سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"  للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك - ح 31 -
سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"  للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك - ح 31 -

أما الواقع الفاسد، فقد جاءت الشريعة لتغيره تغييرا جذريا انقلابيا، فتعاملت مع الواقع لا على أساس جعله مصدر التفكير ولكن على أساس جعله محل التفكير، فالمجتمع الغارق في الفساد، لم تأت الشريعة لتلتقي معه في منطقة الوسط، بل فاصلت الجاهلية مفاصلة تامة،

0:00 0:00
السرعة:
July 30, 2025

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك - ح 31 -

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"

للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

الحلقة الحادية والثلاثون: كيف يعالج الإسلام مشاكل الإنسان علاجا لا يتغير عبر الزمان والمكان – ج2

أما الواقع الفاسد، فقد جاءت الشريعة لتغيره تغييرا جذريا انقلابيا، فتعاملت مع الواقع لا على أساس جعله مصدر التفكير ولكن على أساس جعله محل التفكير، فالمجتمع الغارق في الفساد، لم تأت الشريعة لتلتقي معه في منطقة الوسط، بل فاصلت الجاهلية مفاصلة تامة، منطقها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون]، ومنطقها: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون]، ومنطقها: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء]، ومنطقها: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88].

وهنا نجد أن الإسلام ليس بمسؤول عن كل المشاكل التي نتجت عن تطبيق غيره سواء الاشتراكية أو الرأسمالية، فالإسلام ليس بمسؤول عن إيجاد حل مرحلي لمشكلة فرض التأمين على المسلمين إجباريا مع أنه يتناقض مع شريعتهم، وليس بمسئول عن إيجاد حل مرحلي لمشكلة الفقر التي ألجأت بعض المسلمين إلى الربا، فلو كان الإسلام مطبقا لمنع التأمين ولمنع الربا ولمحا الفقر، فهو لا يتخذ الواقع مصدرا للتفكير بل يُغَيِّرُ الواقعَ بمفاهيمه الجذرية الانقلابية فيمحو الكفر ويضع الإسلام موضع التطبيق فورا.

كذلك فإن الإسلام راعى في تشريعه تحقيق العبودية لله وحده، فالإنسان الذي يقنن لغيره إنما ينصب نفسه إلها من دون الله، وبالتالي فالإسلام هو إخراج للعباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العالمين، وهنا تجد بعض التشريعات إنما جاءت لتختبر طاعة العباد لربهم بغض النظر أصطدمت مع مصالحهم الآنية ونظرتهم الضيقة للأمور أم توافقت معها، فالغربي يبحث عن علة لتحريم الخنزير، فلا يجد، ومقياسه النفعية وبالتالي لا يقف على حقيقة تحقيق العبودية لرب العالمين، وهي من أهم مطالب الشرع، فالتزام ما أمر الله ورسوله فيه تحقيق العبودية لله وحده وفيه تسليم له تعالى بأنه أحق بالحاكمية، وأنه وحده العليم بما يصلُح للبشر وما يُصلحهم.

وأخيرا فقد منح الشريعة ما لا يوجد في غيرها من التشريعات، فقد جعلها مقاييس مبنية على الاعتقاد، فكانت وازعا عقديا يزع الانسان للالتزام بها مخافة الله، ومحبة في الله، ورجاء في جنب الله، مما يجعل الإنسان ليس بحاجة إلى قوة مسلطة عليه لتردعه ليلتزم القانون، بل تجعله يخضع لسلطان الله في السر والعلن، فلا يرى الإفلات من عقوبة الحاكم في الدنيا غنيمة ولا مكسبا، فهو يعلم أن الله يراقبه، ولكنها أيضا وضعت العقوبة الحكيمة المناسبة للمخالفة لهذه الأوامر، فكانت العقوبات زواجر جوابر، تردع من تسول له نفسه التهاون في تنفيذ أوامر الله تعالى.

فهذه أمثلة ستة تضع خطوطا عريضة لطريقة الإسلام في علاج المشاكل، وهي: أن الإسلام عالج المشاكل علاجا جذريا متعلقا بجنس الإنسان، وثانيها أنه راعى الظروف غير الاعتيادية والتي يظهر فيها اضطرار المسلم لما حرم عليه من مأكل ومشرب، وثالثها: تعلق نظام الإسلام بأمور معينة هي ما نبع من وجهة النظر في الحياة، وما يدخل في مفهوم الحضارة، وأما الجانب المتعلق بالمدنية فقد تركه للإنسان يبدع فيه كيف شاء، ورابعها أنه لم يجعل الواقع مصدر تفكيره ولكن محل تفكير من أجل تغييره بالمفاهيم الصحيحة لا الالتقاء معه في منتصف الطريق، وخامسها تحقيق العبودية لله وحده سبحانه لأنه الحاكم وحده، وسادسها أنه وضع آلية لتطبيقها وتنفيذها تضمن التنفيذ الذاتي لها في غياب السلطان، ولكنها أيضا وضعت العقوبات الزواجر الجوابر للخارجين عليها لتضمن حسن تطبيقها.

لقد اختلف الإسلام في طريقته في حل المشاكل كليا عن القوانين الوضعية، فقد كان حلا مخالفا للتشريع الذي يحل مشاكل الناس باعتبارهم فلانا أو علانا، يريد هذا تقنينا يبيح له الزنا وذاك يبيح له الخمر، فيفصَّلُ التشريعُ على كيف المتشرِّعين أو المحسوبين عليهم من أرباب الصناعات ورأس المال، أو على أساس المحسوبيات والنفعيات والأهواء مما يجعل التشريع قاصرا عن الصمود أياما علاوة على أن يصلح للبشرية في رحلة الحياة الدنيا.

ولقد تناولت الشريعة الإسلامية مشاكل الإنسان لتنظم سلوكه، فراعت التحقق من أن يكون الحل هو الحسن وما سواه هو القبيح على الحقيقة، ولقد راعت إحقاق الحق والعدل، وضمنت أن يؤدي السلوك إلى إعمار الأرض بالعمل الصالح لا العيث في الأرض فسادا، فكان الشرع متجنبا الأهواء والمصالح الآنية الضيقة، راقيا بالإنسان عن درجة البهيمية في إشباع غرائزه وحاجاته العضوية، مراعيا إنسانيته وعقله، محققا مصلحته على الحقيقة لا على التخريص، رحمةً لسائر الناس، مبنيا على نظرة صحيحة للكون والإنسان والحياة قائمةٍ على حلٍ صحيحٍ للعقدة الكبرى مبنيةٍ على العقل متوافقةٍ مع الفطرة.

وعلى صعيد آخر في البحث، فإن الشريعة الإسلامية جاءت باللغة العربية، فوسعت علاج المشاكل التي كانت في زمن المصطفى e، والتي ستطرأ إلى يوم الدين، فقد أكمل الله الدين، وهذا محور له بحثه الطويل، وقد تناولنا بالبحث والتأصيل لهذه الموضوعات في كتابنا: لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالإسلام، فراجعه ففيه تكملة واستقصاء للأبحاث المتعلقة بهذا الموضوع. والحمد لله رب العالمين.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.