تأملات قرآنية (30) الجنة مأوى من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى
تأملات قرآنية (30) الجنة مأوى من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى

  إخواننا الكرام, أخواتنا الكريمات:أيها المؤمنون والمؤمنات: الصائمون والصائمات:مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير: نحييكم بأطيب تحية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله القائل في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)

0:00 0:00
السرعة:
May 22, 2020

تأملات قرآنية (30) الجنة مأوى من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى

تأملات قرآنية (30)
الجنة مأوى من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى


إخواننا الكرام, أخواتنا الكريمات:
أيها المؤمنون والمؤمنات: الصائمون والصائمات:
مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:


نحييكم بأطيب تحية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله القائل في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) والصلاة والسلام على رسول الله القائل: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين». ثم أما بعد:

فَتَعَالَوا معنا أحبتنا الكرام, وهلم بنا نحن وإياكم نتجه إلى مائدة القرآن الكريم نتأمل ونتدبر آياته جل وعلا عسى أن ينفعنا ويرفعنا بما فيه من الذكر الحكيم إلى أعلى الدرجات في جنات النعيم, إنه ولي ذلك والقادر عليه. ومع الآيتين: الأربعين والواحدة والأربعين من سورة النازعات. يقول الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ). (النازعات ٤١)


قال نخبة من المفسرين في تفسيرهم الميسر: "وأمَّا مَنْ خاف القيام بين يدي الله للحساب، ونهى النفس عن الأهواء الفاسدة، فإن الجنة هي مسكنه".


معاشر المؤمنين والمؤمنات:


كلمة الهوى وردت في القرآن والسنة على سبيل الذم، النهي عن اتباع الهوى سواء أكان هوى الشخص نفسه أو هوى الآخرين, فيتَّبعَ المرءُ هوى نفسهِ أو يتَّبعَ أهواء الآخرين، والهوى كلمة تعني ما تميل إليه النفس وتشتهيه مما يتعلق برغباتها الحسية ولذائذها الجسدية ومتعها المادية من ناحية, أو مما يَلبِسُ عليها, ويُزَيَّنُ لها من المعتقدات والأفكار والشبهات من ناحية أخرى، فالهوى يشمل الأمرين: الشهوات والشبهات، يعني يشمل الجانب العقلي الذي يفسد التفكير, ويشمل الجانب الحسي الذي يفسد السلوك، كلاهما يعتبر اتباعًا للهوى، أي هو اتباع ما تميل إليه النفس, دون الاحتكام إلى منطق الشرع الذي جاء به الوحي, أو إلى منطق العقل السليم ذي التفكير المستنير المستند إلى العقيدة الصحيحة، بل هو مجرد اتباع ما تشتهيه النفس دون احتكام إلى معيار ضابط من شرع أو دين، هذا هو ما يطلق عليه الهوى، إذا أطلقت كلمة الهوى تعني هذا الأمر.


الهوى مراتب ودرجات أعظمها هو ما ذكره القرآن الكريم من أن يتخذ الإنسان الهوى إلها، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّـهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّـهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ). (الجاثية 23) فكيف يتخذ الإنسان إلها ومتى يصبح الهوى إلها؟ الإله هو الذي يذكر فلا ينسى, ويطاع فلا يعصى, فإذا أصبح هو الإنسان يأمر صاحبه فيطيعه, ويغريه بالشيء فيتبعه، أصبح عبدًا له، فإذا أصبح عبدًا له فقد اتخذه إلها. ولذلك يقول ابن عباس: "شرُّ إِلَهٍ عُبِدَ في الأرضِ الهوى". وهذا الإله الخطير الذي يعبده الناس في كل مكان، فإذا أردنا أن نحرر الإنسان من العبودية لا بد أن نحرره قبل كل شيء من العبودية لهواه أو أهواء الآخرين أيضًا.


يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». هذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية, ومن الخمسين الرجبية, معناه أن الإنسان لا يبلغ درجة الإيمان الكامل حتى يصبح هواه محمديًا وقرآنيًا وإسلاميًا, يعني أن تصبح ميوله وعواطفه كلها إسلامية, ومشاعره إسلامية, يحب ما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكما قال القرآن: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً). النساء 65)، وقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ). (الأحزاب:36). فالإنسان إذا أصبح ربانيًا وقرآنيًا تصبح مشاعره كلها إسلامية, وميوله واتجاهاته كلها إسلامية، فيحب لله, ويبغض لله, ويمنع لله, ويعطي لله. وفي الحديث: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" لأنه يتصرف كل تصرفاته عن منطلق رباني، منطلق إيماني, ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».


يقول ابن القيم - رحمه الله -: «صحـة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز بــه بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حســن القصــــد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادتــــه اتبـاع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى».


معاشر المؤمنين والمؤمنات:


ليس كل هوى مذموم. إذا أطلقنا كلمة الهوى, فهو مذموم، ولكن إذا فصَّلْنَا نقول: هناك هوى مقبول, وهوى مردود, مثلما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قضية أسرى بدر: «فَهَوَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر, ولم يهو ما قُلْتُ». يَعنِي مَالَ إلى قَولِ أبي بكر, ولم يَمِلْ إلى قولي، هذا المعنى اللغوي الأساسي مجرد الميل، إنما إذا أطلقت كلمة الهوى فصار معناها: الميل إلى الباطل, والميل إلى السوء, والميل إلى الشهوات, فهذه مذمومة كما ذم الله، فقال تعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً). (مريم 59). (..وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً). (النساء 27). فإذا أطلقت كلمة الهوى دون أن تقرن بشيء, فهي إطلاق على ما يذم، ولكن قد يأتي في سياق معين الهوى بمعنى يحمد أو لا يذم على الأقل.


النفس الإنسانية إذا تركت وحدها دون هداية من الله ومن الوحي ودون مجاهدة، فإنها تكون كما وصف الله الإنسان في القرآن فقال: (وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً). (الأحزاب72). وقال: (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً). (الإسراء11). وقال: (وكان الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً). (الكهف54). وقال: (إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ). (إبراهيم 34). وقال: (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ). (العاديات6).


وهكذا إذا تركت هذه النفس لغرائزها وحدها, دون هداية من الله سبحانه وتعالى, فإنها تذهب بصاحبها إلى سوء المصير - والعياذ بالله - ولذلك لا بد من مجاهدة النفس, ومن تنبيهها إلى مخالفة الهوى، فلذلك كان جهاد النفس من الأشياء الأساسية في علم السلوك، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل». والمجاهد ليس فقط هو الذي يحمل سيفه أو سلاحه ويقاتل به الأعداء، بل المجاهد أيضا هو من يجاهد نفسه، هذا الجهاد الداخلي قبل الجهاد الخارجي. وابن القيم حينما قسم مراتب الجهاد إلى ثَلَاثَةَ عَشَرَ مرتبةً, بدأها بجهاد النفس, وبعده جهاد الشيطان, وبعده جهاد الفساد والظلم في المجتمع. وبعده جهاد الكفار والمنافقين, إلى آخره. فجهاد النفس أول ما ذكر، وهو الذي جاء في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). (العنكبوت 69). وهو الذي يصل إلى مرحلة التزكية: قلب تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا). (الشمس7-10). ولذلك يذكر لنا القرآن أن أول ما خوطب به سيدنا موسى عليه السلام قوله تعالى: (فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى). (طه 16). يعني إذا اتبع الإنسان الهوى وصل إلى الردى والهلاك, ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ). (الشورى 15). ولسيدنا داود يقول (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ). (ص 26). عندما نتحدث عن مجاهدة النفس وعن مخالفة الهوى ربما يبالغ بعض الناس في هذا الأمر؛ فيجاهد نفسه عن المباح أو عن الحلال، فهل جهاد النفس مقصور على مجاهدتها فيما تأمر به من سوء وفحشاء؟ أم ربما أن نجاهدها أيضا في بعض المباحات؟ مجاهدة النفس لا تعني مجاهدتها في بعض المباحات, إنما الذي يشدد عليه الإسلام هو الشهوات المحرمة، أما الشهوات المباحة فيسميها القرآنُ الطيبات، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). (المائدة 87). وقال: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ). (الأعراف 32). وقال:(يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ). (الأعراف 31). فهو يبيح للإنسان أن يتمتع بطيبات الحياة، كلوا مما رزقكم الله حلالًا طيبًا، على خلاف الأديان والفلسفات التي تبالغ في تعذيب الجسد مما تزعمه لارتقاء الروح، لا تَصفُو الروحُ, ولا ترقى إلا إذا عَذَّبتَ الجَسدَ, وأتعبتَهُ وجوَّعْتَهُ، والإسلام لا يبيح هذا إلا بالقدر الذي لا يصل إلى حد الرهبانية التي كان الرهبان في العصور الوسطى يعذبون أنفسهم يقف الواحد منهم على رجل واحدة عشر ساعات, أو يقف في الشمس ويتعرض لحرها.


حينما وجد الرسول عليه الصلاة والسلام رجلًا نذر أن يحج ماشيًا قال: «إن الله عن تعذيب هذا نَفْسَهُ لَغَنِي». ورأى صلى الله عليه وسلم واحدًا يظله الناس ويرشون عليه الماء فقال: ما هذا؟ قالوا يا رسول الله هو صائم في السفر، قال: «ليس من البر الصيام في السفر». أي في مثل هذا السفر، ولذلك جاءت الرخص, والله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه, وكما يكره أن تؤتى معصيته، يريد الله بكم اليسر, ولا يريد بكم العسر. وحديث النبي عليه السلام للسيدة عائشة رضي الله عنها: «إنما أجرك على قدر نصبك». يعني أن الإنسان يعطى من الأجر على قدر ما يبذل من جهد في طاعة الله، فمن يؤدي الفرائض فقط, ليس كمن يؤدي الفرائض, ويحافظ على السنن الرواتب؟


وَلَرُبَّ سَائِلٍ يَسأَلُ: هل من وسائل عملية لعلاج الهوى؟ نقول: من الوسائل العملية: الفقه في الدين, وصحبة الأخيار, والبحث عن البيئة الصالحة, وجماع هذه مدارسة القرآن, ومطالعة كتب الفقه, والتفسير وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسير الأخيار والصالحين، فإذا لم نجد هؤلاء لنعيش معهم - علما أن الصالحين لا يخلو منهم عصر من العصور - فلنعش في الماضي نقرأ سير الصالحين, والمجاهدين لأنفسهم, والمتحررين من أهوائهم, وهذه تعطيكم شحنة من الإيمان قوية وهائلة, وتجعلكم تقفون عند الحق, وتتركون الباطل.


معاشر المؤمنين والمؤمنات: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة:


اللهم اجعل شهر القرآن الكريم هذا, شهر عز ونصر وتمكين للإسلام والمسلمين بقيام دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة, واجعلنا اللهمَّ ممَّن يتدبرون آياتك, فيأتمرون بأمرك, وينتهون عن نهيك: يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وَيَقدُرُونَكَ حَقَّ قَدْرك, ترضى عنهم, ويرضون عنك, واجعلنا اللهم ممن تقبلت منهم الصلاة والصيام, والدعاء والسجود والقيام, ومن عتقائك في هذا الشهر الكريم من النار, وأدخلنا الجنة مع الأبرار, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.