تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الثامنة والتسعون
تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الثامنة والتسعون

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أيها المسلمون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية".

0:00 0:00
السرعة:
September 05, 2021

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الثامنة والتسعون


تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"
الحلقة الثامنة والتسعون


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.


أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق:


ثلاثون: ومن الأخلاق الذميمة الكبر والعجب: أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس". ومعنى بطر الحق دفعه ورده على قائله، وغمط الناس ازدراؤهم واحتقارهم. وقيل في معنى الكبر: إنه المخيلة، وقيل: العظمة، وقيل: رفع النفس فوق الاستحقاق، وقيل: أن يعجب المرء بنفسه بحيث يراها أكبر من غيرها. ومحل الكبر القلب بدليل قوله تعالى: {إن في صدورهم إلا كبر}. (غافر 56) وقوله صلى الله عليه وسلم السابق: "من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".


أما العجب فهو نظر المرء إلى نفسه بعين الاستحسان، بحيث يتصور أنه في رتبة وهو ليس أهلا لها. والفرق بينه وبين الكبر أن العجب لا يتعدى صاحبه إلى غيره، فيعجب وهو بين الناس ويعجب خاليا. بخلاف الكبر، فإنه يكون تكبرا على الناس وخيلاء ودفعا للحق ورده وتعظما على الناس.. والكبر والعجب كلاهما حرام، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة. أما من الكتاب فقوله تعالى: {ثاني عطفه}. قال مجاهد في تفسيره: "عطفه: رقبته. وثاني عطفه أي أنه مستكبر في نفسه.


وأما من السنة فما رواه البخاري ومسلم في باب الكبر عن الحارثة بن وهب الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جواظ مستكبر". رواه مسلم في الصحيح، والبخاري في الأدب المفرد كلاهما عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار". وروى الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه وابن ماجة والحاكم في المستدرك وصححه عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من مات وهو بريء من ثلاث من الكبر والغلول والدين دخل الجنة". وروى البخاري في الأدب المفرد، والترمذي وقال حسن صحيح، وأحمد والحميدي في مسنديهما، وابن المبارك في الزهد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن من جهنم يسمى: بولس، تعلوهم نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال". وروى البخاري في الأدب المفرد والحاكم في المستدرك وصححه، وأحمد بإسناد قال عنه الهيثمي: رجاله رجال الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تعظم في نفسه، أو اختال في مشيته، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان". وروى البزار بإسناد جيد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه: العجب". وروى ابن حبان في روضة العقلاء وأحمد والبزار، وقال المنذري: رواتهما محتج بهما في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته، وقال: انتعش نعشك الله، فهو في نفسه صغير وفي أنفس الناس كبير، وإن العبد إذا تعظم وعدا طوره وهصه الله إلى الأرض، وقال: اخسأ خسأك الله، فهو في نفسه كبير وفي أنفس الناس صغير". وروى الماوردي في أدب الدنيا والدين عن الأحنف بن قيس قال: "عجبت لمن جرى مجرى البول مرتين كيف يتكبر!!". وروى النووي في المجموع عن الشافعي أنه قال: "من سام بنفسه فوق ما يساوي، رده الله إلى قيمته". وقال: "أرفع الناس قدرا من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلا من لا يرى فضله". وحدث وكيع قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إن أخوف ما أتخوف عليكم شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء برأيه، وهي أشدهن".


وانظروا إلى تواضع وورع الأمير المؤسس الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله! لما سمعت بريطانيا بالشيخ وعرفت أنه يريد تأسيس حزب إسلامي يدعو إلى إقامة الخلافة فأرسلت إليه رجلا من السفارة البريطانية في ولاية الأردن يعرض عليه مساعدة مالية لجس نبض هذا الشيخ وهذا الحزب الجديد لعلها تخترقه وتجند مؤسسه لخدمتها، فأخرج الشيخ تقي الدين النبهاني من درج مكتبه حبة من نبات البندورة، ورغيف خبز، وقال للرجل: قل لبريطانيا: هذه تكفيني!


فإذا التزم المسلم بهذه الأخلاق الفاضلة، باعتبارها أحكاما شرعية واجبة الاتباع طاعة لله: امتثالا لأوامره، واجتنابا لنواهيه، فإنه يسمو ويرقى في المرتقى السامي من علي إلى أعلى، ومن شاهق إلى شاهق.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد أحمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.