تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الثانية والسبعون
تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الثانية والسبعون

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. ...

0:00 0:00
السرعة:
February 09, 2020

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الثانية والسبعون

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

الحلقة الثانية والسبعون

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية, مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية, نقول وبالله التوفيق: عنوان حلقتنا لهذا اليوم هو: "أحاسنكم أخلاقا" وقد سبق الحديث عن أحد عشر من الأخلاق الحسنة:

ثاني عشر: الأمانة: قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}. (النساء58) وعن حذيفة رضي الله عنه قال: "جاء أهل نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث لنا رجلا أمينا، فقال: "لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين، فاستشرف له الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجراح" متفق عليه. وعن أبي ذر رضي الله عنه: "قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني، قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها" رواه مسلم.

وروى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان قال: "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما, وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال, ثم علموا من القرآن, ثم علموا من السنة, وحدثنا عن رفعها قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه, فيظل أثرها مثل أثر الوكت, ثم ينام النومة فتقبض, فيبقى أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك, فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء, فيصبح الناس يتبايعون, فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا, ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت, لئن كان مسلما رده الإسلام, وإن كان نصرانيا رده علي ساعيه, فأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا". قال الأصمعي، وأبو عمرو الجاحظ وغيرهما: جذر قلوب الرجال: الجذر الأصل من كل شيء. والوكت: أثر الشيء اليسير منه. والمجل: أثر العمل في الكف إذا غلظ, أو هو تقرح الجلد, وتكون ماء بين الجلد واللحم وظهور ما يشبه البثور.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن حوله من أمته: "اكفلوا لي بست أكفل لكم الجنة، قلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: الصلاة، والزكاة، والأمانة، والفرج، والبطن، واللسان" رواه الطبراني وقال المنذري: إسناده لا بأس به، وحسنه الهيثمي.

وروى الطبراني في المعجم الكبير عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكفلوا لي بست أكفل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا اؤتمن فلا يخن، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيديكم".

وقد بين الله تعالى في سورة الأحزاب عظم الأمانة التي عجزت عن حملها السماوات والأرض وحملها الإنسان الذي كان يجهل ثقل حملها: فقال جل من قائل: {ومن يطع الله ور‌سوله فقد فاز فوزا عظيما. إنا عر‌ضنا الأمانة على السماوات والأر‌ض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ? إنه كان ظلوما جهولا. ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشر‌كين والمشر‌كات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ? وكان الله غفور‌ا ر‌حيما}. (الأحزاب 71- 73)

فمن خلال تلاوتنا للآيات السابقة, نلحظ ملحوظة دقيقة في غاية الدقة, وفي غاية الأهمية في آن واحد, ينبغي أن ننبه إليها لأنها تلقي الضوء على معنى الأمانة الذي كثر خوض المفسرين فيه, وهي أن آية الأمانة سبقتها آية تبين فوز من أطاع الله ورسوله, وهي قوله تعالى: {ومن يطع الله ور‌سوله فقد فاز فوزا عظيما}. (الأحزاب71) ثم جاءت الآية التي ذكرت فيها الأمانة وهي قوله تعالى: {إنا عر‌ضنا الأمانة على السماوات والأر‌ض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ? إنه كان ظلوما جهولا}. (الأحزاب72) وتلتها آية تبين أن العذاب مصير من عصى الله ورسوله, وهي قوله تعالى: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشر‌كين والمشر‌كات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ? وكان الله غفور‌ا ر‌حيما}. (الأحزاب73) مما يجعلنا نرجح أن معنى الأمانة في الآية الكريمة هو الطاعة والانقياد لأوامر الله ونواهيه, أي الالتزام بالتكاليف الشرعية.

فالأمانة هي التكاليف الشرعية، وقيل: طاعتها أي طاعة التكاليف الشرعية، فهي تشمل كل الأوامر والنواهي، فالخليفة مؤتمن، وكذلك الوالي، والعامل، والقاضي، وعضو مجلس الشورى، وأمير الجيش، والسفير، والمصلي، والصائم، والحاج، والمزكي، وحامل الدعوة، ومعلم الناس الخير، وطالب العلم، والمفتي، ومتولي الوقف، وصاحب بيت المال، والبائع، والخارص، والعامل على الصدقات، والذي يمسح الأرض الخراجية، والمجتهد، والمحدث، والمؤرخ، وصاحب السـير، والعامل على الغنائم، ومدير دائرة الصناعة، ووزير التفويض، ووزير التنفيذ، والمترجم، ومعلم الصبيان في الكتاب، والرجل على أهل بيته، والمرأة في بيت زوجها، والطبيب والقابلة، والصيدلي، والمرضعة، والشريك، والأجير، ومدير دار الخلافة، ومن تحت يده من المدراء، كمدير المشتريات، ومدير بيت الضيافة، ومدير الكراج، ومدير المطبخ، ومدير قسم الصيانة، والمحامي، والرجل يفضي إلى زوجته، وصاحب السر، والإعلامي، ولاقط الأخبار، والصحفي الذي يسمع أخبار الناس بحكم عمله في التلفون والإنترنت، وغيرهم وهكذا، فالأمانة شأنها عظيم ومجالها واسع، ولا تخلو ذمة مكلف من شيء منها، قل أو كثر، كبر أو صغر.

فإذا التزم المسلم بالأخلاق الفاضلة, باعتبارها أحكاما شرعية واجبة الاتباع طاعة لله: امتثالا لأوامره, واجتنابا لنواهيه, فإنه يسمو ويرقى في المرتقى السامي من علي إلى أعلى, ومن شاهق إلى شاهق, ولله در الناظم حيث قال:

صف ذا ثنا كم  جاد شخص قد سما

                                      دم طـيبا زد في تـقى ضع ظـالما

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد أحمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.