سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"  - للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك  - ح2
سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"  - للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك  - ح2

  يتساءل كثيرون في هذا العصر عن الخلافة، فمن سائل عنها أهي من أصول الدين؟ أمن العقيدة هي؟ أم من الفروع؟ وهل هي من صنع الصحابة أم أنها من الأحكام الشرعية؟ وأين نجد خبرها والأمر بإقامتها في القرآن والسنة؟ وهل أدلة وجوبها قطعية أم ظنية؟ وهكذا تمضي الأسئلة، وكأن الخلافة لم تكن حاضرة الأمة الإسلامية، وحامية بيضتها، ومطبقة أحكام الإسلام فيها، وحاملة عقيدتها وناشرة دعوتها، وكأنها لم تكن الكيان الذي فتح جل الدنيا المعروفة وقتها لعدل الإسلام ورحمته، وكأنها لم تكن حظيرة الإسلام ومحيط دائرته ومربع رعاياه ومرتع سائمته! 

0:00 0:00
السرعة:
July 01, 2025

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" - للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك - ح2

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"

للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

الحلقة الثانية: هل الخلافة من الأصول أم من الفروع؟

يتساءل كثيرون في هذا العصر عن الخلافة، فمن سائل عنها أهي من أصول الدين؟ أمن العقيدة هي؟ أم من الفروع؟ وهل هي من صنع الصحابة أم أنها من الأحكام الشرعية؟ وأين نجد خبرها والأمر بإقامتها في القرآن والسنة؟ وهل أدلة وجوبها قطعية أم ظنية؟ وهكذا تمضي الأسئلة، وكأن الخلافة لم تكن حاضرة الأمة الإسلامية، وحامية بيضتها، ومطبقة أحكام الإسلام فيها، وحاملة عقيدتها وناشرة دعوتها، وكأنها لم تكن الكيان الذي فتح جل الدنيا المعروفة وقتها لعدل الإسلام ورحمته، وكأنها لم تكن حظيرة الإسلام ومحيط دائرته ومربع رعاياه ومرتع سائمته! 

وكأن الرسول ﷺ وصحابته الكرام لم يلاقوا الويلات والعذاب الشديد، وقد صُلوا بمكروه هذا الأمر، عذابا لا تطيق مثله الجبال الراسيات، حتى حفرت في الظهور منهم الأخاديد، جراء صَلْيـها بالحديد المحمى بالنار، ومن جلدها بالأسواط بلا رحمة، واحترقت من طول التعذيب فوق رملٍ شديد الالتهاب في صُيوفٍ شديدة الحرِّ، واستشهد من استشهد، وهاجر من هاجر مغتربا عن أرضه وأهله، مُخَلِّفاً وراءه بيته وماله نهبا لأعدائه، 

وكأنهم لم يكتحلوا السهر يصلون الليل بالنهار، بأعمال منقطعة النظير بُغية إقامة دولتها! فكان من تلك الأعمال أن أَغرى سفهاءُ الطائفِ صبيانَها بنبي الرحمة ﷺ يرمونه بالحجارة ويشتمونه، ومنها أن قذفوا على ظهره الشريفة سَلَى جَزُورٍ وهو ساجدٌ بين يدي ربه! ومنها أن وُطِئ أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه بالأرجل، وضُرب ضرباً شديداً، حتى أخذ عُتْبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين ويحرفهما إلى وجهه حتى صار لا يُعْرَفُ أنفه من وجهه، فأمسى ما بين الموت والحياة!

وكأن الرسول ﷺ لم يربط بين قيام ووجود الجماعة وبيعة السلطان والدولة ربطا محكما في جملة من الأحاديث، فالخروج من السلطان خروجٌ من الجماعة، والخروج عن الدولة أو السلطان أو الطاعة أو الجماعة أو عليها خلعٌ لربقة الإسلام من الأعناق! ومؤذنٌ بالقتل، فالخليفة الثاني إذا بويع قُتل، والخارج عن الجماعة1 (الدولة/ السلطان) ميتتُهُ جاهليةٌ! 

فلهؤلاء السائلين كلهم نجيب بأن إقامتها حكم شرعي نزل به الوحي، وهي فرض، بل فرض الفروض، وواجب، بل ومن أهم الواجبات وأخطرها شأنا، وقضية مصيرية للأمة يتوقف عليها موتها وحياتها، ووجودها وفناؤها2، ونهضتها وارتكاستها، وخيريتها ونزع هذه الخيرية منها3! ولذلك ينبغي اتخاذ إجراء الحياة أو الموت حيال قضية إقامتها!

قال الأستاذ أحمد القصص: "من أخبث أساليب التلبيس على المسلمين: هل الخلافة من العقيدة؟ لا، يقولون: إذن فهي غير إلزامية وغير مهمة!! إن وجوب الخلافة هو من أعظم أحكام الشريعة، فهل يشترط أن تكون الخلافة من أمور العقيدة حتى تكون واجبة وفريضة شرعية، بل من أعظم واجبات هذا الدين؟!! هل الحدود من العقيدة؟ لا. هل الجهاد من العقيدة؟ لا. هل الصلاة، هل الصيام، هل الحج من العقيدة؟ لا بل من الفروع! إذن لماذا التمسك بها؟! وكأن الدين هو العقيدة وحسب! ما قيمة العقيدة إن لم تُفضِ إلى التزام الشريعة وإعلائها وجعل السيادة لها في الأرض؟! إن فصل العقيدة عن الشريعة أخطر دسيسة يروج لها في هذا الزمان! هؤلاء الذين يروّجون لهذا المنهج مجندون ضد الإسلام، وفِي خدمة أعدائه، دروا أو لم يدروا، تعمدوا أو لم يتعمدوا4".

وسنرتب إجابتنا على هذا السؤال على الصعد الخمسة التالية:

أولا: صعيد أن الخلافة من مقاصد الشريعة الكبرى

ثانيا: صعيد دراسة نظام الخلافة واستنباط أنها الاستمرار الشرعي لإقامة نظام العدل في السماوات والأرض.

ثالثا: صعيد دور الخلافة في حياة الأمة ووجودها، (السيف والدرع، تطبيق الأحكام ونشرها)

رابعا: صعيد توقف إقامة وتطبيق جل أحكام الشريعة الغراء (الأمر) عليها، وتولي (ولي الأمر) ذلك التطبيق

خامسا: صعيد الاستنباط، استنباط حكمها الشرعي في القرآن والسنة والإجماع، وأدلتها القطعية، والقرائن التي حفها الشارع بها لإظهارها على أنها من أخطر الواجبات وجوبا!

وجعلوه أوجب الواجبات

إن إقامة الخلافة، أي: تطبيق الشريعة في هذا العصر، وكل عصر من أوجب الواجبات، كيف لا، وقد جعله صحابة رسول الله ‏ﷺ كذلك وقد قارنوه بدفن أحب الخلق إلى الله تعالى، وقارنوه بإمضاء بعث أسامة (الجهاد)، فلم يجدوا أهم من المبادرة بإقامة الخليفة، فجعلوه أوجب الواجبات،

1- عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ  قال «من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية». رواه البخاري برقم 7053و7054 و 7143 ومسلم 1849،  «من فَارق الْجَمَاعَة قدر شبر [شبراً] فقد خلع ربقة الإسلام من عُنُقه» حديث صحيح رواه أبو داود برقم 4758، لاحظ ألفاظ الحديث تزاوج بين الخروج من الجماعة، والخروج من السلطان، وهما شيء واحد، فالسلطان في الإسلام للأمة، تمنحه بعقد البيعة للخليفة ليكون صاحب السلطان؛ أي رعاية الشؤون وفق أحكام الإسلام، لذلك كان من الطبيعي أن يكون الخروج على السلطان خروجاً على الجماعة، فالميتة جاهلية، وربقة الإسلام من الأعناق مخلوعة!

 2- راجع في هذا الكتاب شرح حديث: «توشك أن تداعى عليكم الأمم»، وحديث: «إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به»، فالأمة من غير الخلافة بلا درع واقية، وتكون نهبا لكل طامع، فالأمة بحاجة لسيف (الجهاد) ودرع (الخلافة) لتبقى سيدة الأمم وحاملة مشعل الخير للبشرية.

3-  راجع كتابنا: مفاهيم على طريق استئناف الحياة الإسلامية، تجد ربطا بين خيرية الأمة وإقامتها في نفسها بأحكام المعروف ونهيها عن المنكر، ثم بشهادتها على الأمم، أي حمل الدعوة للناس كافة، وهكذا فإن وجود الخلافة كفيل بتحقيق هذه الخيرية.

4- الأستاذ أحمد القصص، صفحته الرسمية على الفيسبوك.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.