تأملات قرآنية (22) المستقيمون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
تأملات قرآنية (22) المستقيمون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

إخواننا الكرام, أخواتنا الكريمات: أيها المؤمنون والمؤمنات: الصائمون والصائمات: مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير: نحييكم بأطيب تحية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله القائل في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)

0:00 0:00
السرعة:
May 14, 2020

تأملات قرآنية (22) المستقيمون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

تأملات قرآنية (22)
المستقيمون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون


إخواننا الكرام, أخواتنا الكريمات:


أيها المؤمنون والمؤمنات: الصائمون والصائمات:


مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:


نحييكم بأطيب تحية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله القائل في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) والصلاة والسلام على رسول الله القائل: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين". ثم أما بعد: فتعالوا معنا أحبتنا الكرام, وهلم بنا نحن وإياكم نتجه إلى مائدة القرآن الكريم نتأمل ونتدبر آياته جل وعلا عسى أن ينفعنا ويرفعنا بما فيه من الذكر الحكيم إلى أعلى الدرجات في جنات النعيم, إنه ولي ذلك والقادر عليه. ومع الآيتين الثالثة عشرة, والرابعة عشرة من سورة الأحقاف. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١٣﴾ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿الأحقاف ١٤﴾.


قال نخبة من المفسرين: "إن الذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا على الإيمان به، فلا خوف عليهم من فزع يوم القيامة وأهواله، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم بعد مماتهم من حظوظ الدنيا".


معاشر المؤمنين والمؤمنات:


يصلي المسلم طاعة لله تعالى خمس صلوات في اليوم والليلة, عدد ركعات الصلوات المفروضة سبع عشرة ركعة, وعدد ركعات الصلوات المسنونة عشر ركعات, يقرأ في كل ركعة سورة الفاتحة, ويدعو في كل قراءة بدعاء: (اهدنا الصراط المستقيم) يكرر هذا الدعاء في اليوم والليلة سبعاً وعشرين مرة على أقل تقدير.


تعالوا بنا كي نتعلم المعاني العظيمة التي اشتملت عليها سورة الفاتحة التي هي أم الكتاب, ونعلم ما هو الصراط المستقيم الذي نطلب من الله تعالى أن يهدينا إليه. هذا التفسير الرائع لسورة الفاتحة نقلته لكم - بتصرف - عن أحد علماء المغرب الجهابذة ويدعى فضيلة الشيخ سيدي بلقاضي جزاه الله عنا وعنكم وعن أمة الإسلام خير الجزاء ... آمين!


يقول شيخنا الفاضل: الفاتحة فيها مناجاة الله عز وجل حينما ترفعون أيديكم وتكبرون تكبيرة الإحرام فاعلموا بأنكم تناجون الله تبارك وتعالى من دون وساطة, وأن أي آية تقرؤونها من الفاتحة فإن الحق عز وجل يجيبكم عنها مباشرة!


• (الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ). فيها الثناء على الله عز وجل.


• (الرَّحمَنِ الرَّحِيم). فيها الدعوة إلى الرحمة ما بين العباد: الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. ارحموا ترحموا. من لا يَرحم لا يُرحم.


• (مَالِكِ يَومِ الدِّينِ). فيها الوعد والوعيد, الوعد بالجنة ونعيمها للمؤمنين المحسنين, والوعيد بجهنم وعذابها للكافرين المسيئين.


• (إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ). فيها الدعوة إلى العبودية لله وحده لا شريك له, إذا صليتم فاجعلوا صلاتكم خالصة لله, وإذا صمتم, فاجعل صيامكم لله, وإذا قمتم بأي عمل فاجعلوه لوجه الله, وإذا استعنتم فاستعينوا بالله وحده لا شريك له.


• (اهدنا الصِّرَاطَ الـمُستَقِيمَ). فيها الدعوة إلى الاستقامة. لقد خط الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً, فقال: "هذا سبيل الله", وخط خطوطاً عن يمين الخط, وخطوطاً عن يسار الخط فقال: "هذه سبل, على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" وقرأ قول الله عز وجل: (وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ).


• (صِّرَاطَ الذين أنعمت عليهم). فيها الدعوة إلى الاقتداء بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.


• (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). فيها الدعوة إلى البعد عن الضالين من النصارى, والبعد عن المغضوب عليهم من يهود, ابتعدوا عنهم حتى لا يجروكم إلى الهاوية, ويخرجوكم عن الطريق المستقيم.


• (إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ) (اهدنا الصِّرَاطَ الـمُستَقِيمَ) هاتان الآيتان فيها الدعوة إلى الوحدة ما بين المؤمنين, فالقارئ حين يقرأ الفاتحة في الصلاة بصيغة الجمع مع أن القارئ مفرد, ما السرُّ في هذا؟ إذن اعلموا أيها الأخوة الكرام والأخوات الكريمات أنكم حينما تقرءون الفاتحة في صلواتكم فإنكم تدعون لأنفسكم ولجماعة المؤمنين معاً.


• وإذا رجعنا أيها الإخوة الكرام إلى الفاتحة وتفحصناها نجد أن الله تبارك وتعالى ذكر فيها خمسة من أسمائه سبحانه: (الله, الرب, الرحمن, الرحيم, مالك يوم الدين). كأن الله يقول لكم: خلقتكم أيها الناس؛ فأنا الله. وربيتكم بوجوه النعم؛ فأنا الرب. وعصيتم أيها الناس فسترتكم؛ فأنا الرحمن. وتبتم أيها الناس وغفرت لكم؛ فأنا الرحيم. ولا بد من إيصال الجزاء إليكم؛ فأنا مالك يوم الدين. لا بد من إيصال الجزاء إليكم إن خيراً فخير, وإن شرا فشر. فأنا مالك يوم الدين. ازرعوا ما شئتم فأنت حاصدوه, واختاروا لأنفسكم ما أنتم حاصدوه.


• روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين, ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: مالك يوم الدين. قال: مجدني عبدي. وقال مرة: فوض إلي عبدي. وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل".


• وكما أخبر الله تعالى في الحديث القدسي السابق: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين". فإن الفاتحة فيها عشرة أشياء: خمسة من صفات الربوبية: (الله, الرب, الرحمن, الرحيم, مالك يوم الدين). وخمسة من أحوال العبد: (العبادة, الاستعانة, الهداية, الاستقامة, الافتقار إلى المنعم الكريم, وهو الله تعالى). كأنكم تقولون حين تقرؤون الفاتحة: إياك نعبد لأنك أنت الله! وارزقنا الاستعانة؛ لأنك أنت الرب! وارزقنا الهداية؛ لأنك أنت الرحمن! وارزقنا الاستقامة؛ لأنك أنت الرحيم! وأفض علينا يا رب سجال نعمك وكرمك وعفوك؛ لأنك مالك يوم الدين!
معاشر المؤمنين والمؤمنات:


لقد عرفنا ما هو الصراط المستقيم, فمن هم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ تعالوا بنا نتعرف إليهم بتتبع ذكرهم كما ورد في بعض آيات القرآن الكريم, وهذه صفاتهم:


1. من اتبع هدى الله. قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿البقرة: ٣٨﴾
2. من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿البقرة: ٦٢﴾
3. من أسلم وجهه لله وهو محسن. قال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿البقرة: ١١٢﴾.
4. الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿البقرة: ٢٦٢﴾
5. الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿البقرة: ٢٧٤﴾
6. الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿البقرة: ٢٧٧﴾
7. الذين قتلوا في سبيل الله. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿١٦٩﴾ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿آل عمران: ١٧٠﴾
8. الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿المائدة: ٦٩﴾
9. من آمن وأصلح. قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿الأنعام: ٤٨﴾
10. من اتقى وأصلح. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿الأعراف: ٣٥﴾


معاشر المؤمنين والمؤمنات: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة:


اللهم اجعل شهر القرآن الكريم هذا, شهر عز ونصر وتمكين للإسلام والمسلمين بقيام دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة, واجعلنا اللهمَّ ممَّن يتدبرون آياتك, فيأتمرون بأمرك, وينتهون عن نهيك: يستمعون القول فيتبعون أحسنه, ويقدرونك حق قدرك, ترضى عنهم, ويرضون عنك, واجعلنا اللهم ممن تقبلت منهم الصلاة والصيام, والدعاء والسجود والقيام, ومن عتقائك في هذا الشهر الكريم من النار, وأدخلنا الجنة مع الأبرار, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.