تأملات قرآنية (5) - الهدى والضلال
تأملات قرآنية (5) - الهدى والضلال

إخواننا الكرام، أخواتنا الكريمات: أيها المؤمنون والمؤمنات: الصائمون والصائمات: ...

0:00 0:00
السرعة:
April 27, 2020

تأملات قرآنية (5) - الهدى والضلال

tam 28 4 2020

تأملات قرآنية (5)

الهدى والضلال

إخواننا الكرام، أخواتنا الكريمات:

أيها المؤمنون والمؤمنات: الصائمون والصائمات:

أحبتنا الكرام:

نحييكم بأطيب تحية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله القائل في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) والصلاة والسلام على رسول الله القائل: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين". ثم أما بعد: فتعالوا معنا أحبتنا الكرام، وهلم بنا نحن وإياكم نتجه إلى مائدة القرآن الكريم نتأمل ونتدبر آياته جل وعلا عسى أن ينفعنا ويرفعنا بما فيه من الذكر الحكيم إلى أعلى الدرجات في جنات النعيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ومع الآية الثانية والسبعين بعد المائتين من سورة البقرة. يقول الله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّـهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. (البقرة ٢٧٢) قال نخبة من المفسرين: لست - أيها الرسول- مسئولا عن توفيق الكافرين للهداية، ولكن الله يشرح صدور مَن يشاء لدينه، ويوفقه له. ولكن هذا التفسير مرجوح، والأرجح ما سيأتي بيانه لاحقا. وما تبذلوا من مال يَعُدْ عليكم نَفْعُه من الله، والمؤمنون لا ينفقون إلا طلبًا لمرضاة الله. وما تنفقوا من مال - مخلصين لله - توفوا ثوابه، ولا تُنْقَصُوا شيئا من ذلك. وفي الآية إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق به سبحانه.

  مسألة «الهدى والضلال» التي عدها العلماء من توابع قضية الجبر والاختيار والقضاء والقدر، قد وردت في القرآن الكريم عدة آيات يشعر ظاهرها بأن اللّه تعالى هو الذي يهدي ويضل من دون اختيار للإنسان في ذلك‏ {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [إبراهيم 4] {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد 33]، وإذا كانت الهداية والإضلال من اللّه تعالى فلماذا يعاقب الضالين على ضلالهم، ويثيب المؤمنين على هداهم، و كلاهما من فعل اللّه تعالى وبمشيئته؟.

معاشر المؤمنين والمؤمنات:

ويجدر بنا قبل الجواب على هذه الشبهة أن نستعرض معاني الهدى والضلال كما وردت في كتب اللغة وكما استعملها القرآن الكريم في طيات آياته، لنفهم الغرض منها بدون لبس أو غموض: «أصل الهداية في اللغة: الدلالة على طريق الرشد»، «وهداه للطريق وإلى الطريق إذا دلّه على الطريق، وهديته الطريق والبيت هداية أي عرفته»، و«الهدى ضد الضلال، وهو الرشاد والدلالة» ويقال: «هديت لك في معنى بينت لك».  كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ} [السجدة 26]. أما «قوله عز وجل: الذي أعطى كل شي‏ء خلقه ثم هدى، معناه: خلق كل شي‏ء على الهيئة التي بها ينتفع، ثم هداه لمعيشته». و«الهداية في كلام العرب بمعنى التوفيق، قال الشاعر:

لا تحرمني هداك اللّه مسألتي‏   ...   ولا أكونن كمن أودى به السفر

يعني به: وفقك اللّه لقضاء حاجتي. وقوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات 23] «أي أدخلوهم النار كما تهدى المرأة إلى زوجها يعني بذلك أنها تدخل إليه». و«يقال لمن يتقدم القوم ويدلهم على الطريق: هاد»، و«الهداية: هي الثواب». قال تعالى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9] أي يثيبهم وقال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة 258] {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 108] {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف: 52] أي لا يثيب، ومنه قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272] أي ليس عليك ثوابهم، ولكن اللّه يثيب من يشاء. وهذا هو التفسير الراجح، وهو أقوى من تفسير النخبة من العلماء الذي ذكرناه آنفًا. و«أصل الضلال الهلاك، ومنه قوله تعالى: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: 10] أي هلكنا... والضلال في الدين: الذهاب عن الحق، والإضلال، الدعاء إلى الضلال والحمل عليه، ومنه قوله تعالى. {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ}. [طه 85]، والإضلال الأخذ بالعاصين إلى النار». إن النظرة الفاحصة لهذه المعاني التي يستعمل فيها لفظا الهدى والضلال ترشدنا إلى ما يأتي:

1- إن الإضلال قد يطلق على الإشارة إلى خلاف الحق والدعوة إلى الضلال والحمل عليه‏. وذلك ما لا يمكن وصف اللّه تعالى به أو نسبته إليه:‏ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} [التوبة 115]، بل إن الضلال- بصريح القرآن- لن يتحقق إلا بفعل الإنسان ومحض اختياره، قال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}. [النساء 116] وقال تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} [سبأ 50] وقال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الإسراء: 15] وقال تعالى:{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} [النحل: 125] كذلك يطلق الإضلال أيضا على الإبطال والإهلاك مثل قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ} [غافر 74] أي يهلكهم، وقوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد 33] أي: ومن يهلك اللّه من الكافرين والظالمين فما له من مثيب، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد 4] أي فلن يبطل أعمالهم.

2- يطلق الهدى على الدلالة إلى الحق‏ مثل قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف 43] وقوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات 17] وقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت 17] كما يطلق الهدى على الإثابة أيضا مثل قوله تعالى: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} [محمد 5] أي سيثيبهم.

معاشر المؤمنين والمؤمنات:

وعلى ضوء هذه الخلاصة لمعاني الهدى والإضلال نصل إلى نتيجة البحث، وهي: أن الإضلال بمعنى الإشارة إلى خلاف الحق مستحيل على اللّه تعالى لأنه الآمر بالحق، ولا يجوز في العقل أن يشير إلى خلافه أبدا. وإن الهدى بمعنى الدلالة إلى الحق قد فعله اللّه وحققه بإرسال الأنبياء وإنزال الكتب جيلا بعد جيل. ولم يبق لدينا من المعاني المنسجمة مع الواقع سوى الإضلال بمعنى الإهلاك في العقاب والهدى بمعنى الثواب، ويكونان هما المقصودين حصرا بما يتكرر وروده في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:{أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [النساء 88]: أي‏ أتريدون أن تثيبوا من أهلك اللّه بالعقاب، ونحو قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة 26] أي بالقرآن؛ حيث يهلك اللّه تعالى بنزول القرآن كثيرا من الناس لتمردهم عليه وعدم تنفيذهم لأوامره ونواهيه بعد إلزامهم بها ويثيب به كثيراً من الناس لإطاعتهم وتسليمهم وإذعانهم.

وإذا لم يكن الغرض من الهداية الإثابة لما فهمنا معنى مقبولا لما جاء في قوله تعالى مخاطبا نبيّه الأعظم: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة 272]. وقوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص 56]، ولو كانت الهداية بمعنى الإرشاد والدلالة لكانت هاتان الآيتان هدما لرسالة النبي في أبرز واجباتها وهو الدلالة والإرشاد والتوجيه.

وعلى هذا المنهج نسير في فهم سائر الآيات المباركة التي تحمل كلمات الهدى والإضلال، حيث يتجلى لنا سلامة كل هذه النصوص القرآنية مما يتنافى مع الاختيار الكامل والإرادة الحرة المنبعثة من نفس الإنسان ورغبته.

وبذلك نفهم أوضح الفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه»، إذ ليس المقصود به أنه تعالى قد خلقه مجبوراً على فعل ما يشقى به من معصية، وضلال أو ما يسعد به من طاعة وهدى ورشاد، وإنما الغرض منه كما قال الإمام الصادق عليه السلام بيان أن «الشقي من علم اللّه وهو في بطن أمه أنه سيعمل عمل الأشقياء، والسعيد من علم اللّه وهو في بطن أمه أنه سيعمل عمل السعداء»، وهذا من باب انكشاف الواقع لعلم اللّه تعالى، وليس فيه أي معنى من معاني الجبر والإكراه.

معاشر المؤمنين والمؤمنات: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة:

اللهم اجعل شهر القرآن الكريم هذا، شهر عز ونصر وتمكين للإسلام والمسلمين بقيام دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، واجعلنا اللهمَّ ممَّن يتدبرون آياتك، فيأتمرون بأمرك، وينتسهون عن نهيك: يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويقدرونك حق قدرك، ترضى عنهم، ويرضون عنك، واجعلنا اللهم ممن تقبلت منهم الصلاة والصيام، والدعاء والسجود والقيام، ومن عتقائك في هذا الشهر الكريم من النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.