تلخيص كتاب التفكير- الحلقة الأولى
تلخيص كتاب التفكير- الحلقة الأولى

إن الإنسان هو أفضل المخلوقات، لأنه يتميز عن غيره بعقله، فكان لزاماً أن نعرّف العقل، والتفكير الذي هو ثمرة العقل، كما أن المعارف ثمرة التفكير. 

0:00 0:00
السرعة:
September 22, 2025

تلخيص كتاب التفكير- الحلقة الأولى

تلخيص كتاب التفكير- الحلقة الأولى

إن الإنسان هو أفضل المخلوقات، لأنه يتميز عن غيره بعقله، فكان لزاماً أن نعرّف العقل، والتفكير الذي هو ثمرة العقل، كما أن المعارف ثمرة التفكير. 

لقد كان اهتمام البشرية منصباً على نتاج العقل أكثر من العقل نفسه. ومع أنه قد كانت هناك بعض المحاولات لتعريف العقل إلا أنها كانت فاشلة ولم يوفقّ أصحابها، فالفلاسفة اليونانيون وصلوا في تعريفهم للعقل إلى المنطق، فكان ذلك وبالا على المعرفة، كما عرّفوا الفلسفة بأنها تعني التعمق فيما وراء المادة أي الوجود، فكانت بعيدة عن الواقع.

إن فشلهم في معرفة واقع التفكير يعود إلى كونهم لم يبحثوا في العقل الذي هو أساس التفكير، حيث الأصل أن يُبحث العقل ثم التفكير ثم بعد ذلك يمكن الحكم على المعرفة، هل هي علم أم ثقافة أم غير ذلك. 

إنّ كل محاولات تعريف العقل لم ترتفع إلى مستوى النظر حتى، باستثناء محاولة الشيوعيين، الذين لولا إصرارهم على الإلحاد لتوصلوا إلى التعريف الصحيح، حيث بحثوا في ما الذي وجد أولاً، الفكر أم الواقع، وقالوا أن الواقع وجد قبل الفكر، لإنكارهم وجود شيء قبل المادة، فقالوا أن العقل هو انعكاس المادة على الدماغ، وهو قريب من الحقيقة، فالواقع لا بد منه لإحداث العملية العقلية، كما الدماغ، ولكنهم أخطئوا عندما قالوا بأنه انعكاس، وكذلك في قولهم أن الواقع وجد قبل الفكر، لأنهم لو قالوا غير ذلك فإن هذا يعني بأن الذي أعطى الفكر للإنسان هو غير الواقع، وهذا يخالف قولهم بأن العالم أزلي، فصاروا يتخيلون كيف كان الإنسان الأول يجري التجارب على الواقع حتى اهتدى إلى المعرفة، ولم يدركوا أن وجود المعلومات السابقة أمرٌ ضروري للعملية العقلية، وإلا لكان الحيوان يفكر؛ لأن لديه عقل، ولكن ليس لديه معلومات سابقة.

إنّ الآية التي تبين أن الله قد علم آدم الأسماء تدل على أن المعلومات السابقة شرط ضروري من أجل العملية العقلية. إنّ العملية العقلية ليست انعكاسا بل هي إحساس؛ لأن الانعكاس يتطلب أن يكون في الدماغ والواقع قابلية الانعكاس (كالمرآة)، ولكن الدماغ لا يوجد فيه قابلية الانعكاس، وإنما الذي يحدث هو إحساس عن طريق الحواس الخمس، فينتقل الحس إلى الدماغ، وهذا ظاهر في الأمور المادية، أما الأمور المعنوية، فإنه لا بد من الإحساس مثلاً بأن المجتمع منحط. إنّ الأشياء المادية يحصل الحس بها طبيعياً، وإن كان يقوى ويضعف حسب فهم طبيعتها، لذلك فإن الإحساس الفكري هو أقوى أنواع الإحساس. أما الأمور غير المادية فلا يحصل الحس بها إلا بوجود فهم لها أو عن طريق التقليد.

لكن هذا الإحساس وحده لا يؤدي إلى العملية العقلية، فإحساس زائد إحساس زائد مليون إحساس لا يؤدي إلا إلى إحساس، فكان لا بد من وجود المعلومات السابقة، فمثلاً لو أعطينا أحدهم كتاباً سريانيا وهو لا يعرف شيئاً عن هذه اللغة، فإنه لن تحصل عملية عقلية، ولا يُقال أن اللغات واقعها مختلف، فالعملية العقلية واحدة. وكذلك لو أعطينا طفلاً ما حجرا، ونحاساً، وذهباً، فإنه ليس بإمكانه أن يعرف ما هي طبيعتها ولو أعطيناه أسماءها دون أن يقترن اسمها بواقع كل منها، فإنه لن يميز الحجر مثلاً. هذا طبعاً من ناحية الإدراك العقلي، أما من ناحية الإدراك الشعوري فهو ناتج عن الغرائز والحاجات العضوية، ويحصل عند الإنسان كما الحيوان، يعرف من تكرار إعطائه التفاحة أنها تؤكل، ولا يمكن أن تحصل منه عملية عقلية.

إن ما يشتبه على البعض أن المعلومات السابقة قد تحصل من تجارب الشخص نفسه أو من التلقي يُردّ بالنظر إلى الفرق بين الإنسان والحيوان، والفرق بين الحاجات والغرائز وبين الحكم على الأشياء. فالفرق بين الإنسان والحيوان يكمن في الربط، فالحيوان لا يوجد عنده ربط، إنما استرجاع إحساس، فمثلا البقرة تتجنب العشب السام وتأكل العشب غير السام، أما الحركات التي يقوم بها الحيوان في السيرك فهي تقليد ومحاكاة، فما يتعلق بالغريزة يقوم به طبيعيا يحسّه الحيوان، ومن تكرار الإحساس يسترجعه، أما ما لا يتعلق بالغريزة، فإنه لا يقوم به طبيعياً وإذا أحسه وتكرر الإحساس قام باسترجاعه فيقوم بعدها به. أما الفرق بين الغرائز والحاجات والحكم على الأشياء، فإن الإنسان والحيوان يمكنهما من خلال الإحساس بالأشياء وتكرار الإحساس بها أن يكوّنا معلومات، ولكنها تكون في حدود الحاجات والغرائز ولا تتعداها من حيث الحكم على الأشياء على ما هي عليه، ولكن عملية الربط تكون في كل شيء سواء في الغرائز أم الحاجات أو في الحكم على الأشياء، فالمعلومات السابقة لا بد منها في عملية الربط.

ليس صواباً التفكير في الإنسان الأول وقياسه على الإنسان حالياً، فيكون بذلك قد قيس الشاهد على الغائب، بل يجب قياس الغائب على الشاهد، فالإنسان حالياً يحتاج إلى المعلومات السابقة حتى يقوم بالعملية العقلية. 

إن التفكير لا يقوم به إلا الإنسان؛ لأنه وحده الذي يوجد لديه دماغ فيه خاصية الربط، ولا بد من وجود معلومات سابقة قبل وجود الواقع. 

إنّ العملية العقلية حتى تتم لا بد من وجود أربعة أركان، هي: الدماغ الذي فيه خاصية الربط، والواقع، والمعلومات السابقة، والإحساس. فالعقل هو نقل الحسّ بالواقع إلى الدماغ مع وجود معلومات سابقة يُفسر بواسطتها هذا الواقع.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.