تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الثالثة والأربعون
تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الثالثة والأربعون

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

0:00 0:00
السرعة:
July 12, 2021

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الثالثة والأربعون

بسم الله الرحمن الرحيم

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

الحلقة الثالثة والأربعون

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو "ثبات حاملي الدعوة من شباب حزب التحرير اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام".

في تركيا سطر الشباب آية رائعة في الصبر على البلاء والمحن في سبيل الدعوة إلى الحق والهدى، نستعرضها لتكون حافزا لنا على دعوتنا، ولتكون ملحا في العيون التي تأبى أن ترى الحق، وتتعامى عن عطاء المخلصين! لقد قامت السلطات التركية بملاحقة أحد الشباب المسئولين في حزب التحرير، واستمرت الملاحقة أكثر من سبعة أشهر، كان يعلم طوال هذه المدة بأنه مراقب، وأنه سيعتقل قريبا، ولكنه زاد من نشاطه، وصار يواصل العمل طوال النهار، وجزءا كبيرا من الليل، رغبة منه في إنجاز أكبر قدر ممكن من أعمال الدعوة، وصار يحمس الشباب من حوله حماسا منقطع النظير، ويدعوهم إلى عدم الخوف إلا من الله سبحانه وتعالى! وحدث ما كان متوقعا، فقد انقض على هذا الشاب وهو يمشي في الشارع أكثر من خمسة عشر رجلا من رجال الأمن، فقاومهم قدر طاقته حتى تكاثروا عليه فغلبوه، وأوثقوه وعصبوا عينيه، وساقوه إلى مكتب التحقيق! وهناك تعرض لتعذيب شديد، قلما يتحمله بشر، وما ذلك إلا ليعرفوا منه أسماء الشباب الآخرين أو أية معلومات أخرى حول الحزب، لكنه رحمه الله حيا وميتا لم يقل لهم إلا ما يغيظهم، وكان كلما زادوا عليه شدة التعذيب، يزيد السخرية والاستهزاء بهم، حتى يئسوا من تعذيبه الذي كان يستمر ما يقارب الثماني عشرة ساعة في اليوم الواحد، دون أن يحصلوا منه على أية معلومة تفيدهم!

وبعد أيام من التعذيب والسجن الانفرادي جمعوه مع إخوانه في غرفة واحدة، وعلى الرغم من أن هذا المسئول كان منهكا إلا أنه التفت إلى الشباب، ودار بينهم حوار روحاني أود أن أذكر لكم مقتطفات منه: أيها الشباب: لقد قسم الله تعالى الناس في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام، فقرب منه عز وجل من وصفهم "بالسابقين" ووعدهم بجنات النعيم حيث قال: {والسابقون السابقون. أولئك المقربون. في جنات النعيم}. (الواقعة12). وذكر بأن هؤلاء عددهم قليل، حيث قال: {ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين}. (الواقعة14).

وهؤلاء القليلون هم الصفوة من جميع بني البشر، منذ أن خلق الله آدم إلى يومنا هذا، وكان جل صحابة حبيبنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، من هؤلاء الصفوة القليلين بإذن الله، حيث لاقوا عذابا شديدا، فصبروا، ولم يبق من هؤلاء الصفوة القليلين سوى أقلهم في أيامنا هذه. فكونوا أيها الشباب من هؤلاء أقل القليلين عددا من صفوة الناس، ولا ترضوا بأقل من ذلك! والسبيل إلى ذلك إنما يكون من خلال ثباتكم اليوم هنا أمام هؤلاء الأوغاد المحققين، وغدا أمام القضاة والحكام الذين باعوا ضمائرهم إن وجدت للشيطان! ولتعلموا أن هذا اليوم هو يومكم كي تفوزوا بهذا المقام عند الله! ألا ترون أن الله أكرمكم بأن وهبكم فرصة الانضمام لفئة السابقين؟! لينظر كل واحد منا إلى حياته التي يعيشها، هل تمر عليه فرصة مثل هذه الفرصة التي نعيشها الآن؟!

صبر على الأذى قليل، وبعده أجر عند الله عظيم! والله يا شباب، لنكونن من هؤلاء الصفوة الأخيار "السابقين" الذين وصفهم الله في سورة الواقعة، إن نحن ثبتنا على مبدئنا! والله يا إخوتي، إنني أحس بأن الله يحبنا فابتلانا، وأنه يريد أن يصطفي إليه الصابرين منا والثابتين على الحق!

أيها الشباب: اعرفوا قيمة الحزب الذي تعملون معه، فانظروا إلى الدنيا بأسرها، إنكم سوف تجدون أن الكفار قد طغى عليهم المبدأ الرأسمالي بكل وحشيته، والظلم قد استشرى في الأرض، نتيجة تطبيق هذا المبدأ العفن! والمسلمون منقسمون إلى فئتين:

فئة كبيرة منهم لا يعملون في الدعوة إلى الإسلام، وإن جلهم لا يدركون أن الديمقراطية والرأسمالية العفنتين هما سبب شقاء الناس، بل إن منهم من يدافعون عن الرأسمالية والديمقراطية على أنهما من الإسلام!

وفئة أخرى وهم القليلون نسبيا يعملون في حقل الدعوة إلى الإسلام، ثم انظروا إلى حزبكم هذا بين هؤلاء العاملين، واحمدوا ربكم أنكم تمتلكون التصور الأوضح لحقيقة الإسلام، ولواقع الدولة الإسلامية، بل لواقع الطريقة الصحيحة لكيفية حمل الدعوة! أليس هذا وحده نعمة من الله منها علينا؟ فلا تجحدوا هذه النعمة، ولا تهنوا أمام هؤلاء الأوغاد، بل حاولوا أن تجعلوهم يحترمونكم، ويحترمون حزبكم! ولأجل هذا ما عليكم سوى التمسك بكونكم أعضاء في هذا الحزب العظيم، وأن تدعوهم هم أنفسهم للعمل مع هذا الحزب، أي اغلبوهم وانتصروا عليهم، ولا تدعوهم ينالون من دينكم أو من حزبكم، فأنتم قليلون، وصفوة الله قليلون!

أيها الشباب: لا أبالغ إن قلت بأنه قد يكون قليلا علينا إن نحن ضحينا بأرواحنا التي بين جوانبنا في سبيل هذه الدعوة، وفي سبيل أن نكون من الصفوة الأخيار، الذين رضي الله عنهم، فنحن الآن لا نملك ما نضحي به سوى هذه الروح، فغيظوا هؤلاء الظالمين، يرحمكم الله!

وقد يتراءى لكم أن عدد الكفار كبير، وأن هؤلاء الزبانية وهم أعوان الظالمين أقوى منكم، ولكن لا تنسوا أبدا أننا نملك عقيدة هي وحدها العقيدة الصحيحة في الكون!

بموجب هذا فإننا نؤمن بأن لنا ربا ناظرا إلينا الآن، في كل آن، ونحن نعتقد بأنه هو القادر على كل شيء، ونعتقد بشكل جازم أنه هو الذي اختار لنا هذا الطريق، وبعلمه وبرضاه سبحانه دخلنا هذا المكان! أفلا ترضون ما رضيه واختاره لكم ربكم؟! فنحن نملك عقيدة قوية مبنية على الإيمان بالله، والله أقوى منهم جميعا! وهو الذي يعلم حالنا فنحن بهذا الإيمان أقوى منهم جميعا! وإلا فما هي قيمة الحياة لولا هذا الإيمان؟! فاثبتوا يرحمكم الله!

أجل أيها المسلمون هكذا كان موقف حاملي الدعوة من شباب حزب التحرير، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام! لم يكتفوا بالثبات على الحق أثناء حمل الدعوة، بل يطمحون إلى أن يكونوا ثابتين أيضا أمام الكفار في ساحات القتال، وفي ميادين الجهاد في سبيل الله! وقد صدق فيهم قول الشاعر:

قف دون رأيك في الحياة مجاهدا        إنما الحيـاة عقيـدة وجهـاد

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد احمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.