تلخيص كتاب التفكير - الحلقة السابعة
تلخيص كتاب التفكير - الحلقة السابعة

  أما النصوص الشرعية ففهمها بحاجة إلى معرفة دلالة الألفاظ والتراكيب، ثم معاني الألفاظ والتراكيب، ثم استعمال معلومات معينة للوقوف على الفكر، فتجب معرفة اللغة ألفاظا وتراكيب، ومعرفة اصطلاحات معينة، ثم الوقوف على الأحكام.

0:00 0:00
السرعة:
September 28, 2025

تلخيص كتاب التفكير - الحلقة السابعة

تلخيص كتاب التفكير- الحلقة السابعة

أما النصوص الشرعية ففهمها بحاجة إلى معرفة دلالة الألفاظ والتراكيب، ثم معاني الألفاظ والتراكيب، ثم استعمال معلومات معينة للوقوف على الفكر، فتجب معرفة اللغة ألفاظا وتراكيب، ومعرفة اصطلاحات معينة، ثم الوقوف على الأحكام. وإن كانت النصوص الأخرى يمكن قراءتها، ولكن النصوص التشريعية لا يجوز قراءتها من غير الإسلام؛ وذلك لأن القراءة إنما تكون من أجل الأخذ، ولا يجوز الأخذ من غير الإسلام، فإذا كانت الأفكار مبنية على العقيدة يكون ذلك مقياسا على صحتها، فالأحكام الشرعية تنبثق انبثاقا عن العقيدة، فالله سبحانه عندما قال اقرأ كان قد أباح القراءة، ولكنه سبحانه عندما حصر الأخذ بالأحكام الشرعية فقد جعل الإباحة خاصة بغير ما هو متعلق بالتشريع الإسلامي. والتفكير بالتشريع وإن كان يحتاج إلى معرفة باللغة العربية والأحكام الشرعية، إلا أنه يحتاج قبل ذلك إلى معرفة الواقع والحكم الشرعي ثم تطبيق الحكم الشرعي على الواقع، فإن انطبق عليه كان حكمه، وإلا فإنه يُبحث عن حكم آخر. والتفكير التشريعي يتطلب العناية بالألفاظ كالنصوص الأدبية، والمعاني والأفكار كالنصوص الفكرية، والوقائع والأحداث كالنصوص السياسية، فهو يتطلب العناية بكل ما تحتاجه النصوص الأخرى.

ويختلف التفكير بالنصوص الشرعية باختلاف الغاية، فالتفكير يكون لأخذ الحكم الشرعي أو استنباطه، أما أخذ الحكم الشرعي فيكفي فيه معرفة الألفاظ والتراكيب، وهي وإن احتاجت إلى معلومات سابقة عن الشرع إلا أنه يكفي فيها مجرد المعرفة الأولية، فلا تحتاج علوم البلاغة أو الفقه أو غيرها. فمثلاً إذا أراد الشخص معرفة حكم نوع من لحوم العلب فإنه يكفي أن يعرف أن لحم الميتة حرام وأن لحم العلب من هذا النوع لحم ميتة. أما التفكير لاستنباط الحكم الشرعي فإنه يحتاج إلى معرفة الألفاظ والتراكيب والأفكار الشرعية والواقع للفكر أي للحكم، فيجب أن يكون المُستنبِط عالما بالتفسير والأحاديث واللغة، وليس معنى كونه عالما هو أن يكون مجتهدا في هذه الأمور، بل أنه يستطيع أن يرجع إلى كتاب من كتب اللغة ليعرف إعراب كلمة، ويستطيع أن يسأل شخصا عالما بالأحاديث، فيكفي أن يكون ملما إلماما كافيا للاستنباط حتى يكون مجتهدا. لهذا فإن الاجتهاد خاصة هذه الأيام ميسور متوفر لكافة الناس، وهو وإن كان فرض كفاية، لكن تجدد الوقائع وتحريم الإسلام الأخذ من غيره يجعل فرض الكفاية هذا لا يقل لزوما عن فرض العين. ولكن يجب ألّا يؤخذ الحكم الشرعي بسهولة وخفة ودون تروٍ، بل المجتهد يجب عليه أن يكون دائم الملاحظة إلى ما تحتاجه النصوص من معرفة باللغة والأحكام الشرعية والواقع وانطباق الحكم الشرعي على الواقع، وإن كان هذا الأخير ليس من العلوم اللازمة للاستنباط، ولكنه نتيجة لصحة معرفة الأمور الثلاثة السابقة.

إن التفكير الشرعي هو لمعالجة مشاكل الناس، والتفكير السياسي هو لرعاية شئونهم، والتفكير السياسي يناقض التفكير الأدبي الذي يُعنى باللذة بالألفاظ والتراكيب. وأما بالنسبة للتفكير الفكري فإنه بحاجة لتفصيل، فهو إن كان تفكيرا في نصوص العلوم السياسية فإن التفكير السياسي والفكري يكادان يكونان نوعا واحدا، إلا أن التفكير الفكري يحتاج أن تكون المعلومات السابقة بمستوى الفكر، وإن كانت ليست من نوعه، فيكفي أن تكون متعلقة به، ولكن التفكير السياسي يحتاج إلى معلومات سابقة بمستوى الفكر ومن نوعه.

إن التفكير السياسي، كالتفكير بالأخبار والوقائع، هو أصعب أنواع التفكير؛ لعدم وجود أساس له يمكن السير عليه، لذلك فإنه يحير الباحث ويجعله عرضة للخطأ والأوهام إن لم يكن قد مر بالتجربة السياسية، ومتابعا للأحداث اليومية، ودائم اليقظة كذلك. وهو أعلى أنواع التفكير، وليس التفكير بالقاعدة الفكرية - مع أن جميع المعالجات تنبثق عنها - وذلك لأن القاعدة الفكرية نفسها هي فكر سياسي، وإلا فليست قاعدة صحيحة.

إن التفكير السياسي الحق هو التفكير بالأخبار، وإن كان يشمل التفكير بالأبحاث السياسية والعلوم السياسية، فهذان يجعلان الشخص عالما بالسياسة، أما الذي يجعل الشخص سياسيا فهو التفكير بالأخبار، على أن الإلمام بالعلوم السياسية ليس شرطا في التفكير السياسي فهي تساعد فقط في جلب نوع المعلومات عند الربط. على أن الغرب عندما نشأت عندهم فكرة فصل الدين عن الحياة والحل الوسط كانت الأبحاث السياسية قائمة على هذا الأساس، وعندما ظهرت الاشتراكية ظل أصحابها ملتحقين بالغرب؛ لذلك يجب الحذر عند قراءة هذه الأبحاث، لأنها تقوم على الحل الوسط.

إنّ العلوم السياسية كعلوم النفس، قائمة على الحدس، ومع أننا لا نفضل قراءة هذه الأبحاث لأنها من التشريع (كونها تحمل أفكار حكم)، إلا أنه نظراً لكونها نوعا من الأبحاث الفكرية فيها أبحاث سياسية فلا بأس بقراءتها من هذه الناحية. 

ومن الأفكار السياسية التي تقوم على الحل الوسط عند الغرب هي فكرة القيادة الجماعية، ذلك أن القيادة كانت في الغرب فردية، فثار الناس وقالوا أن الشعب هو الذي يجب أن يحكم، فوضعوا حلا وسطا، وهو أن يقوم مجلس الوزراء بالقيادة، فهو ليس الشعب (بل الشعب يختار الحاكم)، وليس فردا، بذلك يكون قائماً على الحل الوسط. والواقع العملي يري أنه لا توجد فيه قيادة جماعية بل الذي يتولى القيادة هو رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء. كما أنهم قالوا بأن السيادة للشعب؛ لأنهم ضجوا من كون السيادة لحاكم يقرر ويملك الإرادة، فقاموا بإنشاء مجلس للنواب ينتخبه الشعب للتشريع، وهذا حل وسط؛ لأن الذي يشرع هو الحاكم وليس هذا المجلس، فوق هذا فإن واقع الحكم هو أن يختار الشعب الحاكم وتكون السيادة للقانون فلا سيادة للشعب ولا حكم للشعب. كذلك فإن الأمور العاطفية عندهم شيء والأمور الدينية شيء والحكم شيء، فهم عندما ثاروا على استبداد الحكام وتحكمهم بالكنيسة، فصلوا الأمور الخيرية والدينية عن الحكم، مع أن هذه الأمور هي من رعاية الشئون، والدولة هي التي تقوم بالإشراف عليها ولكن بأساليب خفية غير ظاهرة. هذا فيما يتعلق بالأبحاث السياسية فيما يتعلق بالأفكار، فكيف الأمر مع الوقائع والأحداث؟ والتي وإن كان فيها بعض الحقائق إلا أنها مملوءة بالمغالطات فيجب الحذر منها.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.