تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي الحلقة الثانية والعشرون
تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي الحلقة الثانية والعشرون

أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. ...

0:00 0:00
السرعة:
June 21, 2021

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي الحلقة الثانية والعشرون

بسم الله الرحمن الرحيم

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الثانية والعشرون

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:

أحبتنا الكرام:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية, مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية, نقول وبالله التوفيق:

قلنا في الحلقة السابقة: إن الأمة الإسلامية التي أنجبت أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وخالدا وأبا عبيدة والقعقاع وصلاح الدين وغيرهم من قادة الفتح العظماء الذين سطروا التاريخ المجيد لهذه الأمة, لا زالت بحمد الله قادرة على إن تنجب قادة عظماء أمثالهم! وقدمنا لكم أنموذجا واحدا من هذه الشخصيات, وفي هذه الحلقة نقدم لكم أنموذجا آخر!

أيها المسلمون:

في الثمانينات من القرن الماضي كان الملك حسين ملك الأردن قد فتح باب التطوع للقتال مع الجيش العراقي في حربه مع إيران, فما كان من حزب التحرير إلا أن أصدر نشرة عنوانها: "التطوع للعراق حرام شرعا" وجاءت التعليمات من قيادة الحزب أن توزع هذه النشرة توزيعا كفاحيا, أي بشكل علني في الأماكن المزدحمة, وفي رابعة النهار, وبادر شباب الحزب إلى تنفيذ التعليمات على الوجه المطلوب, فقامت أجهزة المخابرات في ولاية الأردن باعتقال عدد منهم. وكنت أيامها شابا في الثلاثين من عمري وحديث عهد بالدعوة, فالتقيت بهم في السجن أثناء فترة اعتقالي, وتعرفت إليهم, وتعلمت من مواقفهم الكثير من الدروس والعبر, وكان من بين هؤلاء المعتقلين رجل في الخامسة والخمسين من عمره, يعاني من خمسة أمراض هي: الضغط, والسكري, والقرحة المعدية, والنقرص, والتهاب الحلق المزمن.

قال المحقق: كي تخرج من عندنا لا بد من أن تفعل أمرين اثنين: الأول: أن تعطينا معلومات كاملة عن الحزب وكيفية انضمامك إليه, والثاني:أن تعلن استنكارك وبراءتك من هذا الحزب المحظور وغير المشروع. قال أبو جابر: إنكم أنتم أيها العاملون في أجهزة المخابرات جبناء, وسأثبت لكم بالدليل القاطع أنكم جبناء.

قال المحقق: - مستهزئا - لقد صرت فيلسوف زمانك! قال أبو جابر: أنا لست فيلسوفا, وإنما أنا حامل دعوة, أدعو لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة, التي ستقوم قريبا إن شاء الله تعالى. قال المحقق: ما الذي يجعلك واثقا إلى هذا الحد؟ قال أبو جابر: الخلافة وعد الله, وبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد, ورسوله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى, بل هو وحي يوحى. قال المحقق: ما شأنكم أنتم والخلافة الراشدة هذه؟ لماذا لا تستريحون, وتدعوننا نستريح؟

قال أبو جابر: إقامة الخلافة فرض أوجبه الله, والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة, وأراد أبو جابر أن يسترسل في حديثه, إلا أن المحقق قاطعه. قال المحقق: أين تظن نفسك؟ هل تريد إعطائي حلقة من حلقات الحزب؟

أيها المسلمون:

وهنا تذكر أبو جابر قول الله جل في علاه: {يا صاحبي السجن أأر‌باب متفر‌قون خير‌ أم الله الواحد القهار‌}. فقال: أيها المحقق: من أفضل في نظرك أربع وخمسون دويلة هزيلة ليس لها أي وزن في الموقف الدولي, أم دولة الخلافة الواحدة القوية التي تستمد قوتها من ربها الواحد القوي, وتكون هي الدولة الأولى في العالم؟! قال المحقق: دعنا من كلامك, وأجب عن الأسئلة الموجهة إليك. قال أبو جابر: قلت إنكم جبناء, وسأثبت لكم أنكم جبناء! قال المحقق: عدنا إلى الفلسفة مرة أخرى! قال أبو جابر: قلت لك إني لست فيلسوفا ولا دخل لي بالفلسفة!

قال المحقق: هيا أيها الفصيح هات ما عندك! قال أبو جابر: عندما يضعف شاب من شباب الحزب حديث العهد بالدعوة, فيعطيكم المعلومات التي تريدونها, ويعلن براءته واستنكاره من الحزب, فإنكم سرعان ما توافقون على نشر إعلانه في الصحف الرسمية للدولة. فإن لم تكونوا جبناء, وكانت عندكم الجرأة والشجاعة فائتوني بورقة وقلم لأنني أريد أن أعلن الآن براءتي واستنكاري, وأريدكم أن توافقوا على نشرها حرفيا بالنص الذي أكتبه لكم, فإن فعلتم ذلك فأنتم شجعان, وإلا فأنتم جبناء كما قلت لكم, وبعدها إن لم تعجبكم براءتي واستنكاري قوموا بإعدامي واشنقوني من هنا, وأشار بيده إلى حلقه! قال المحقق: هاك الورقة والقلم لنرى ما ستكتب!

أيها المسلمون:

ويأخذ أبو جابر الورقة والقلم ويكتب:

"بسم الله الرحمن الرحيم أنا المدعو محمود جابر والملقب بأبي جابر, عضو من أعضاء حزب التحرير, أعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة, أعلن استنكاري وبراءتي من تعطيل شرع الله, والحكم بغير ما أنزل الله, وأعلن استنكاري وبراءتي من كل ما يغضب الله تعالى كالبنوك الربوية, والخمارات المفتوحة بترخيص من قبل الدولة, وأعلن استنكاري وبراءتي من الجسور المفتوحة مع يهود, ومن الجلوس معهم على طاولة الصلح والمفاوضات, وأعلن استنكاري وبراءتي ممن يحاربون حملة الدعوة, ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخر‌ة كافر‌ون, أعلن استنكاري وبراءتي من كل ذلك, وأعلن ولائي لله رب العالمين, ولرسوله ولكتابه, ولجماعة المؤمنين".

فهل توافقون على نشر هذه البراءة, وهذا الاستنكار؟

قال المحقق: احتفظ بأفكارك لنفسك! فنحن لا نسمح بنشر مثل هذه الأفكار. قال أبو جابر: أرأيتم كيف أنكم جبناء, تخافون من مجرد الكلام! قال المحقق: - مهددا - قل كلاما على قدرك ومستواك! هل أنت على قدر ومستوى هذا الكلام الذي تقوله, وتتلفظ به؟

قال أبو جابر: أجل, أنا أتحمل مسئولية كل حرف أتلفظ به!

قال المحقق: لنرى ذلك! وأوعز للعسكر أن يذهبوا بأبي جابر إلى ساحة التعذيب, وقام الجلاوزة والجلادون بتعذيبه تعذيبا شديدا مؤلما, وهو يتلو تحت سياطهم قول الله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحر‌يق}. وظل هذا الشيخ الجليل صابرا على هذا التعذيب المؤلم, دون أن ينالوا منه معلومة واحدة تضر بأي عضو من أعضاء الحزب, إلى أن انتهى به المقام في السجن بضع سنين! فما رأيكم أيها المؤمنون بهذه الشخصية, وهذا الأنموذج, وهذا البناء للعقلية, والنفسية؟ ألا يشبه شخصيات الصحابة رضي الله عنهم؟

أحبتنا الكرام:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.