تلخيص كتاب التفكير - الحلقة الخامسة
تلخيص كتاب التفكير - الحلقة الخامسة

لا بد من التفكير في نوع العمل الذي يُراد اتخاذ أسلوب له، قبل اتخاذ الأسلوب، حتى يتم اتخاذ الأسلوب الفعال والناجح مع هذا العمل، والتشابه في الأساليب يجب ألا يجعل الناس يأخذون أساليب خاطئة في العمل. والأسلوب هو كيفية القيام بالعمل، وهي بعكس الطريقة، إذ أن الطريقة دائمة ويقينية أو أصلها يقيني، وليست بحاجة إلى كثير تفكير.

0:00 0:00
السرعة:
September 26, 2025

تلخيص كتاب التفكير - الحلقة الخامسة

تلخيص كتاب التفكير- الحلقة الخامسة

لا بد من التفكير في نوع العمل الذي يُراد اتخاذ أسلوب له، قبل اتخاذ الأسلوب، حتى يتم اتخاذ الأسلوب الفعال والناجح مع هذا العمل، والتشابه في الأساليب يجب ألا يجعل الناس يأخذون أساليب خاطئة في العمل. والأسلوب هو كيفية القيام بالعمل، وهي بعكس الطريقة، إذ أن الطريقة دائمة ويقينية أو أصلها يقيني، وليست بحاجة إلى كثير تفكير. فالأسلوب يحتاج إلى عقل مبدع، وحل المشاكل إنما يكون باستخدام الأساليب، فمن له عقليه حل المشاكل إذا استعصت عليه حل مشكلة يحاول حلها بأسلوب آخر ولا يهرب منها، حتى إذا لم يستطع حلها بعد عدة أساليب تركها فترة من الزمن ثم عاود التفكير في الحل. أما التفكير بالوسائل فهو التفكير بالأمور المادية التي تستخدم، ولا قيمة للأسلوب إن لم تُستخدم الوسيلة المناسبة، ومعرفة الوسيلة المناسبة يتم عن طريق التجربة، واستخدام الوسيلة غير المناسبة للأسلوب يؤدي إلى الفشل، فيجب أن يتم التفكير في الوسائل عند التفكير بالأساليب، وأن يتم ذلك عن طريق التجربة؛ لأن الأساليب وإن كانت خفية لكن الوسائل أخفى، إذ يجب أن تتم التجربة عليها حتى تقرر صلاحيتها للأسلوب أم لا. أما التفكير في الغايات والأهداف فهو التفكير فيما تريد، وهو ليس بالأمر السهل، وقلما تجد من الناس من يعرف ما يريد، فالناس بشكل عام بسبب "وجود غريزة القطيع" كما يقولون، يغلب عليهم التقليد، فتوجد لديهم معلومات غير صادقة يندفعون بها دون غاية، أما الأفراد فلا توجد لديهم غاية لعدم وجود القصد عندهم. وهذه الغايات تختلف، فالأمة المتقدمة هدفها الإشباع التام، أما الأمة المتخلفة هدفها التقدم، وتحقيق الأهداف يحتاج إلى الصبر، وإشباع الحاجات سواء أكانت بعيدة أم قريبة هو أمر سهل، فالصبر عليه موجود في كل إنسان، ولكن الأهداف الأخرى مثل السعي لرفع مكانتك فإنها تحتاج إلى وقت وصبر وجدية في الأمر وملاحقة.

إن الصبر عند الأفراد أكبر منه عند الجماعات، فالرؤية عند الفرد أقوى من الرؤية عند الجماعة، وكلما ازداد العدد ضعف التفكير، والجماعات لا ترى أن الممكن عقلا ممكن فعلا، عكس الفرد فهو يرى ذلك، على أن الأهداف التي يسعى لتحقيقها يجب أن تكون ممكنة وليست فوق الطاقة البشرية، وأن تكون وسائلها موجودة، ولا تحتاج إلى أجيال لتتحقق. إن الشعوب لا تضع لنفسها غايات، ولكن لديها غايات، وهي إما التخلص من الحرمان، أو تحسين الإشباع، وهذه الغايات ممكنة التحقق فعلا. يجب التفريق بين الغايات وغاية الغايات (المثل الأعلى)، فمثلا المثل الأعلى للمسلم هو تحقيق رضوان الله، فهو قد يضع لنفسه غاية دخول الجنة أو النجاة من النار، والتي وإن كانت من الممكن أن تكون غاية الغايات، لأنها غاية لغاية قبلها، ولكنه لوجود غاية بعدها لا يطلق عليها المثل الأعلى، لأن المثل الأعلى لا توجد غاية بعده وهو عند المسلم نيل رضوان الله. على أن الغاية يجب معرفتها قبل القيام بالعمل وأثناءه، ولكن المثل الأعلى يجب ملاحظته قبل وأثناء القيام بالعمل وتكون كل الأعمال والأفكار من أجل تحقيقه. ولا يقال أن الغاية قد تستغرق أكثر من جيل وقد لا يتم تحقيقها على يد من قصدها؛ لأن الأمم يقاس عمرها بالعقد، وتتحول من حال لحال في عقد واحد، ومع وجود الاحتلال فإنها تحتاج إلى ثلاثة عقود فيجب أن تكون الغاية ممكنة التحقق على يد فاعليها، على أن ما يُرسم للأمة على مدار أجيال هي افتراضات وخطوط عامة، وليست غايات، فالغاية يشترط فيها أن تكون متحققة على يد فاعلها.

إنّ التفكير السطحي هو آفة الشعوب، وسببه إما ضعف الإحساس أو ضعف المعلومات أو ضعف الربط، ومعظم البشر لديهم خاصية ربط وإحساس قوي، إلا القليل، والناس تتجدد لهم المعلومات يومياً، إلا القلة القليلة منهم، ولكن الناس عندما تعودوا عليه استمرؤوه، وأما الجماعات فإن التفكير عندها ضعيف أصلا. ولا يمكن علاج التفكير السطحي عند الجماعات ولكن يمكن رفع مستوى الواقع والوقائع، فيبقى التفكير سطحيا ولكن مرتفعا. أما الأفراد فيمكن علاج السطحية عندهم عن طريق إثارة استسخافهم لتفكيرهم، وإكثار التجارب لديهم، وجعلهم يسايرون الحياة ويتعايشون معها، وهكذا يسبقون أمتهم وينهضون بها بعد أن يتركوا التفكير السطحي؛ لأنهم يستطيعون تصور الحياة الراقية وقبول الآراء الصحيحة واعتناق الأفكار القطعية وبسبب قوة الربط عندهم يوجد التفكير العميق، ولكن لا بد أن تتبنّى الأمة هذه القدرة لدى هؤلاء الأفراد. ولا بد أن يتم السير في إزالة سطحية الأفراد وإزالة سطحية الأمة بشكل متزامن؛ لأن الأفراد جزء من المجتمع، والمجتمع مكون من أفراد. 

أما التفكير العميق فهو عدم الاكتفاء بالإحساس وربط الإحساس بالمعلومات الأولية، بل معاودة الإحساس بالواقع أكثر وأكثر، ومحاولة الربط بمعلومات أكثر من مجرد المعلومات الأولية. والفكر المستنير هو نفس الفكر العميق مع إضافة التفكير فيما حول الواقع للوصول إلى نتائج صادقة، لذلك قد تجد عالم الذرة الذي يفكر تفكيرا عميقا في الذرة يعبد الخشب، مع أن أبسط استنارة تُري أنها لا تنفع ولا تضر وأنها ليست مما يعبد، فالفكر العميق ليس مستنيرا، ولكن الفكر المستنير عميق. والتفكير العميق ليس ضروريا في العلوم والطب، ولكنه ضروري في رفع مستوى الفكر.

ومهما كان نوع الفكر يجب أن توجد فيه الجدية، وإن كانت السطحية لا تساعد على الجدية، والعمق يدفع إلى الجدية، والاستنارة تحتم الجدية، فالتفكير بالشيء يكون من أجل معرفته أو العمل به، وفي كلتا الحالتين يجب أن توجد الجدية والابتعاد عن التقليد والعادة في التفكير. ويجب أن تُصطنع الجدية حتى توجد، وهنا لا نعني مطلق الجدية، بل نعني أن تكون هناك أعمال تؤدي إلى المقصود، وفي مستوى ما تم التفكير به. وحتى توجد الجدية لا بد من الابتعاد عن الخجل والخوف والاعتماد على الغير لأنها كلها تتنافى مع الجدية. أما ضرورة وجود الجدية في العمل فذلك قادم من أن التفكير لا بد أن يكون من أجل العمل في الحياة، فلا يُقال بأن العلم يطلب للتلذذ، لأن غرضه هو أن يُعمل به في الحياة، لذلك لا تعدّ الفلسفة جدية مطلقا؛ لأنه ليس فيها إلا الاستمتاع بالدراسة والبحث، بينما يعدّ الشاعر جدياً لأن قراءة القصيدة توجد التلذذ والانتعاش، فالجدية تقتضي القصد وهم لم يقصدوا سوى مجرد البحث. وقد تطول المسافة وتقصر بين التفكير والعمل، ولكن هذا لا ينفي الجدية عنه. فيجب أن يكون التفكير جديا، وأن لا يكون رتيبا بحكم العادة والتقليد؛ لأن الذي يفكر هكذا يستمرئ الواقع ولا يفكر بالتغيير، ولا بد من التفكير بالتغيير لأن ركود الحياة من أخطر الآفات على الشعوب.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.