من موقف الإسلام إزاء تقدم البشرية في الأرض علميا وصناعيا، فالإسلام لا يحجر العقول ولا يمنع الإبداع في مجال الأشكال المادية والصناعية والعلمية.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.