تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الرابعة والخمسون
تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الرابعة والخمسون

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أيها المسلمون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية".

0:00 0:00
السرعة:
July 23, 2021

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الرابعة والخمسون


تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"
الحلقة الرابعة والخمسون


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.


أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو: "الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين" ومن صور رحمة الصحابة بعضهم ببعض، ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: "... فلما أن أصيب عمر، دخل صهيب يبكي، يقول: واأخاه واصاحباه".


وما رواه الترمذي وقال حسن صحيح، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، قال: قدم أنس بن مالك فأتيته، فقال: من أنت؟ فقلت أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، قال: فبكى وقال: إنك لشبيه بسعد.


وما رواه مسلم عن أنس قال: قال أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها. فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم. فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها". وروى سعيد بن منصور في سننه عن جنادة بن أبي أمية، أنه كان مع عمرو بن العاص بالإسكندرية فأمر الناس: لا تقاتلوا، فطار رعاع الناس فقاتلوا، فأبصرهم عمرو فقال: يا جنادة أدرك الناس، لا يقتل أحد منهم عاصيا، فلما أقبل جنادة أشرف له عمرو، ثم ناداه: أقتل أحد من الناس؟ قال: لا ، قال: الحمد لله أن لم يقتل منهم أحد عاصيا.


وهنا لا بد من بيان الحد الفاصل بين التراحم واللين والرأفة بالمسلمين، وبين الشدة والحزم معهم، والذي يبدو أن الرحمة والرأفة واللين لا مكان لها في تطبيق حكم شرعي، ولا فيما فيه ضرر على المسلمين، ولا بد هنا من الشدة والحزم في تطبيق الأحكام، وفي منع الضرر عن المسلمين.


وبيان ذلك: فيما يتعلق بتطبيق حكم شرعي: روى أحمد في سننه عن أبي هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اضربوه" فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان، ولكن قولوا رحمك الله". وفي الحديبية خالف رأيهم لأنه حكم شرعي والحديث معروف، ولم ينزل عند رأيهم رحمة بهم حتى لا يوقعهم في الحرج، أي بحجة رحمتهم واللين لهم والرأفة بهم كمخالفين لأمره.


وفي حديث عائشة رضي الله عنها المتفق عليه قالت: "إن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا، ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا، ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب ثم قال: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها". فلم يلن لقريش، ولم يرحم المخزومية بمنع الحد، وأنكر على أسامة شفاعته.


ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم راحما أحدا في تطبيق حكم شرعي لرحم الحسن عندما أخذ تمرة من تمر الصدقة، ففي حديث أبي هريرة المتفق عليه قال: "أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كخ كخ ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟!".


أما حزمه صلى الله عليه وسلم في دفع الضرر فواضح في حديث معاذ عند مسلم في غزوة تبوك قال: ثم قال: "إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي". فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء. قال: فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل مسستما من مائها شيئا". قالا: نعم. فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء. قال: وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر أو قال: غزير، حتى استقى الناس ثم قال: "يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا".


وفي حديث محمد بن يحيى بن حبان، عند ابن اسحق، في قصة بني المصطلق، وما فعله المنافقون قال: "... فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس حتى أمسوا، وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث ...".


وحديث سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم الذي صححه ابن كثير "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتحل قبل أن ينزل آخر النهار ...".


وأما حزم الصحابة، فأبرزه ما فعله أبو بكر رضي الله عنه في قتال المرتدين، وإنفاذ بعث أسامة مخالفا المسلمين جميعا، فنزلوا عند رأيه ونفذوا أمره ثم حمدوه. فإذا استثنينا تطبيق الأحكام، ومنها دفع الضرر، لأمكن القول: إن الذين يُرحمون هم من يصاب بمصيبة كالموت أو المرض أو فقد عزيز، والجاهل يرحم ويلان له الجانب ويعلَّم ويصبر عليه، وفي تطبيق المباح يختار أيسر الأمرين، ويرجح اللين على الشدة كفعله صلى الله عليه وسلم في حصار الطائف مع الجيش، كما مر آنفا في حديث ابن عمر عند البخاري، ولا بأس من إعادته للتذكير به. روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: "لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلم ينل منهم شيئا قال: إنا قافلون إن شاء الله فثقل عليهم وقالوا: نقفل أي نرجع ونذهب، ولا نفتحه فقال: اغدوا على القتال، فغدوا فأصابهم جراح فقال: إنا قافلون غدا إن شاء الله فأعجبهم، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم".


أجل أيها المسلمون هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما بأصحابه في مواقف الرحمة. حازما في مواقف الحزم! وهكذا كان أصحابه صلى الله عليه وسلم رحماء فيما بينهم! حازمين في مواقف الحزم! فكونوا مثلهم رحماء وحازمين، ليرضى عنكم رب العالمين، ويعزكم وينصركم كما نصر وأعز أسلافكم الأولين!


فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبـه بالكـرام فلاح


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد أحمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.