تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" إعداد الأستاذ محمد احمد النادي الحلقة الثالثة والعشرون
تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" إعداد الأستاذ محمد احمد النادي الحلقة الثالثة والعشرون

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. ...

0:00 0:00
السرعة:
June 22, 2021

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" إعداد الأستاذ محمد احمد النادي الحلقة الثالثة والعشرون

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد احمد النادي

الحلقة الثالثة والعشرون

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق:

عرضنا على عليكم في الحلقتين السابقتين أنموذجين للشخصية الإسلامية، وفي هذه الحلقة والتي تليها سأعرض عليكم أنموذجا ثالثا للشخصية الإسلامية، عشت معها عن قرب، وتعلمت منها الكثير!

تلكم هي شخصية أخي وصديقي، وحبيبي ورفيق دربي في الدعوة منذ أكثر من عشر سنين، الذي كان يرافقني كظلي، وكنت أرافقه مثل ظله، لدرجة أن أحد الشباب أطلق علينا نحن الاثنان وصف "التوأم"!

وقد فارق أخي وصديقي الحياة منذ أيام قليلة، فهدني الحزن على فراقه! وأحسست أنني بفراقه فقدت كل شيء في حياتي. بل فقدت شطرا من نفسي! وساورني إحساس غريب وشعرت بأنني أعيش وحيدا، ولسان حالي يقول كما قال الشاعر والصحابي الجليل عمرو بن معد يكرب الزبيدي رضي الله عنه: ذهـب الذيـن أحبهم      وبقيت مثل السيف فردا.

لقد كان صديقي رحمه الله تعالى من أحب أصدقائي إلي لما جمعه من الخلال الحميدة، والسجايا والفضائل الكثيرة، فقد كان رحمه الله مثالا للصديق الوفي، حريصا على الدعوة، يعطيها جل وقته، يمضي معظم نهاره ماشيا على أقدامه، يطوف على الناس في أماكن عملهم، يزودهم بما يصدر عن الحزب، ويجلس مع من يتيسر له الجلوس معهم، يناقشهم بأفكار الحزب، ويجيب عن استفساراتهم، ويصبر على أذاهم، وكان يزور جميع الناس على اختلاف أعمالهم وثقافاتهم، فكان يزور التجار والأطباء والمحامين والمهندسين، وكان رحمه الله قوي الحجة، صادق اللهجة، طيب النية، حسن العشرة أخا لصاحبه، دقيقا في مواعيده، يطوف على المكتبات، يتابع كل جديد، ويحسن اختيار وانتقاء الكتب، ويرشد أصدقاءه وإخوانه من حاملي الدعوة إلى النافع والمفيد منها.     

أيها المسلمون:

حمل أخي وصديقي، وحبيبي ورفيق دربي الدعوة بقوة، في مطلع الستينات من القرن الماضي، كان أخي وصديقي يصدع بالحق، ولا يخشى في الله لومة لائم، وقد تعرض للملاحقات والاعتقال منذ بدابة حمله للدعوة مرات عديدة، فصبر واحتسب، ولم يـثنه ذلك عن حمل الدعوة، بل ازداد عزيمة وإصرارا على حملها، والتمسك بها. وضرب أروع الأمثلة في الصبر والثبات على حمل الدعوة!

سأذكر لكم جانبا من الحوار الذي دار بين صديقي والمحقق في دائرة المخابرات العامة. قال المحقق: ما قصتك مع حزب التحرير؟ قال صديقي: أقول لك كلاما من آخر ما يمكن أن يقال، فلا تتعب نفسك، وتتـعبني معك. إن الأمر في غاية البساطة أيها المحقق. كنت في ريعان شبابي أحمل الفكر الشيوعي، فلقيني شاب من شباب حزب التحرير، وأقنعني بفكره فصرت واحدا منهم! فأنا الآن عضو من أعضاء حزب التحرير، فإذا أردت مني أن أحارب حزب التحرير؛ فأقنعني أيها المحقق أن حزب التحرير على خطأ، حتى أخرج لأحارب هذا الحزب!

قال المحقق: لماذا لا تريح نفسك، وتريحنا من متابعتك ومطاردتك؟ قال صديقي: إن إيماني بأفكار حزب التحرير أيها المحقق كإيمان العجائز. هل تعرف كيف يكون إيمان العجائز ثابتا، وعصيا على التغيير، مهما يبذل من محاولات؟ إن حزب التحرير قد صار في دمي أيها المحقق، فلا تحاول إقناعي بتركه، فأنا لا، ولم، ولن أترك حمل الدعوة مع حزب التحرير ما حييت! ولن أستنكره! ولن أدلي بأية معلومة قد تضر به.

وأضاف صديقي قائلا: إن قيادة الحزب قيادة مخلصة، وواعية، وحكيمة! وأنا كنت، وما زلت، وسأبقى عضوا في حزب التحرير؛ لأنني أثق بقيادته تمام الوثوق، وإن قيادات الأنظمة القائمة حاليا في بلاد المسلمين هي قيادات خائنة، وعميلة، ومتآمرة! قال المحقق: هل أولادك في حزب التحرير؟ قال صديقي: إنني أتمنى أن يكون كل الناس في حزب التحرير! وليس أولادي فحسب. قال المحقق: أرأيت كيف أن بيتك خرب؟ فأصلح بيتك وأبناءك قبل أن تصلح بيوت الناس وأبناءهم!

أيها المسلمون:

ما رأيكم بشخصية صديقي؟ كيف وجدتم عقليته؟ وكيف وجدتم نفسيته؟ ترى هل عرفتموه؟ فلم أصرح باسمه بعد؛ كي أثير عنصر التشويق لديكم، إنني مهما تكلمت عن صديقي هذا فلن أفيه حقه، وقد كتبت هذه الحلقة، والحلقة التي تليها، وفاء ببعض حقه، واعترافا مني بفضله، رحمه الله رحمة واسعة، وجمعنا وإياه في الفردوس الأعلى من جنات النعيم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

إخوتي الكرام:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.