تلخيص كتاب التفكير- الحلقة الرابعة
تلخيص كتاب التفكير- الحلقة الرابعة

  أما التفكير في الكون والإنسان والحياة فهو ليس تفكيرا في الطبيعة؛ لأن الطبيعة أكبر من ذلك، وليست تفكيرا في العالم؛ لأن العالم كل ما سوّى الله تبارك وتعالى، وبحث العالم يشمل الشياطين فهو لا يعنيه، وبحث الطبيعة لا يغني الإنسان عن البحث في كونه وماهيته.

0:00 0:00
السرعة:
September 25, 2025

تلخيص كتاب التفكير- الحلقة الرابعة

تلخيص كتاب التفكير- الحلقة الرابعة

أما التفكير في الكون والإنسان والحياة فهو ليس تفكيرا في الطبيعة؛ لأن الطبيعة أكبر من ذلك، وليست تفكيرا في العالم؛ لأن العالم كل ما سوّى الله تبارك وتعالى، وبحث العالم يشمل الشياطين فهو لا يعنيه، وبحث الطبيعة لا يغني الإنسان عن البحث في كونه وماهيته. إن الكون والإنسان والحياة هو مما يقع عليه الحس، وذلك أن الإنسان يدرك وجوده ويدرك الكون الذي يعيش فيه، فيبدأ بالتساؤل عما قبل هذا الكون وعما بعده، وتوجد عنده العقدة الكبرى، فهو إن لم يحلها حلا قطعيا تظل التساؤلات ترجع عنده. وهذا التفكير أمر حتمي، لأن الإحساس بالكون والإنسان والحياة أمر حتمي، ومن الناس من يتجاهل حل العقدة الكبرى ومنهم من يحلها، وبالعادة فإن الإنسان يقوم بطرح الأسئلة على أهله، ولثقته فيهم يوقن بأن إجابتهم هي الصواب، ولكن من الناس بعد البلوغ من لا يطمئن لهذه الإجابات فيحاول التوصل إلى الإجابة بنفسه. ذلك أن الحل إن لم يكن موافقا للفطرة تبقى التساؤلات تراود الإنسان، وإن حلها حلا لا يوافق الفطرة تبقى هذه التساؤلات تزعجه.

إن الشيوعية قد تجنبت التفكير في الكون والإنسان والحياة إلى التفكير في المادة، فأرجعت أصل هذه الثلاثة إلى المادة، والمادة جرتهم إلى المختبر، وأما الكون والإنسان والحياة فلا يخضع لها، فالتساؤلات تحتاج إلى تفكير عقلي وهم ينتقلون إلى التفكير العلمي، وبذلك يبقى الحل حلا لأفراد وليس لأمة، ولا دخل له بالحياة. إن حل العقدة الكبرى فيه جانب عقلي وجانب إشباع الطاقة الحيوية، والتفكير يجب أن يشبع الطاقة الحيوية، وإشباع الطاقة الحيوية لا بد أن يكون موافقا للعقل، وبهذا يكون الحل صحيحا وليس تخيلات، ولا بد أن يكون جازما حتى لا تعود التساؤلات للإنسان. صحيح أن الطاقة الحيوية تدفع الإنسان للإشباع وحل العقدة الكبرى، ولكن هذه الطريقة غير مأمونة العواقب، إذ قد تؤدي إلى الإشباع بالفروض والتخيلات، ولا يكون الحل صحيحا، فلا بد أن تحل العقدة الكبرى بالتفكير الذي يتوافق مع الغريزة.

أما إشباع الحاجات الأخرى فإنه يتطلب التفكير في العيش، ولكن هذا التفكير إن لم يكن مبنيا على النظرة إلى الحياة (لأن الإنسان يعيش في الحياة، فلا بد أن يكون تفكيره في العيش مبنيا على التفكير في الحياة)، فإنه لا يكون راقيا. صحيح أن التفكير في العيش يسبق التفكير في الكون والإنسان والحياة، ولكن حتى يكون الإشباع والتفكير في العيش راقيا لا بد أن يكون مبنيا على التفكير في الكون والإنسان والحياة. وصحيح أن ترك التفكير في العيش يؤدي بالإنسان من التفكير في عيش نفسه إلى عيش عائلته، ومن عيش عائلته إلى قومه ولكنه يبقى تفكيرا أنانيا لا راقيا. ولا بد أن يكون التفكير في العيش يؤدي الغاية من العيش، وأن يكون تفكيراً مسئولا، أي أن يفكر رب الأسرة مثلا في أهله، وبهذا يمكن أن يرتفع التفكير عن مستوى تفكير الحيوان، وهذا أقل ما يمكن اشتراطه وهو لا يعني بالضرورة أن يكون التفكير راقياً. 

إن التفكير في العيش هو الذي يصوغ شكل الحياة، ونظرة إلى المبدأ الرأسمالي، الذي وإن صاغ تفكيره بالعيش بناء على الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة، وإن كان قد حقق نهضة للشعوب التي اعتنقته، إلا أنه جلب لهم الشقاء والبؤس، وجعلهم في حالة شقاق ونزاع على رغيف الخبز، فالرأسمالية تخلو من المسئولية ومن التفكير بشكل مسئول. أما الاشتراكية فهي وإن كانت قد جاءت لتوجد المسئولية، إلا أنها لم تصمد أمام الحياة وتحولت إلى الرأسمالية، فنظرة العيش حاليا رأسمالية غير مسئولة بحتة في كل العالم ولا بد من التحول عنها. صحيح أن التفكير بالعيش هو تفكير في إشباع الطاقة الحيوية، ولكن بدلاً من أن تكون هذه العلاقة بالرغيف بين الإنسان والإنسان هي علاقة أثرة، يجب أن تكون علاقة إيثار، فيفرح الإنسان عندما يعطي كما يفرح بالأخذ. وهذا لا يعني التفكير بإشباع الطاقة الحيوية للغير، ولكن يجب أن يتم التفكير بإشباع الطاقة الحيوية للنفس مع التفكير بالغير بشكل مسئول.

إن الحقيقة تعني مطابقة الفكر بواقع، فبعد نقل الواقع عن طريق الإحساس إلى الدماغ، وإصدار الحكم، إن كان الحكم مطابقا للواقع (مثل القول أن المجتمع مجموعة أفكار ومشاعر وأنظمة) كان هذا الحكم حقيقة، وإن كان غير مطابق للواقع (كالقول بأن المجتمع أفراد) فليس بحقيقة، بدليل أن مجموعة الأفراد في الباخرة لا يشكلون مجتمعا لعدم وجود علاقات بينهم، وعندما يكون الفكر مطابقا للواقع فإنه يكون متجاوبا مع الفطرة. ولا يقال أن الأشياء التي لا يقع عليها الحس لا يمكن الحكم عليها أنها حقيقة لأن شرط العملية العقلية هو الإحساس بواقع، لأن الإحساس بأثر الشيء يدل على وجوده ويكون حقيقة مثل وجود الله، ولكن ذات الله لا تقع تحت الحس وبالتالي لا نستطيع الحكم عليها.

يجب الانتباه إلى المغالطات في الحقائق، مثل محاولة طمس حقيقة بحقيقة أخرى، أو محاولة خلط فكر بحقيقة، أو التشكيك في حقيقة، مثلا أن اليهود أعداء للمسلمين حقيقة وأنهم أعداء لأهل فلسطين حقيقة، ولكن الحقيقة الثانية هي الظاهرة، فاتخذت أداة لطمس الحقيقة الأولى. هناك مغالطات تصرف عن الحقائق بإيجاد أعمال تصرف عن الحقيقة، فمثلا كون الأمة لا تنهض إلا بالفكر قام الغرب بصرف الناس عنها، بتشجيع الأعمال المادية مثل الإضرابات، وإيهامهم بأن النهضة تحصل بالأخلاق. 

لا بد من التمسك بالحقائق والتمييز بينها وبين الوقائع، فهناك أمور أو آراء وليدة ظروف وهي خاصة بتلك الظروف، فلا يجب الخلط بينها وبين الوقائع، كحقيقة أن الساحل ثغرة ينفذ منها الغرب إلى البلاد الإسلامية، وكواقع أن الصليبيين قد هزموا المسلمين وقتها، فأهملت حقيقة أن الساحل ثغرة يجب سدها إلى واقع أن الصليبيين قد هزموا المسلمين. لا يصح تجريد الفكر من الظروف الخاصة به، ولكن الحقيقة لا يصح أن ينظر فيها إلى الظروف، لا سيما أن الحقائق تؤخذ بالطريقة العقلية وبالجانب اليقيني منها، وليس بالطريقة العلمية الظنية.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.