سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"  للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك - ح65
سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"  للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك - ح65

خامسا: ضمانات تحقيق الدولة القانونية بين التصور الإسلامي والتصور الغربي: في التصور الغربي للدولة القانونية نجد الضمانات الثلاث التالية لتحقيق خضوع الدولة للقانون:

0:00 0:00
السرعة:
September 02, 2025

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك - ح65

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"

للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

الحلقة الخامسة والستون: ضمانات تحقيق الدولة القانونية بين التصور الإسلامي والتصور الغربي – ج1

خامسا: ضمانات تحقيق الدولة القانونية بين التصور الإسلامي والتصور الغربي:

في التصور الغربي للدولة القانونية نجد الضمانات الثلاث التالية لتحقيق خضوع الدولة للقانون:

أولا: الفصل بين السلطات، ثانيا: تنظيم رقابة قضائية، ثالثا: تطبيق النظام الديمقراطي.

والحقيقة أن الضمانتين الأولى والثالثة وما نتج عنها من مفاهيم إنما هي مفاهيم مضللة وخاطئة ولا وجود لها في الواقع، وقد أسهبنا في نقضهما في كتابنا: الإسلام، الديمقراطية، العلمانية، الليبرالية، والرأسمالية مقارنة للأسس الفكرية، والذي نسأل الله أن يسهل إخراجه وطباعته، وفيه استقصينا نقض الأسس التي تقوم عليها مبادئ الديمقراطية والليبرالية والعلمانية، وناقشنا مسألة فصل السلطات وغيرها من القضايا بإسهاب، فراجعه!  

مفهوم السلطة بين النظام الإسلامي والنظام الغربي:

عُرِّفت السلطة السياسية في الفكر الغربي بأنها "ظاهرة اجتماعية لها القدرة الفعلية على احتكار وسائل القمع والإكراه، داخل الجماعة بهدف تحقيق الانسجام، والأمن الاجتماعي لصالح هذه الجماعة"1. وفي تعريف آخر: "السلطة هي نطاق الصلاحيات المشروعة التي يتمتع بها كيان ما2 عندما يتصرف بالنيابة عن الحكومة. وتُمنح هذه الصلاحيات من خلال القنوات المعترف بها رسميًا داخل الحكومة، وتمثل جزءًا من السلطة العامة للحكومة"، ويرى الدكتور محمد بالروين بأنه "بالرغم من أنه لا يوجد تعريف واحد مُحدد ومُتفق عليه لمعنى مفهوم السلطة إلا أنه يمكن حصر معناها في (أ) مجموع الصلاحيات التى يُخولها الشعب للمسؤولين في الدولة. (ب) اختيار الشعب للأداة السياسية التى تحدد نوع وطبيعة هذه الصلاحيات. و(ج) شمول هذه الصلاحيات على حق المسؤولين في اتخاد القرارات وإصدار الأوامر المُلزمة للجميع.3

بينما عرفت السلطة السياسية في المصادر الإسلامية على أنها: «... موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين، وسياسة الدنيا» عند الماوردي، وعرّفها ابن خلدون بقوله: «حمل الكافَّة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية، والدنيوية الراجعة إليها.. فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به...».

وعرّفها الإمام الجُوَيْني «الإمامة: رياسة تامّة في مهمات الدين والدنيا... لحفظ الحَوْزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين وإيفائها على المستحقين».

هذا.. ونلاحظ في التعريفات الإسلامية توفر عنصر القوة للسلطة السياسية من أجل القيام بمهماتها (في حراسة الدين).

(حمل الكافة..) (لحفظ الحَوْزة... وإقامة الدعوة بالحجة والسيف....) كما نلاحظ في التعريفات الإسلامية أن المهمة التي تنهض بها السلطة السياسية مزدوجة فهي إقامة الدين، ورعاية الأمور الدنيوية والمعاشية على أساس أحكام الدين.4

ومفهوم السلطة في النظام الغربي يختلف عن مفهوم السلطة في النظام الإسلامي، وحين النظر المتفحص لمفهوم السلطة نجد أنها رعاية مصالح الناس عامة (نظام الحكم، وأنظمة الدولة) بأحكام معينة. فقد ثبت بما لا يدعُ مجالاً للشك أن السلطة هي التصرف في مصالح الناس، ومصالح الناس تتحدد قطعاً حسب وجهة نظرهم في الحياة، فما يرونه من أعمال وأشياء مصلحة لهم يعتبرونه مصلحة، وما لا يرونه مصلحة يرفضون أن يعتبرونه مصلحة، فالمصلحة إنما تكون من حيث النظرة إليها لا من حيث واقعها فقط، فالموت في سبيل الله (الاستشهاد) يراه المسلم أنه مصلحة مع أنه موت [أي الموت ليس مصلحة في ذاته]، والربا عند المسلم لا يراه مصلحة مع أنه كسب مال [كسب المال هو مصلحة في ذاته]، فوجهة النظر في الحياة حددت طبيعة الشيء بأنه مصلحة أو مفسدة، فالكذب مفسدة ولكنه في الحرب مصلحة، مع أن واقعه أنه كذب لم يختلف في الحالتين، وإنما اختلفت النظرة إليه بحسب وجهة النظر في الحياة، فالمصالح هي قطعاً حسب وجهة النظر في الحياة، فمن يريد أن يأخذ السلطة إنما يعني أنه يريد التصرف في مصالح الناس، فلا بد أن يأخذ هو وجهة نظر الناس وحينئذ يتصرف في مصالحهم حسب وجهة نظرهم، وإما أن يعطيهم وجهة نظره في الحياة فيقنعهم بها ثم يتصرف في مصالحهم، أو أن يجبرهم على رؤيته كما في أنظمة الاستبداد، وفي الحالتين الأولى والثانية إنما جعل النظرة إلى الحياة أساساً في أخذ التصرف في مصالح الناس، أي أساساً في أخذ السلطة، بناء على رضا الطرفين، وفي الحالة الثالثة اختلفت فقط بفرض وجهة النظر لدى الحاكم على الناس فرضا، وبقيت هي الزاوية التي من خلالها تؤخذ السلطة، وعليه فإن النظرة إلى الحياة هي الأساس في أخذ السلطة، لذلك كان لزاما العمل على تغيير النظرة إلى الحياة إن خالفت تلك النظرةُ الإسلامَ، وإقناع الناس باتخاذ العقيدة الإسلامية أساسا في نظرتهم إلى الحياة وإلى مصالحهم، فحيثما كان الشرع فثم المصلحة، وأن يتحول الرأي العام في المجتمع لاتخاذ هذه النظرة أساسا للحكم فيؤخذ الحكم ممن لا يقيمونه على أساس هذه النظرة، من هنا فاستئناف الحياة الإسلامية يقتضي أن تتحول النظرة إلى المصالح والأفعال والشؤون إلى زاوية الإسلام فتتخذ هي الزاوية التي يحكم بها على المصالح وترعى الشؤون على أساسها، لذلك كان عمل الحزب المركزي تغيير المفاهيم والقناعات والمقاييس التي لدى المجتمع لإقامة الدولة على أساس مفاهيم ومقاييس وقناعات إسلامية، يقيم السلطان على أساسها وتحل محل ما يخالف الإسلام في الواقع.5

1- مجلة الوعي العدد 28 - 29، عن بحث بعنوان: السلطة السياسية في الفكر السياسي الغربي والإسلامي، بحث مقدم لإحدى الجامعات

2- كلاين إن دي (Cline n.d.))

3- من مفهوم السلطة السياسية (1 من 2) د. محمد بالروين

4- كلاين إن دي (Cline n.d.))

5- أنظر مجموعة النشرات التكتلية، ص 137 بتصرف.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.