تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة المـائة وثلاث عشرة
تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة المـائة وثلاث عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أيها المسلمون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية،

0:00 0:00
السرعة:
September 20, 2021

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة المـائة وثلاث عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"
الحلقة المـائة وثلاث عشرة


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.


أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: عنوان حلقتنا لهذا اليوم هو: "هكذا يكون المقتدى بهم". روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس. ولقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج في عنقه السيف، وهو يقول: يا أيها الناس، "لن تراعوا، لن تراعوا". يردهم، ثم قال: وجدناه بحرا أو إنه لبحر. يعني الفرس.


لقد سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى مكان الصوت، ثم عاد ليطمئنهم، ويهدئ من روعهم ويقول لهم: "لن تراعوا، لن تراعوا". وهكذا يكون المقتدى بهم. إن أزمة الأمة في هذه الأيام هي أزمة المقتدى بهم.. لقد ابتليت أمة الإسلام بأسماء لا مسميات لها، وبألقاب تفتقر إلى مضمون. لذا كثر المتكلمون وقل المؤثرون، ونمقت العبارات وشوهت الحقائق. وما أجمل ما نقله الماوردي عن علي بن أبي طالب حيث قال: "إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم، وكان يقال: "خير من القول فاعله! وخير من الصواب قائله! وخير من العلم حامله!". ثم تبعه مالك بن دينار، فأطلق صيحته المدوية قائلا: "إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا".


إن الحقيقة التي ينبغي أن يدركها حاملو الدعوة الإسلامية هي أنهم بمجرد التزامهم بالإسلام ومطالبتهم بتحكيمه واعتباره منهج حياة، بمجرد هذا الالتزام فإن الناس ينظرون إليهم نظرة دقيقة ويضعونهم تحت رقابة مجهرية. فرب عمل يقوم به المسلم الملتزم لا يلقي له بالا هو في حساب عامة الناس من الكبائر لأنهم يعدونه قدوة لهم. ومن ثم فإن حياة حامل الدعوة وسلوكه وطبيعة تصرفاته واهتماماته ليست ملكا له وحده، فهو ليس حرا يفعل ما يشاء، ويدع ما يشاء، بل ينبغي أن يزن كل حركة وكل سكنة، وأن يدرك تأثيرها على الناس؛ لذا قال أحد السلف: "كنا نخوض ونلعب فلما وجدنا أنه يقتدى بنا أمسكنا".


ودخل المروزي على الإمام أحمد بن حنبل فقال له: "يا أستاذ، قال الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} فقال الإمام أحمد: يا مروزي اخرج انظر أي شيء ترى؟ قال المروزي: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة فرأيت خلقا من الناس لا يحصي عددهم إلا الله، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعتهم. فقال لهم المروزي: أي شيء تعملون؟ قالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه، قال المروزي: مكانكم، فدخل إلى أحمد بن حنبل فقال له: رأيت قوما بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبونه.. فقال أحمد: يا مروزي أضل هؤلاء كلهم؟ أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء". إننا بحاجة إلى أمثال هؤلاء حاملي الدعوة المقتدى بهم؛ كي يقوموا بدور المرشد والموجه والمشجع لأفراد المجتمع؛ ليكونوا أعضاء صالحين في أنفسهم مصلحين لغيرهم، فتكون في الدولة الإسلامية نماذج مقتدى بهم في جميع النواحي التربوية والدعوية والإيمانية والاجتماعية وغيرها. بقي أن نقول: إن مسئولية إيجاد هؤلاء المقتدى بهم هي مسئولية مشتركة بين الدولة وأفراد الأمة في المجتمع ... فالدولة الإسلامية بما تمتلكه من وسائل إعلامية مختلفة ومناهج وكتب مدرسية، تستطيع العمل على تنمية المقتدى بهم وتطويرهم وتوجيههم وتحفيزهم والاهتمام بهم، وتوفير ما تحتاجه القدوة الصالحة من علم ومعرفة، هذا بالإضافة إلى توفير الأدوات والوسائل التي تعين هؤلاء المقتدى بهم كي يحافظوا على ورعهم وتقواهم وتقوية صلتهم بالله تعالى. وفي الجانب الآخر فإن أفراد الأمة في المجتمع الإسلامي، وحاملي الدعوة على وجه الخصوص، يتحملون جزءا كبيرا من المسئولية، فمن غير المقبول للمقتدي أن يبقى عاجزا لا هم له إلا فتح فمه ليلقم مستلزمات القدوة تلقيما، فإن ذلك من الصعوبة بمكان. ومن هنا كان لا بد للمقتدى بهم أو من يراد لهم أن يكونوا من المقتدى بهم أن يبادروا بأنفسهم، فيطوروا قدراتهم وينموا معارفهم ويعتنوا بإيمانهم وقلوبهم؛ ليكونوا من الذين يقتدى بهم بحق، وتذكروا قول الشاعر.


يا أيهـا الرجـل المعلـم غيـره هـلا لنفسك كان ذا التعليـم
تصف الدواء لـذي السقام وذي الضنى كيما يصح به وأنت سقيم
أتراك تصلـح بالرشـاد عقولـنا أبـدا وأنت من الرشـاد عقيـم
لا تنه عن خلـق وتأتـي مثلـه عـار عليك إذا فعلت عظيـم
ابـدأ بنفسك فانههـا عن غيـها فـإذا انتهت عنـه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتـدى بالعلـم منك وينفـع التعليـم


إن أصحاب الهمم العالية تأبى نفوسهم أن يكونوا هملا لا تأثير لهم، ولذا كان من دعاء المؤمنين: {واجعلنا للمتقين إماما}. (الفرقان74) يقول قتادة معلقا على هذه الآية: "أي قادة في الخير ودعاة هدى يؤتم بنا في الخير". ،إنه مضمار سباق! فرحم الله عبدا شمر فسابق فسبق، وجزى الله خيرا من قاد نفسه فألزمها سبيل الجد والاجتهاد، إذ لا مكان اليوم للضعفاء.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد أحمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.